أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - هندسة الفوضى: لماذا تصنع الدول الكبرى التصادم بدل أن تفرض الحلول في سوريا؟















المزيد.....

هندسة الفوضى: لماذا تصنع الدول الكبرى التصادم بدل أن تفرض الحلول في سوريا؟


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 23:17
المحور: القضية الكردية
    


ليس من قبيل الصدفة أن يتكرر المشهد ذاته في سوريا، وبالآليات نفسها، وباللغة الدبلوماسية ذاتها:
تصريحات داعمة لطرف ما، ترفع سقف توقعاته السياسية والعسكرية، فيندفع إلى التشدد، ثم تخرج تصريحات مضادة – غالباً من الجهة الدولية نفسها أو من حليف لها – تحرّض الطرف الآخر على التصلب بالمقدار ذاته، إلى أن يصل الجميع إلى لحظة الاحتكاك. وعندما يقع الصدام، تُفتح نوافذ الصحافة الدولية بنداءات مكررة لضبط النفس والعودة إلى الحوار، وكأن ما سبق لم يكن سوى سوء تفاهم عابر، لا نتيجة مسار مدروس.
هذا النمط، الذي تابعته عن قرب في الملف السوري، ليس ارتجالاً ولا فشلاً دبلوماسياً، بل سياسة قائمة بذاتها، لها منطقها وأدواتها وأهدافها، حتى وإن جاءت على حساب الدم السوري، من مذابح العلويين، إلى مجازر الدروز، وصولاً إلى ما جرى ويجري بحق الكُورد في الأشرفية والشيخ مقصود.
أولاً: التصريحات كأداة صدام لا كضمانات سياسية
في العلاقات الدولية، لا تُقاس التصريحات بما تحمله من وعود، بل بما تخلقه من ديناميات على الأرض. حين يخرج مسؤول أمريكي، أو مبعوث رئاسي، أو سفير في أنقرة أو بغداد، ليدعم “حقوق طرف ما” أو “مشروعية مطالبه”، فهو لا يمنحه فقط غطاءً معنوياً، بل يدفعه – عن قصد – إلى رفع سقف التوقعات إلى مستوى يصعب التراجع عنه لاحقاً.
لقد فعلت الولايات المتحدة ذلك مراراً مع قوات سوريا الديمقراطية، حين شجعتها على الدخول في تفاهمات مع دمشق، دون أن تضع أي آلية إلزام حقيقية لتنفيذ هذه التفاهمات (“شجعت واشنطن حلفاءها الكُرد على التفاوض مع الحكومة السورية دون تقديم ضمانات تنفيذ واضحة”) (١).
النتيجة لم تكن تسوية، بل احتكاكاً متكرراً، لأن كل طرف قرأ التصريحات الدولية كضوء أخضر لتعظيم مكاسبه، لا كحدٍّ أعلى يمكن تجاوزه.
ثانياً: لماذا لا تفرض الدول القوية حلولها وهي القادرة؟
هنا تقع إحدى أكبر نقاط العمى في قراءة السياسات الدولية.
الدول الكبرى لا تبحث عن الحلول النهائية، بل عن أوضاع يمكن التحكم بها. الفوضى المضبوطة أقل كلفة، وأكثر فائدة، من الاستقرار الكامل.
فرض حل حاسم في سوريا يعني:
قيام سلطة مركزية واضحة.
تحديد مسؤوليات قانونية عن الجرائم.
خروج الملف من دائرة الابتزاز السياسي المستمر.
وهذا بالضبط ما لا تريده القوى الكبرى. لذلك، تعمل واشنطن – ومعها موسكو بدرجة مختلفة – على إدارة توازن يمنع الانتصار الكامل لأي طرف (“الاستراتيجية الأمريكية تقوم على منع الحسم، لا على تحقيقه”) (٢).
إسرائيل، من جانبها، دفعت بقوة نحو هذا الخيار، معتبرة أن سوريا الضعيفة والممزقة أقل خطراً من سوريا المستقرة، حتى لو كان الثمن فوضى مزمنة (“تل أبيب تضغط للإبقاء على سوريا في حالة وهن استراتيجي دائم”) (٣).
ثالثاً: التعهدات… حين تصبح حبراً على ورق
تجربة أحمد الشرع (الجولاني) تمثل نموذجاً صارخاً لكيفية تعامل الدول المركزية مع الفاعلين المحليين.
منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى دمشق، انهالت التعهدات والاتفاقات والالتزامات الموقّعة في واشنطن، لكن دون أي آلية إلزام، أو جدول زمني، أو ثمن سياسي حقيقي في حال الإخلال بها.
لم يكن ذلك سذاجة أمريكية، بل هامشاً مقصوداً للمناورة. فعدم التنفيذ لا يُعاقَب، بل يُستثمر لاحقاً للضغط، أو للتلويح بالعقوبات، أو لإعادة تدوير الصراع عند الحاجة (“التعهدات تُستخدم كورقة ضغط مؤجلة لا كالتزام نهائي”) (٤).
وهنا نفهم لماذا سار الشرع بعكس الاتجاه:
لأنه أدرك، كما أدرك غيره، أن المجتمع الدولي لا يكافئ التنفيذ، بل يستفيد من الإخلال.
رابعاً: التصعيد المتدرج كأداة تفاوض
السياسات الغربية في سوريا تقوم على مبدأ “التصعيد القابل للعكس”.
أي:
دعم سياسي يرفع السقف.
احتكاك ميداني أو سياسي.
بيانات قلق ودعوات للتهدئة.
العودة إلى الطاولة بشروط جديدة.
هذا ما نراه في كل مرة يحدث فيها صدام طائفي أو قومي.
المجازر لا تُقرأ كفشل، بل كـ رافعة تفاوضية تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق (“التصعيد ليس انحرافاً عن السياسة، بل جزء من بنيتها”) (٥).
خامساً: الضحايا كتكلفة مقبولة
المفارقة الأخلاقية القاسية أن هذه السياسات لا تُصمم في فراغ. صانعو القرار يعرفون تماماً أن نتائج هذا النهج ستكون:
دماء مدنية.
توترات طائفية.
كراهية متراكمة.
لكن في ميزان المصالح، يُنظر إلى هذه الخسائر كتكلفة مقبولة، طالما أنها لا تهدد المصالح الاستراتيجية الكبرى (“الخسائر البشرية تُحسب ضمن كلفة إدارة النزاع لا كسبب لإنهائه”) (٦).
إلى متى يستمر هذا النهج؟
سيستمر طالما:
لا يوجد فاعل محلي قادر على فرض معادلة مستقلة.
ولا يوجد ضغط دولي حقيقي يربط التصريحات بالتنفيذ.
ولا توجد كلفة سياسية على إبقاء النزاع مفتوحاً.
التحول لا يأتي من حسن نية الدول الكبرى، بل من تغير ميزان الكلفة والمنفعة.
عندما تصبح الفوضى عبئاً، لا أداة، عندها فقط تبدأ الحلول الحقيقية.
خاتمة
ما يجري في سوريا ليس سلسلة أخطاء، بل منهج إدارة صراع.
التصريحات ليست زلات لسان، والتناقضات ليست ارتباكاً، والمجازر ليست مفاجآت.
إنها نتائج طبيعية لسياسة ترى في الصدام وسيلة، وفي الفوضى أداة، وفي التعهدات مجرد أوراق مؤجلة.
فهم هذه الحقيقة لا يبررها، لكنه شرط أساسي لتجاوزها.
++++++++++++++++++&&&
المراجع
(١) Reuters – “U.S. encourages Syrian Kurds to negotiate with Damascus”, 2025.
https://www.reuters.com
(٢) مركز الأهرام للدراسات السياسية – “الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الصراع السوري”.
https://www.siyassa.org.eg
(٣) Reuters – “Israel urges U.S. to keep Syria weak”, February 2025.
https://www.reuters.com
(٤) The Washington Institute – “Managing Commitments and Leverage in Syria”.
https://www.washingtoninstitute.org
(٥) The Washington Institute – “Dynamics of Escalation in Syria”.
https://www.washingtoninstitute.org
(٦) International Crisis Group – “The Cost of Managing Conflict in Syria”.
https://www.crisisgroup.org



