أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - إعادة تشكّل البنية السكانية في الجزيرة الفراتية: التوطين العثماني وتحوّل موازين القوة (القرنان 19–20)















المزيد.....

إعادة تشكّل البنية السكانية في الجزيرة الفراتية: التوطين العثماني وتحوّل موازين القوة (القرنان 19–20)


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:04
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة
تُعدّ الجزيرة الفراتية (الرقة ودير الزور) من أكثر مناطق المشرق العربي عرضة لإعادة التشكيل الديمغرافي خلال العصر العثماني المتأخر. فبعكس السرديات القومية اللاحقة التي تُسقط تصوّرات معاصرة على الماضي، تُظهر المصادر التاريخية والرحلات الميدانية والسجلات العثمانية أن البنية السكانية الحالية للمنطقة هي نتاج هجرات متأخرة وسياسات توطين موجّهة، لا امتدادًا تاريخيًا ثابتًا. ويكشف هذا البحث، اعتمادًا على مصادر موثقة، أن الغالبية الساحقة من السكان العرب في الرقة ودير الزور هم وافدون أو من نسل وافدين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين (١)(٢).
أولًا: الرقة – من موقع مهجور إلى مدينة حديثة التشكّل
عند زيارة الرحّالة البريطانية الليدي آن بلنت لمنطقة الجزيرة السورية عام 1878م، سجّلت ملاحظة لافتة مفادها أن مدينة الرقة لم يكن فيها سوى ستة منازل فقط، في إشارة واضحة إلى غياب الاستقرار السكاني الحضري فيها في تلك الفترة «لم يكن في الرقة سوى ستة منازل» (٣).
وتُفضي هذه الشهادة إلى نتيجة ديمغرافية بالغة الأهمية، وهي أن ما يقارب 99٪ من سكان الرقة الحاليين هم من الوافدين أو من نسل الوافدين الذين استقروا في المنطقة خلال نحو 160 سنة فقط، أي ضمن سياق زمني حديث جدًا بمقاييس التاريخ الاجتماعي.
ثانيًا: دير الزور – الهجرة المنظمة وسياسات التوطين
على خلاف الرقة، شهدت دير الزور استقرارًا تدريجيًا مدفوعًا بسياسات عثمانية واضحة. وتُظهر السجلات العثمانية، إلى جانب كتابات الرحّالة والمستشرقين، توثيقًا دقيقًا لموجات وفود العوائل والعشائر والقبائل، مع بيان أسباب الهجرة والآليات التي اعتمدتها الدولة في توطينهم (١)(٢).
وقد ارتبط هذا التوطين برغبة الدولة العثمانية في:
ضبط طرق التجارة.
تحجيم نفوذ القوى المحلية غير العربية ( الكُردية).
خلق توازنات عشائرية موالية للسلطة.
ثالثًا: العوائل والعشائر الوافدة وأصولها الجغرافية
تُظهر الأنساب وأسماء العوائل نفسها دلالات صريحة على أصول غير فراتية، وغالبها يعود إلى العراق أو الجزيرة العربية أو مصر، ومن أبرز الأمثلة:
الراوي: من مدينة راوة في العراق.
العاني: من عانة في العراق.
الحياليون: أصولهم من العراق.
البوشلهوم: من قبيلة عنزة في نجد (شبه الجزيرة العربية).
البوخريص: من أقارب الخفاجيين؛ هاجروا من كربلاء وجنوب العراق إلى دير الزور في أواخر العهد العثماني.
البعاجيون (الشيوخ): من قضاء البعاج في العراق.
العزاوي: من عانة في العراق.
البو رباح: من قبيلة عنزة؛ هاجروا من نجد إلى الجزيرة السورية في القرن التاسع عشر.
الهنداوي: من عشيرة الهنادي المصرية؛ استقروا أولًا في ريف حلب إبّان حملة محمد علي باشا، ثم انتقل بعضهم إلى دير الزور.
المشاهدة: من مشهد علي في العراق؛ هاجروا في منتصف القرن التاسع عشر.
العكيدات: يُرجَّح أن أصولهم من منطقة عقدة في الحجاز، وهاجروا في أوائل القرن التاسع عشر.
الجبور: من الموصل وبادية العراق.
البقارة: من بادية العراق.
وتؤكد هذه الأمثلة أن الاستيطان العربي في المنطقة كان استيطانًا وافدًا ومتأخرًا، لا تجذرًا تاريخيًا ممتدًا.
رابعًا: الوجود الكُردي وسياسات الإضعاف العثمانية
قبل موجات التوطين العربية المدعومة عثمانيًا، كان للقبائل الكُردية حضور قوي ومهيمن في الجزيرة السورية، لا سيما خلال حكم الأمير تيمور باشا المَلّي، المعروف بلقب «سلطان البر» (٢).
غير أن الدولة العثمانية، في إطار سياساتها التوازنية، لجأت إلى:
تسليح عشائر عربية من العراق.
توجيهها لضرب قبيلة الملّان الكُردية.
الاعتماد على قبيلة العبيد في إضعاف النفوذ الكُردي.
وقد أدى ذلك إلى تراجع النفوذ الكُردي في الرقة ودير الزور لفترة قصيرة نسبيًا، رغم عدم انقطاع وجوده.
لاحقًا، وحين تعاظم نفوذ قبيلة العبيد نفسها، أقدمت الدولة العثمانية على اغتيال عدد من شيوخها، ومن أبرزهم الشيخ عباس الشاوي عام 1794م، في دليل إضافي على طبيعة الإدارة العثمانية القائمة على منع تشكّل أي قوة محلية مستقلة (١)(٢).
خاتمة
إن القراءة النقدية للتاريخ الاجتماعي والسياسي للجزيرة الفراتية تكشف بوضوح أن التركيبة السكانية الراهنة هي نتاج تحولات حديثة وهجرات منظّمة فرضتها الدولة العثمانية وفق اعتبارات أمنية وسياسية، لا امتدادًا تاريخيًا عربيًا ضاربًا في القدم.
وعليه، فإن الادعاء بأن العرب هم السكان التاريخيون الأصليون للجزيرة الفراتية يتعارض مع الوقائع الموثقة. فالموطن التاريخي للعرب هو الجزيرة العربية، أما وجودهم الكثيف في الجزيرة الفراتية فكان نتيجة انتقال حديث نسبيًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، في سياق تفكك الإمبراطورية العثمانية وإعادة رسم الجغرافيا السكانية للمنطقة.
إن الاعتراف بهذه الحقائق لا يُنقص من قيمة أي جماعة، بل يُعيد للتاريخ توازنه، ويُسقط الإسقاطات الأيديولوجية التي تحاول تحويل الهجرة الحديثة إلى «حق تاريخي».
++++++++++++++++++&&&
المراجع
(١) ماكس فون أوبنهايم، كتاب البدو.
رابط: https://books.google.com
(٢) محمد جمال باروت، التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية.
رابط: https://books.google.com
(٣) الليدي آن بلنت، عشائر بدو الفرات.
رابط: https://archive.org
(٤) محمد وصفي زكريا، عشائر الشام.
رابط: https://books.google.com
(٥) عماد عبد السلام رؤوف، دراسات ووثائق في تاريخ الخليج العربي الحديث.
رابط: https://books.google.com



