أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - ميونخ وما بعده: من شرعية الميدان إلى اختبار الشرعية السياسية















المزيد.....

ميونخ وما بعده: من شرعية الميدان إلى اختبار الشرعية السياسية


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 19:33
المحور: القضية الكردية
    


لم يكن حضور وفد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ومجلس سوريا الديمقراطية في مؤتمر ميونخ للأمن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل لحظة سياسية كثيفة المعاني، تختصر مساراً طويلاً من التحولات التي انتقلت فيها القوى الكُردية من هامش الصراع إلى قلب الحسابات الدولية. لقد شكّل هذا الحضور انتقالاً رمزياً من شرعية السلاح التي كرّستها المعارك ضد الإرهاب إلى شرعية السياسة التي تُبنى في فضاءات التفاوض، حيث تُصاغ ملامح المستقبل لا في الخنادق، بل على طاولات الحوار.
غير أن هذه اللحظة، رغم أهميتها، لا تزال تتحرك ضمن حدود ("الاعتراف الواقعي"), دون أن تبلغ مرتبة ("الاعتراف القانوني"), وهو الفارق الدقيق بين أن تكون ضرورة مفروضة بحكم الوقائع، وبين أن تصبح حقيقة راسخة بحكم القانون الدولي.
أولاً: رمزية الحضور وتحول المكانة السياسية
لم تكن دعوة وفد شمال وشرق سوريا إلى ميونخ مجرد مجاملة سياسية، بل كانت تعبيراً عن إدراك دولي متنامٍ بأن هذه القوى لم تعد فاعلاً هامشياً يمكن تجاوزه. إن جلوس شخصيات قيادية مثل السيدة إلهام أحمد إلى جانب وزراء ومسؤولين من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن هذه الإدارة تمثل ("شريكاً محلياً لا يمكن تجاوزه" في معادلة الاستقرار السوري) (١).
هذا التحول يعكس حقيقة جوهرية: الشرعية في النظام الدولي لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجياً عبر التراكم الوظيفي، حين يصبح وجود طرف ما ضرورياً لتوازن المصالح الدولية.
ثانياً: بين ارتباك الخصوم وحدود الحلفاء
حمل هذا الحضور رسائل متعددة الاتجاهات. فمن جهة، وجّه رسالة واضحة إلى دمشق مفادها أن زمن الاحتكار السياسي قد انتهى، وأن نموذج الدولة المركزية الصلبة بات يصطدم بواقع دولي يتجه نحو حلول لا مركزية تضمن الاستقرار وتستوعب التنوع.
أما بالنسبة إلى تركيا، فإن هذا الحضور أربك سرديتها التي سعت طويلاً إلى نزع الشرعية السياسية عن القوى الكُردية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم الدولي ظل محكوماً بسقف واقعي، إذ لا تستطيع الدول الغربية التضحية بعلاقاتها مع أنقرة، العضو المحوري في حلف شمال الأطلسي. وهكذا أصبح الحضور الكُردي جزءاً من معادلة توازن دقيقة، لا أداة مواجهة مباشرة، بل ورقة ضغط محسوبة (٢).
إن هذا الواقع يفرض قراءة واقعية: الدعم الدولي ليس التزاماً أخلاقياً، بل هو انعكاس لمصالح متغيرة.
ثالثاً: الخطاب السياسي بين الواقعية والطموح
اتسمت تصريحات القيادات الكُردية بنبرة سياسية ناضجة، تعكس إدراكاً عميقاً لتعقيدات المرحلة. فقد أكدت إلهام أحمد أن ("الحل في سوريا لا يمكن أن يكون عسكرياً، وعلى المجتمع الدولي الضغط لضمان مشاركة كافة المكونات في صياغة دستور دائم") (٣)، وهو تصريح يعكس انتقال الخطاب من منطق القوة إلى منطق الشراكة السياسية.
من جانبه، شدد القائد العام لـقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، على أن ("الاستقرار في شمال سوريا هو الضامن الوحيد لعدم عودة التنظيمات الإرهابية، وهذا يتطلب دعماً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز الدعم العسكري") (٤).
كما برز تأكيد واضح على خيار الحوار، باعتباره ضرورة إستراتيجية، لا تنازلاً تكتيكياً، من خلال التأكيد أن ("الحوار مع دمشق خيار إستراتيجي، لكنه يتطلب اعترافاً دستورياً بخصوصية الإدارة الذاتية وقواتها") (٥).
