أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مروان فلو - حلقة ديمينغ… حكمة الدائرة في إدارة العمل














المزيد.....

حلقة ديمينغ… حكمة الدائرة في إدارة العمل


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 15:24
المحور: قضايا ثقافية
    


في تاريخ الأفكار الإدارية قلّما نجد فكرة صغيرة في شكلها، عظيمة في أثرها، مثل الفكرة التي عُرفت باسم حلقة ديمينغ، المرتبطة بعالم الجودة والإحصاء W. Edwards Deming.
فقد استطاعت هذه الفكرة البسيطة أن تغيّر طريقة تفكير المؤسسات في العمل والإنتاج، وأن تجعل من الإدارة علماً يقوم على التعلم المستمر لا على القرارات المرتجلة.
إن كثيراً من المشاريع تفشل لا لأن أصحابها يفتقرون إلى الطموح، بل لأنهم يتصورون أن النجاح يولد دفعة واحدة، بقرار حاسم أو خطة مكتملة. غير أن التجربة الإنسانية تعلّمنا أن النجاح الحقيقي لا يولد فجأة، بل يتكوّن عبر سلسلة من المحاولات المتعاقبة التي يتعلم فيها الإنسان من أخطائه بقدر ما يتعلم من صواباته.
وهنا تأتي حكمة حلقة ديمينغ. فهي لا تقدّم وصفة جامدة، بل تقترح منهجاً دائرياً للحركة والعمل: التخطيط، ثم التنفيذ، ثم المراجعة، ثم التصويب. وبعد ذلك تعود الدورة إلى بدايتها، ولكن بخبرة أوسع وفهم أعمق.
فالتخطيط هو لحظة التأمل الأولى؛ اللحظة التي يحاول فيها العقل أن يقرأ الواقع ويستشرف المستقبل. غير أن التخطيط الذي لا يقوم على معرفة دقيقة بالوقائع سرعان ما يتحول إلى وهم جميل. ولذلك فإن أول شروط التخطيط الناجح هو أن يُبنى على بيانات حقيقية ومعلومات موثوقة، لأن الفكرة التي لا تسندها المعرفة لا تملك القدرة على الحياة.
ثم يأتي التنفيذ، وهو لحظة الاختبار. ففي التنفيذ تتعرّى الأفكار من زينتها النظرية، وتواجه العالم كما هو، لا كما نتخيله. وكثيراً ما يكتشف الإنسان في هذه المرحلة أن الواقع أكثر تعقيداً من كل ما رسمه في ذهنه.
لكن التنفيذ في فلسفة ديمينغ ليس اندفاعاً أعمى، بل تجربة واعية تُراقَب باستمرار. وهنا تظهر أهمية القياس؛ فالعمل الذي لا يمكن قياسه لا يمكن فهمه، والعمل الذي لا يمكن فهمه لا يمكن إدارته.
ثم تأتي المراجعة، وهي لحظة الحكمة في هذه الدورة. ففيها ينظر الإنسان إلى ما أنجزه بعين النقد لا بعين الرضا، ويقارن بين ما أراده وما تحقق فعلاً. وفي هذه اللحظة يتعلم المرء أكثر مما يتعلم في لحظة النجاح، لأن الخطأ الصادق غالباً ما يكون أصدق معلم.
أما التصويب فهو الاعتراف العملي بأن الطريق إلى الهدف ليس مستقيماً دائماً. فقد تحتاج الخطة إلى تعديل، وقد يحتاج التنفيذ إلى تحسين، وقد نكتشف أحياناً أن المشكلة لم تكن في العمل نفسه بل في الطريقة التي فهمنا بها الواقع.
وهكذا تعود الدورة إلى بدايتها، لكن الإنسان الذي يبدأها في المرة الثانية ليس هو نفسه الذي بدأها في المرة الأولى؛ فقد أصبح أكثر معرفة وأكثر بصيرة.
غير أن السر الحقيقي في هذه الحلقة يكمن في القياس. فالقياس هو العين التي ترى بها الإدارة نفسها. وإذا كانت هذه العين ضعيفة أو مضللة، فإن كل ما يُبنى عليها سيكون معرضاً للخطأ.
ولهذا ينبغي أن يتولى القياس من يمتلك الخبرة والمعرفة، لأن الأرقام في ذاتها صامتة، ولا تنطق إلا لمن يحسن قراءتها.
وقد لخّص W. Edwards Deming هذه الفلسفة بوضوح في كتابه
Out of the Crisis
حين أشار إلى أن الجودة لا تتحقق بالتفتيش المتأخر على النتائج، بل بتحسين النظام الذي ينتج تلك النتائج.
ولذلك أصبحت هذه الفكرة أساساً لكثير من فلسفات الإدارة الحديثة، ومنها منهج Kaizen الذي اعتمدته شركات كبرى مثل Toyota، حيث يتحول العمل اليومي إلى عملية تعلم دائم، لا يتوقف فيها البحث عن التحسين ولو كان صغيراً.
إن حلقة ديمينغ في جوهرها ليست مجرد أداة تنظيمية، بل هي رؤية للحياة والعمل. فهي تذكّرنا بأن النجاح ليس محطة نصل إليها مرة واحدة، بل رحلة طويلة من المحاولة والتصحيح والتعلم. ومن يدرك هذه الحقيقة يفهم أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه أي مشروع ليس الكمال، بل القدرة الدائمة على التحسن.