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا ستفشل الترامبية الجديدة في كسر الإرادة الكُردية؟
- زلزال السرديات: وحدة الصف الكُردي وميثاق -الأصلاء-
- من كوباني إلى روج آفا: حين تتحول حماية الأقليات إلى بيانات إ ...
- بين -وهم السلام- ومستنقع -الخضوع-: هل تكون -هندسة الإعمار- ا ...
- نقد واقع-محايد لمواقف منظمة العفو الدولية في شمال وشرق سوريا
- شمال وشرق سوريا بين المقاربة الأمنية وفشل الاستقرار: خيارات ...
- فجر الجمهورية السورية التشاركية اجتماع أربيل وتحول الواقعية ...
- الرمزية المذبوحة: قراءة في سيكولوجيا العنف والتحولات الديموغ ...
- نداء عاجل إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان
- انكسار الخرائط وبعث الإرادة الكُردية: روج آفا كنقطة اللاعودة ...
- الكُرد و«السبات الشتوي»: قراءة جيوسياسية في إعادة إنتاج الفا ...
- الكُرد و«السبات الشتوي»: قراءة جيوسياسية في إعادة إنتاج الأم ...
- سيادة الأمر الواقع-: ملامح العقد الاجتماعي الجديد في سوريا ب ...
- بين الدبلوماسية والقيم: صرخة أكاديمية في وجه -التطبيع الرمزي ...
- منع بث مقابلة أحمد الشرع بين منطق الحرب الخاصة وهشاشة الشرعي ...
- هندسة الفوضى: لماذا تصنع الدول الكبرى التصادم بدل أن تفرض ال ...
- شرعنة سلطات الأمر الواقع في النزاعات المسلحة غير الدولية
- الكُرد بين نار الجغرافيا وحدود الدبلوماسية: حين يصبح الصمت أ ...
- الاستراتيجية الكردية بين مطرقة التوازنات الدولية وسندان الصف ...
- انكسار الحلم في -حيّ النبلاء-: قراءة في توازنات القوى ورسم ا ...


المزيد.....




- عراقجي: هناك نفاق واضح في التعامل الانتقائي لأوروبا، إذ تلتز ...
- عراقجي: هناك نفاق واضح في التعامل الانتقائي لأوروبا، إذ تلتز ...
- السوري الناجي من الإعدام يروي ملابسات اعتقاله ومحاكمته بالعر ...
- غزة تحت الحصار: الأمم المتحدة تطالب بإدخال المساعدات
- الولايات المتحدة: تعليق عمل عناصر فدراليين بعد مقتل ناشطين و ...
- بسبب الاعتقالات ونقص التمويل.. برنامج الأغذية العالمي يوقف أ ...
- اليونيسف: السودان يشهد أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم
- شل أنظمة دفاع فنزويلا خلال عملية اعتقال مادورو..ما هو سلاح - ...
- الأونروا: هدم مقراتنا في القدس يهدد 190 ألف لاجئ فلسطيني
- مجلس الشؤون الاجتماعية: هناك قصور في حماية الأطفال المعرّضين ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - إعادة تشكّل البنية السكانية في الجزيرة الفراتية: التوطين العثماني وتحوّل موازين القوة (القرنان 19–20)