أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - معضلة القومية المركزية ومصير الاستقرار رؤية في تفكك الدول العابرة للهويات















المزيد.....

معضلة القومية المركزية ومصير الاستقرار رؤية في تفكك الدول العابرة للهويات


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 16:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تشهد المنطقة الإقليمية تحولات دراماتيكية تعيد إلى الأذهان الأسئلة الوجودية حول طبيعة الدولة الوطنية التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فما يجري اليوم في إيران من اضطرابات تقنية وأمنية، وسعي محموم من السلطة لمحاصرة الفضاء الرقمي (١)، ليس حدثًا معزولًا أو طارئًا، بل هو أحد أعراض أزمة بنيوية أعمق تضرب جذور دول بُنيت منذ لحظة تأسيسها على تناقض قاتل: دولة مركزية صلبة تحكم مجتمعًا متعدّد الهويات.
لقد وُلدت هذه الدول وهي تحمل في داخلها بذور تفككها، لأن حدودها السياسية لم تكن نتاج عقد اجتماعي داخلي، بل نتيجة تسويات دولية فرضت خرائط لا تعكس الواقع القومي والثقافي الحقيقي. وفي هذا السياق، لم يُنظر إلى التعدد بوصفه مصدر قوة، بل كتهديد يجب احتواؤه أو إنكاره.

المركزية القاتلة: من الفكرة الكمالية إلى ولاية الفقيه
تقوم الدولة في كل من تركيا وإيران على نموذج مركزي صارم يسعى إلى صهر التعددية القومية والإثنية في قالب واحد. في تركيا، لا تزال “الفكرة الكمالية” تشكل العمود الفقري لفلسفة الدولة، وهي فكرة لا تعترف في جوهرها إلا بهوية قومية واحدة ولغة واحدة وسردية تاريخية واحدة (٢).
«إن الطريق المغلق في نهايته هو ذاك الذي يحاول إنكار التعددية في مجتمع متعدد بطبعه».
هذا المنطق لا يقتصر على أنقرة، بل نجده حاضرًا أيضًا في طهران، حيث استبدلت القومية العلمانية بهوية دينية مركزية لا تقل إقصاءً. فولاية الفقيه، رغم خطابها العابر للقوميات ظاهريًا، أعادت إنتاج المركزية نفسها، مع هامش ضيق للقوميات غير الفارسية، وفي مقدمتها الكُرد.
إن التشابه بين النموذجين التركي والإيراني يتجلى في وجود قوميات واثنيات مهمشة – الكُرد، البلوش، العرب، الآذريين – تعيش تحت وطأة هوية مفروضة من المركز. هذا التهميش المزمن يجعل الداخل هشًا وقابلًا للاشتعال عند أول تراكم للغبن أو عند أي اختراق خارجي، سواء أكان سياسيًا أم إعلاميًا أم أمنيًا (٣).

الدولة ما بعد الاستعمار: خطيئة التأسيس وإنكار الواقع
الدولة في الشرق الأوسط لم تتشكل كإطار جامع للتنوع، بل كأداة ضبط قسري له. ومن هنا، تحوّلت القومية المركزية إلى بديل عن الشرعية الشعبية. وبدل الاعتراف بالكُرد كشعب أصيل له لغته وثقافته وجغرافيته، جرى اختزالهم إلى “مشكلة أمنية” أو “ملف قابل للإدارة بالقوة”.
هذا الإنكار لم يكن مجرد خطأ أخلاقي، بل خيارًا سياسيًا قصير النظر. فالدولة التي تُعرّف نفسها عبر نفي الآخر، إنما تضع نفسها في صراع دائم مع جزء من مواطنيها، وتحوّل الاستقرار إلى حالة مؤقتة تعتمد على القمع لا على الرضا.

سوريا: من إنكار الهوية إلى هندسة الصراع
في الحالة السورية، بلغ إنكار الوجود الكُردي مستوى مؤسسيًا. حُرم عشرات الآلاف من الكُرد من الجنسية، مُنعت لغتهم، وغُيّبت هويتهم من الدستور ومن المجال العام. لم يكن ذلك مجرد تهميش، بل سياسة دولة هدفت إلى إعادة هندسة المجتمع وفق تصور قومي أحادي.
وعندما اندلعت الثورة السورية، ظهرت نتائج هذا الإنكار بوضوح. فالدولة التي قمعت جزءًا من شعبها لعقود لم تستطع احتواء الانفجار، والمعارضة التي ورثت ذهنية المركز الواحد فشلت في تقديم بديل جامع. في هذا الفراغ، برزت التجربة الكُردية في شمال وشرق سوريا كنموذج مغاير، يقوم على الإدارة الذاتية والتعددية والشراكة بين المكونات.
ورغم كل الضغوط، أثبت الكُرد أنهم لا يسعون إلى هدم الدولة، بل إلى إعادة تعريفها. إن محاربة هذا النموذج – من النظام أو بعض أطراف المعارضة أو القوى الإقليمية – لا تعكس خوفًا من “مشروع انفصالي”، بل خوفًا من انهيار النموذج المركزي التقليدي.