تحياتي
13 / 3 / 2026



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مخاض -الشرق الأوسط الجديد-: الجغرافيا الممزقة بين مطرقة الحر ...
- الكُرد بين ذاكرة الخذلان وبراغماتية البقاء: هل تغيّر العقل ا ...
- فخّ الاستنزاف: الشرق الأوسط بين شبح أوكرانيا وميلاد نظام عال ...
- الكورد والمعادلة الدولية: من “حليف الضرورة” إلى “شريك الوجود ...
- بين مطرقة الملالي وسندان بهلوي: هل تكرر إيران الخديعة السوري ...
- زلزال “البحر”: حين ترتجف الجغرافيا وتُختبر فكرة الدولة في إي ...
- حوار بيني وبين Chat GPT هل القومية اعتقاد أم أصل عرقي؟
- الزلزال الجيوسياسي القادم: هل تكسر كردستان قيود -لوزان-؟
- اليوم العالمي للغة الأم: حين تتحول اللغة إلى وطنٍ يسكن فينا
- شرق كُردستان في معادلة القوة والهوية: دراسة جيوسياسية في صرا ...
- حزب العمال الكُردستاني والمعادلة الأمريكية: بين عائق الحل وم ...
- المسألة الكُردية في الاستراتيجية الأمريكية: بين الشراكة التك ...
- من اللامركزية إلى الاندماج: التحول الاستراتيجي في خطاب مظلوم ...
- ميونخ وما بعده: من شرعية الميدان إلى اختبار الشرعية السياسية
- كوردستان في -ميونخ 2026-: من خنادق القتال إلى طاولات القرار ...
- تدويل حماية الكُرد: بين الشرعية الأوروبية وحدود النظام الدول ...
- الفاعلية الكُردية في شمال وشرق سوريا في ظل تآكل الرهان الأمي ...
- لماذا يتخلى الحليف عن حليفه؟ الوظيفة الجيوسياسية كشرط بنيوي ...
- سورية 2026: صراع الشرعيات وتأويل الجغرافيا - الكُردية بين ال ...
- اتصال بارزاني–باراك في سياق إعادة تشكل التوازنات الإقليمية ق ...


المزيد.....




- ماذا قالت الصين وبريطانيا عن تصريحات ترامب بشأن تأمين مضيق ه ...
- عاجل | وزارة الصحة اللبنانية: 7 شهداء و8 مصابين في غارتين إس ...
- عاجل | ترمب: على مجتبى خامنئي أن يفعل شيئا حكيما للغاية لبلا ...
- أنور قرقاش يرد على عراقجي: إيران -أخطأت العنوان- بهجماتها عل ...
- البحر الأسود: الحكومة اليونانية ترفع حالة تأهب بعد الهجوم عل ...
- الدول الخليجية تتعرض لموجة هجمات جديدة بالصواريخ والمسيرات
- تواصل القصف على إيران في الأسبوع الثالث من الحرب وإسرائيل تع ...
- آلاف الهجمات وعشرات الجبهات.. ماذا تكشف أرقام الحرب بعد أسبو ...
- استهداف مطار الكويت ودول الخليج تعترض عشرات المسيّرات والصوا ...
- من يصرخ أولا؟.. حرب أمريكا وإيران صراع على عقارب الساعة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مروان فلو - حلقة ديمينغ… حكمة الدائرة في إدارة العمل