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرعنة سلطات الأمر الواقع في النزاعات المسلحة غير الدولية
- الكُرد بين نار الجغرافيا وحدود الدبلوماسية: حين يصبح الصمت أ ...
- الاستراتيجية الكردية بين مطرقة التوازنات الدولية وسندان الصف ...
- انكسار الحلم في -حيّ النبلاء-: قراءة في توازنات القوى ورسم ا ...
- أيها الأحرار…
- بين الشيخ مقصود والأشرفية: تحولات القوة وحدود الرهان التركي ...
- الاهتلاك السيادي: إطار تحليلي لفهم انهيار الدول واستراتيجيات ...
- إعادة هندسة النظام العالمي: الشرق الأوسط المتحوّل واحتمالات ...
- دمج قسد في الجيش السوري: تسوية أمنية مؤقتة أم إعادة تشكيل لل ...
- صندوق أسود في السياسة السورية: أين “أحمد الشرع” بعد إعادة صن ...
- سوريا على حافة التحول: حين يجلس الجنرال الأمريكي في دمشق وتُ ...
- معضلة القومية المركزية ومصير الاستقرار رؤية في تفكك الدول ال ...
- التحولات الجيوسياسية في المشهد السوري: آفاق اللامركزية والان ...
- كُردستان: دراسة في الجغرافيا التاريخية والهوية الثقافية
- تفكيك شيفرة الرسائل: أوجلان كحلقة وصل بين -الأمة الديمقراطية ...
- تصدّع السلطة المؤقتة في سوريا الساحل السوري بين أزمة الشرعية ...
- تركيا بين كماشة التطويق الإقليمي و تصدع الجبهة الداخلية: قرا ...
- سعيد باشا شمدين: زعامة كُردية دمشقية وصناعة النفوذ في مجتمع ...
- أفق التسوية السورية: قراءة في زيارة الجنرال مظلوم عبدي لدمشق ...
- رؤى سياسية وعسكرية حول العملية التفاوضية في سوريا: تحليل لمو ...


المزيد.....




- الأونروا: إغلاق إسرائيل مركزا صحيا بالقدس استهتار بالقانون ا ...
- سنوات احتجاز بلا حماية.. لجنة أممية تحمّل أستراليا مسؤولية ت ...
- شاهد.. الأمطار تُغرق خيام النازحين في إدلب وتُفاقم معاناتهم ...
- خيام غزة تختبر ما تبقى من صبر النازحين
- اعتقال لص تنكر بزي نسائي وسرق 7 ملايين دينار ومصوغات ذهبية ف ...
- -لا حاجة للنظر في القانون الدولي-.. العدل الأميركية تؤكد حصو ...
- الإعلان عن تأسيس تنسيقية لإطلاق المعتقلين السياسيين في تونس ...
- إيران: مخاوف من إعدامات سريعة للمعتقلين في الاحتجاجات
- بعد اعتقال مادورو.. كيم يغيّر حرسه الشخصي ويثير الجدل على ال ...
- من المتضررون من قطع الكهرباء والمياه عن مؤسسات أونروا بالقدس ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - هندسة الفوضى: لماذا تصنع الدول الكبرى التصادم بدل أن تفرض الحلول في سوريا؟