تركيا: إنكار طويل وصراع مفتوح
في تركيا، استمر إنكار الوجود الكُردي لعقود بوصفه شرطًا لبقاء الجمهورية. غير أن هذا الإنكار لم ينتج وحدة وطنية، بل صراعًا طويل الأمد استنزف الدولة والمجتمع معًا. فكل حملة عسكرية، وكل إغلاق لحزب سياسي كُردي، وكل محاولة لشيطنة الهوية الكُردية، لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الفجوة بين الدولة وجزء كبير من مواطنيها.
المفارقة أن الكُرد في تركيا أظهروا – عبر العمل السياسي والبلديات والحراك المدني – استعدادهم للاندماج في دولة ديمقراطية حقيقية. لكن الدولة، العالقة في إرثها الكمالي، ترفض التحول. وهنا تتجلى المعضلة بوضوح: الدولة التي تخاف من الاعتراف بتنوعها، تحكم على نفسها بعدم الاستقرار.

إيران: القوميات كخاصرة رخوة للنظام
في إيران، تتقاطع الأزمة القومية مع أزمة الشرعية السياسية. فالكُرد، إلى جانب البلوش والعرب، يعيشون في هامش التنمية والقرار. ومع كل موجة احتجاج، يتضح أن القمع لم يعد كافيًا لضبط مجتمع بات أكثر وعيًا وأشد اتصالًا بالعالم.
إن إنكار الحقوق الكُردية في إيران لم يعد مسألة داخلية، بل تحوّل إلى عامل إقليمي مؤثر. فالدولة التي تبني استقرارها على تهميش مكوناتها، تجعل من نفسها كيانًا هشًا أمام الأزمات، مهما بلغت قوتها الأمنية.

العراق: الفيدرالية كحل ناقص وتجربة دالّة
في العراق، شكّل الاعتراف الدستوري بالكُرد وإنشاء إقليم كُردستان خطوة متقدمة مقارنة بجواره. ورغم الأزمات الداخلية والضغوط الإقليمية، تبقى هذه التجربة الدليل العملي الوحيد في المنطقة على أن الاعتراف بالهوية يمكن أن يكون مدخلًا للاستقرار لا للتفكك.
المشكلة في العراق ليست في الفيدرالية، بل في عدم اكتمالها، وفي استمرار عقلية مركزية تخشى الشراكة الحقيقية. ومع ذلك، تُظهر التجربة الكُردية العراقية أن إنكار الحقوق يقود إلى الانهيار، بينما الاعتراف – حتى لو كان جزئيًا – يفتح أفقًا مختلفًا للدولة.

الكُرد: من قضية مُهملة إلى مفتاح الاستقرار
على مدى أكثر من قرن، قدّم الكُرد تضحيات هائلة في سبيل الحفاظ على هويتهم وثقافتهم ووجودهم. ثورات، انتفاضات، قمع، تهجير، ومحاولات صهر قسري، ومع ذلك لم يختفوا. بل تحوّلت قضيتهم اليوم إلى أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل الشرق الأوسط.
«الذكي هو من يدرك أن مشروعه القومي يجب أن يتوافق مع التحولات الدولية الكبرى لينجو بنفسه وبوطن طالما حلم به». لم تعد المسألة الكُردية ملفًا مؤجلًا، بل متغيرًا جيوسياسيًا لا يمكن تجاهله (٤).

منطق التاريخ: إن لم تتغيروا… ستُغيروا
تؤكد التجارب التاريخية في سوريا، وفنزويلا، وإيران، أن أدوات القمع التقليدية لم تعد قادرة على احتواء الانفجارات الاجتماعية الناتجة عن التهميش. إن تكرار السياسات نفسها مع توقع نتائج مختلفة هو وهم سياسي خطير (٥).
الرسالة إلى صناع القرار واضحة: الاستقرار القائم على القبضة الحديدية استقرار زائف، والدولة التي ترفض الإصلاح البنيوي إنما تؤجل انفجارها لا أكثر.

