مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:05
المحور:
القضية الكردية
هذه الأطروحة تُقدَّم في الشرق الأوسط بوصفها حقيقة بديهية، لكنها في الواقع افتراض أيديولوجي هش، يخدم الدولة أكثر مما يخدم المجتمع. وما يخصّ الكُرد يكشف تناقضها الداخلي بوضوح.
أولًا: الخلط بين وحدة الدولة ووحدة الهوية
الدولة الواحدة لا تتطلب هوية واحدة.
هذا خلط مقصود بين السيادة السياسية والتجانس الثقافي.
الإمبراطوريات (العثمانية، الصفوية) حكمت بتعدّد لغوي وثقافي.
دول حديثة مستقرة (سويسرا، كندا، الهند) تقوم على تعدد الهويات.
إصرار دول الشرق الأوسط على نموذج «أمة متجانسة» لم يكن شرطًا للاستقرار، بل خيارًا سلطويًا لتسهيل الضبط والسيطرة.
السؤال الذي يُتجنَّب:
هل الخوف الحقيقي هو تفكك الدولة، أم تفكك احتكار المركز للسلطة؟
مصدر:
Rogers Brubaker, Nationalism Reframed
https://www.cambridge.org/core/books/nationalism-reframed/
ثانيًا: التاريخ يُشوَّه لتبرير الحاضر
تقول الدولة: «الاعتراف بالتعدد يهدد الاستقرار».
لكن التاريخ الفعلي يقول العكس:
التمردات الكُردية لم تبدأ لأن الكُرد «اكتشفوا القومية فجأة».
بل لأن الدولة الحديثة كسرت ترتيبات تاريخية قائمة (الحكم الذاتي، اللامركزية، الاعتراف اللغوي).
بعبارة أدق:
الاضطراب لم ينشأ من التعدد، بل من محاولة محوه.
الدولة تكتب تاريخًا يُظهر نفسها كضحية «انقسامات قديمة»، بينما هي في الواقع صانعة القطيعة.
مصدر:
James Scott, Seeing Like a State
https://yalebooks.yale.edu/book/9780300078152/seeing-like-a-state/
ثالثًا: «الأمن» كبديل عن السياسة
حين تفشل الدولة في دمج جماعة ما سياسيًا، تعيد تعريفها أمنيًا.
الكرد = ملف أمني
اللغة = تهديد
الذاكرة = خطر محتمل
هذا ليس صدفة، بل استراتيجية هروب: بدل الاعتراف بالمطالب (تمثيل، لغة، حكم محلي)، يُعاد توصيف المشكلة كـ«إرهاب» أو «انفصال».
النتيجة؟
عسكرة المجتمع
تآكل الثقة
إنتاج صراع دائم يُستَخدم لتبرير مزيد من القمع
الدولة لا تفشل رغم القمع، بل تفشل بسببه.
مصادر:
Human Rights Watch – Turkey & Iraq
https://www.hrw.org/middle-east
Didier Fassin, Humanitarian Reason
https://www.ucpress.edu/book/9780520285265/humanitarian-reason
رابعًا: أسطورة «التاريخ المشترك»
يُقال للكُرد: «أنتم جزء من تاريخ وطني أكبر».
لكن هذا التاريخ المشترك يُكتب بشروط غير متكافئة:
المركز يختار ما يُدرَّس
المركز يحدّد من هو “البطل”
المركز يملك الأرشيف واللغة والمنهج
هذا ليس تاريخًا مشتركًا، بل تاريخ مُلحق.
التعدد الحقيقي لا يعني إدخال الكُرد في قصة جاهزة،
بل إعادة كتابة القصة نفسها.
مصدر:
Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past
https://www.beacon.org/Silencing-the-Past-P856.aspx
خامسًا: المفارقة الكبرى
الدولة التي تخاف من الاعتراف بالتعدد:
تخلق قوميات راديكالية بدل احتوائها
تضعف ولاء المواطنين بدل تعزيزه
تُنتج هشاشة مزمنة ثم تسميها «استقرارًا»
الاستقرار الذي لا يحتمل لغة، ولا ذاكرة، ولا رواية أخرى
ليس استقرارًا، بل تجميد للصراع بالقوة.
الخلاصة القاسية
أطروحة «الدولة الواحدة = الاستقرار» ليست نظرية سياسية،
بل ذريعة تاريخية لقمع التعدد.
والتاريخ الكردي ليس مشكلة سردية،
بل مرآة تفضح خوف الدولة من الاعتراف بأن الشرعية لا تُفرض، بل تُبنى.
+++++++++++++++&&&
مراجع إضافية قوية:
Benedict Anderson, Imagined Communities
https://www.versobooks.com/products/16-imagined-communities
Abbas Vali, Kurds and the State in Iran
https://www.ibtauris.com/kurds-and-the-state-in-iran
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