رابعاً: صمت الإعلام وضجيج السياسة الخفية
إن غياب مؤتمر صحفي عالمي مشترك لم يكن دليلاً على ضعف الموقف، بل كان انعكاساً لحساسية المرحلة. فالدبلوماسية، بطبيعتها، تتقدم غالباً في الظل قبل أن تظهر إلى العلن. إن ما يجري في ("الغرف المغلقة") هو الذي يرسم المسارات الحقيقية، بينما تبقى التصريحات العلنية مجرد انعكاس جزئي لما تم الاتفاق عليه.
لقد كانت هذه المرحلة أقرب إلى طور التثبيت السياسي، حيث يتم اختبار حدود القبول الدولي قبل الانتقال إلى مراحل أكثر وضوحاً.
خامساً: الدروس المستفادة والتحديات القادمة
إن التجربة التي مرت بها قسد ومسـد تحمل دروساً استراتيجية عميقة، ينبغي استيعابها بوضوح:
الدرس الأول: الشرعية الدولية لا تُبنى على التضحيات وحدها، بل على القدرة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة.
الدرس الثاني: الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي يمثل خطراً استراتيجياً، لأن هذا الدعم محكوم بتغير المصالح، وليس بثبات المبادئ.
الدرس الثالث: الوحدة الداخلية الكُردية ليست خياراً رمزياً، بل ضرورة وجودية، لأن الانقسام يضعف القدرة على التفاوض ويمنح الخصوم فرصة لتفكيك المكاسب.
الدرس الرابع: القوة الحقيقية ليست في السيطرة العسكرية، بل في بناء نموذج سياسي مستقر قادر على البقاء حتى في ظل تغير التحالفات الدولية.
الدرس الخامس: المستقبل لن يُحسم في ميادين القتال، بل في موازين السياسة، حيث تكون القدرة على التفاوض، وبناء التحالفات، وإدارة التوازنات، هي العامل الحاسم.
سادساً: توصية استراتيجية للإدارة الذاتية — تجنب أخطاء التجارب الكُردية السابقة
إن أخطر ما قد يواجه أي مشروع سياسي ناشئ ليس العداء الصريح، بل ("الاطمئنان المفرط إلى دعم غير مضمون"). لقد أظهرت تجارب كُردية سابقة في المنطقة أن التحالفات الدولية، مهما بدت متينة، تبقى خاضعة لمنطق المصالح، لا لمنطق الالتزامات الدائمة. وعليه، فإن أولى التوصيات الاستراتيجية للإدارة الذاتية تكمن في تجنب الوقوع في وهم ("الضمانات الدائمة"), لأن التاريخ السياسي للقضية الكُردية مليء بمحطات التحول المفاجئ في مواقف القوى الكبرى.
إن الاعتماد المفرط على قوة دولية واحدة يخلق هشاشة استراتيجية، بينما يشكل تنويع العلاقات وبناء توازنات متعددة شبكة أمان سياسية. كما أن تعزيز الشرعية الداخلية، من خلال ترسيخ حكم رشيد، وضمان المشاركة الحقيقية لكل المكونات، يشكل المصدر الأكثر استدامة للقوة، لأن ("الشرعية التي تُبنى في الداخل لا يمكن سحبها بقرار خارجي").
ومن الضروري أيضاً الانتقال من دور ("القوة الوظيفية" التي تخدم أولويات الآخرين الأمنية، إلى دور ("الفاعل السياسي المستقل" الذي يفرض نفسه كشريك في صياغة الحلول، لا مجرد أداة في تنفيذها. ويتطلب ذلك تطوير مؤسسات مدنية قوية، وبناء اقتصاد محلي مستقر، والانفتاح على الحوار الكُردي–الكُردي، باعتباره حجر الأساس لأي مشروع سياسي طويل الأمد.
إن التحدي الحقيقي ليس في كسب الدعم الدولي، بل في تقليل الحاجة إليه. فالقوى التي تنجح في بناء توازن داخلي قوي، تصبح أقل عرضة لتقلبات السياسة الدولية، وأكثر قدرة على حماية مكتسباتها.
خاتمة: بين لحظة التثبيت واحتمالات التحول
ما جرى في ميونخ لم يكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة. إنها مرحلة ("تثبيت الأقدام"), حيث لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه القوى موجودة، بل كيف سيتم إدماجها في النظام السياسي السوري القادم.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إثبات الوجود، بل في تحويل هذا الوجود إلى اعتراف دائم. وهذه عملية طويلة، تتطلب صبراً استراتيجياً، ووحدة سياسية، ورؤية واقعية تدرك أن السياسة ليست صراعاً بين الحق والباطل، بل هي إدارة معقدة للمصالح والتوازنات.