الطريق نحو النجاة: العلمانية اللامركزية
إن تجنب الفوضى الشاملة وإعادة التشكل القسري للمنطقة يمر عبر تبني نموذج دولة جديد يقوم على:
نظام ديمقراطي علماني يفصل الدين عن الدولة ويقف على مسافة واحدة من جميع المكونات.
لامركزية موسعة أو فيدرالية تمنح الأقاليم والمكونات حق إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة.
اعتراف دستوري بالهويات والانتقال من دولة “اللون الواحد” إلى دولة “المواطنة المتعددة”.
بدون هذه الإصلاحات، ستبقى الدول المركزية في المنطقة عرضة للانهيار، وسيظل الكُرد وغيرهم من المكونات المهمشة وقودًا لتغييرات قد تأتي من الخارج إن لم تبدأ من الداخل.
إن لم تتغيروا… ستُغيروا، ولكن بثمن أعلى، وبأيدٍ قد لا تكون من الداخل.
+++++++++++++++++++++&&&
المراجع والمصادر
(١) تقارير مرصد NetBlocks حول اضطرابات الإنترنت والرقابة الرقمية في مناطق النزاع، 2025–2026.
(٢) دراسة: «تطور الكمالية وأزمة الهوية في تركيا الحديثة»، جامعة إسطنبول – مركز الدراسات الاستراتيجية.
(٣) تقرير «إيران: صراع القوميات وتحديات الاستقرار»، مركز أبحاث الشرق الأوسط (MERI)، 2024.
(٤) «المسألة الكردية كمتغير جيوسياسي في القرن الحادي والعشرين»، إصدارات معهد بروكنجز.
(٥) «الدروس المستفادة من الأزمة السورية والفنزويلية: انهيار المركزية»، منشورات السياسة الدولية، عدد يناير 2026.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحولات الجيوسياسية في المشهد السوري: آفاق اللامركزية والان ...
- كُردستان: دراسة في الجغرافيا التاريخية والهوية الثقافية
- تفكيك شيفرة الرسائل: أوجلان كحلقة وصل بين -الأمة الديمقراطية ...
- تصدّع السلطة المؤقتة في سوريا الساحل السوري بين أزمة الشرعية ...
- تركيا بين كماشة التطويق الإقليمي و تصدع الجبهة الداخلية: قرا ...
- سعيد باشا شمدين: زعامة كُردية دمشقية وصناعة النفوذ في مجتمع ...
- أفق التسوية السورية: قراءة في زيارة الجنرال مظلوم عبدي لدمشق ...
- رؤى سياسية وعسكرية حول العملية التفاوضية في سوريا: تحليل لمو ...
- صراع الإرادات بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية ال ...
- الهوية الكُردية بين صخرة الإنكار ومطرقة الواقع الإقليمي: رؤي ...
- قوات سوريا الديمقراطية بين منطق “الحلّ” ومشروع “التحوّل”: قر ...
- توازنات القوة والسيادة: قراءة تحليلية في توترات حلب ومستقبل ...
- قراءة في كتاب جهاز المناعة الأيديولوجي
- خطاب الجنرال مظلوم عبدي: تحليل متعدد المستويات في لحظة سورية ...
- المسألة الكُردية بين بنية الدولة التركية وتحولات الجغرافيا ا ...
- زلزال الجيوسياسة: الصدام الروسي التركي ومستقبل الخارطة السور ...
- عيد العلم الكوردي: راية الهوية وذاكرة المقدّس في تاريخ شعب
- كسر التابوهات الجيوسياسية: الجولان والاتفاقيات الإبراهيمية ك ...
- من الدولة القومية إلى المواطنة الشاملة: قراءة تحليلية في مشر ...
- هجوم البادية السورية: جيوبوليتيكا التصعيد وتداعياتها على الت ...


المزيد.....




- (تقرير استقصائي: ملياردير الوشاية يطلق مانيفستو التحريض على ...
- ترامب -يؤدي عرضًا سحريًا ويكشف الستار عن مادورو أمام بوتين و ...
- رد وزير أردني على سؤال نيابي حول -العمل اللائق- يشعل استجواب ...
- -فنزويلا تلعب دوراً أساسياً في تهريب المخدرات-، ما صحة اتهام ...
- تقارير: الولايات المتحدة قد تعترض وتستولي على ناقلة نفط متجه ...
- اليمن: عدن تستعيد الهدوء عقب هجوم بمُسيرات على قصر رئاسي وال ...
- مباشر - رئيسة فنزويلا بالوكالة: لا يوجد أي عميل خارجي يحكم ا ...
- ترامب بعد عملية فنزويلا: لدينا أقوى جيش في العالم ولا يمكن ل ...
- اليمن مباشر.. التحالف يعلن هروب الزبيدي والعليمي يتهمه بالخي ...
- -التحالف-: عيدروس الزبيدي هرب إلى مكان غير معلوم.. ونفذنا ضر ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - معضلة القومية المركزية ومصير الاستقرار رؤية في تفكك الدول العابرة للهويات