لقد أثبتت التجربة أن من ينجح في فرض نفسه كضرورة للاستقرار، لا يمكن استبعاده من معادلة المستقبل. لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الفرص التي لا تُستثمر في الوقت المناسب، قد تتحول إلى مجرد ذكريات.
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للمرحلة القادمة.
+++++++++++++++++&&&
المراجع
(١) تقارير مركز روماف للدراسات والاستشارات السياسية حول مؤتمر ميونخ ٢٠٢٤–٢٠٢٥.
(٢) تحليل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول العلاقات الكردية الدولية.
(٣) تصريحات إلهام أحمد خلال الندوة الجانبية في مؤتمر ميونخ، منشورة عبر المنصات الرسمية لمجلس سوريا الديمقراطية.
(٤) مقابلات مظلوم عبدي مع وسائل إعلام دولية حول مستقبل شمال وشرق سوريا.
(٥) مخرجات الندوات السياسية للإدارة الذاتية، القامشلي، ٢٠٢٥.
(٦) دراسة "الأزمة السورية والاعتراف الواقعي بالكيانات غير الدولتية"، دورية السياسة الدولية.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوردستان في -ميونخ 2026-: من خنادق القتال إلى طاولات القرار ...
- تدويل حماية الكُرد: بين الشرعية الأوروبية وحدود النظام الدول ...
- الفاعلية الكُردية في شمال وشرق سوريا في ظل تآكل الرهان الأمي ...
- لماذا يتخلى الحليف عن حليفه؟ الوظيفة الجيوسياسية كشرط بنيوي ...
- سورية 2026: صراع الشرعيات وتأويل الجغرافيا - الكُردية بين ال ...
- اتصال بارزاني–باراك في سياق إعادة تشكل التوازنات الإقليمية ق ...
- من تحالف الضرورة إلى معضلة الشرعية: إعادة قراءة أكاديمية للع ...
- ديناميكيات التحول في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الحلفاء ...
- بين وحدة الصف وامتحان السياسة: قراءة في تحرّك ENKS المنفرد ن ...
- روج آفا بين الواقعية السياسية وانكسار الأوهام: تحوّل محلي يه ...
- نور الدين أحمد -أبو عمر خانيكا- محافظاً للحسكة
- تفكيك أطروحة: «الدولة الواحدة شرط للاستقرار»
- ثورة روج آفا كُردستان في ميزان التاريخ المقارن
- مستقبل الإدارة الذاتية في ظل الاتفاق الأخير.
- مشروع “قانون إنقاذ الكُرد” في الكونغرس الأميركي: تحليل قانون ...
- ميثاق 30 كانون الثاني 2026 وآفاق التحول الوطني في سوريا
- إعادة تشكّل البنية السكانية في الجزيرة الفراتية: التوطين الع ...
- لماذا ستفشل الترامبية الجديدة في كسر الإرادة الكُردية؟
- زلزال السرديات: وحدة الصف الكُردي وميثاق -الأصلاء-
- من كوباني إلى روج آفا: حين تتحول حماية الأقليات إلى بيانات إ ...


المزيد.....




- مجموعة حقوقية: مقتل 28 شخصا على الأقل في غارة استهدفت سوقا ب ...
- بعد غارة كردفان الدامية.. انتقادات ومطالب بـ-إغاثة عاجلة-
- بن غفير يدوس رؤوس الأسرى في عوفر: تصعيد ممنهج وسياسات -إبادة ...
- 560 قضية منذ 2020.. تصاعد غير مسبوق في الاعتقال الإداري ضد ف ...
- مركز عدالة الحقوقي: 560 ملف اعتقال إداري في القدس وأراضي 19 ...
- ما تأثير حملات التبرع في واقع النازحين في سوريا؟
- رايتس ووتش: تعديلات دستورية مقترحة في كازاخستان تهدد الحقوق ...
- غوتيريس يحذر من خطر انهيار مالي وشيك يهدد قدرة منظمة الأمم ا ...
- بن غفير يشارك في التنكيل بالأسرى داخل سجن عوفر ويدوس على رؤو ...
- تونس: اتهامات بإجبار المهاجرين على العودة -الطوعية-


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - ميونخ وما بعده: من شرعية الميدان إلى اختبار الشرعية السياسية