أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - الكورد بين سيفر ولوزان: لماذا رُفض المشروع القومي الكوردي بعد الحرب العالمية الأولى؟















المزيد.....

الكورد بين سيفر ولوزان: لماذا رُفض المشروع القومي الكوردي بعد الحرب العالمية الأولى؟


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 19:29
المحور: القضية الكردية
    


دراسة في تداخل المصالح الدولية وبناء الدولة القومية في تركيا وسوريا والعراق
تُعدّ القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيداً في الشرق الأوسط الحديث، ليس فقط بسبب تشعّب الجغرافيا الكوردية بين أربع دول رئيسية، بل لأن ولادة النظام الإقليمي بعد الحرب العالمية الأولى قامت أساساً على منع تشكّل كيان كوردي مستقل، رغم توافر عناصر كلاسيكية لقيام الدولة القومية: الأرض التاريخية، الكتلة السكانية الكبيرة، اللغة المشتركة، والوعي القومي المتصاعد منذ أواخر العهد العثماني.
وبينما حصلت جماعات قومية أصغر عدداً وتأثيراً على دول مستقلة بعد انهيار الدولة العثمانية، جرى التعامل مع الكورد بوصفهم "مشكلة حدودية" لا "شعباً صاحب حق تقرير مصير". ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان رفض الدولة الكوردية نتيجة موقف دولي متعمّد، أم نتيجة تفاعل المصالح الإقليمية مع مفهوم الدولة القومية المركزي الذي تبنّته الأنظمة الجديدة في تركيا والعراق وسوريا؟
أولاً: اتفاقية سيفر وإجهاض المشروع الكوردي
شكّلت معاهدة معاهدة سيفر أول اعتراف دولي صريح بإمكانية قيام كيان كوردي. فقد نصّت المواد (62–64) على منح المناطق الكوردية حكماً ذاتياً مع إمكانية التقدّم لاحقاً نحو الاستقلال إذا أبدى السكان رغبتهم بذلك (1).
غير أن هذه البنود بقيت حبراً على ورق بسبب صعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، التي اعتبرت أن أي كيان كوردي سيؤدي إلى تفكيك الأناضول وتهديد الأمن القومي التركي الوليد.
ومع انتصار الحركة الكمالية عسكرياً، أُلغيت عملياً مقررات سيفر عبر معاهدة لوزان التي اعترفت بالجمهورية التركية ضمن حدودها الحالية تقريباً، وأسقطت أي إشارة إلى الكورد كقومية مستقلة (2).
وهنا يظهر التحول الحاسم في السياسة الدولية: فالقوى الأوروبية، وخصوصاً المملكة المتحدة وفرنسا، لم تكن معنية فعلياً بإقامة دولة كوردية بقدر اهتمامها بإنتاج نظام إقليمي مستقر يحفظ مصالحها النفطية والاستراتيجية.
ثانياً: لماذا خافت القوى الدولية من الدولة الكوردية؟
رغم أن عدد الكورد كان يفوق شعوباً حصلت على دول مستقلة، فإن العوامل التالية جعلت القوى الكبرى تتردد في دعم استقلالهم:
1. الموقع الجغرافي والثروات
كانت المناطق الكوردية تقع فوق عقدة جغرافية استراتيجية تربط الأناضول ببلاد الرافدين وإيران، إضافة إلى احتوائها على احتياطات نفطية مهمة، خاصة في ولاية الموصل (3).
لذلك رأت بريطانيا أن قيام دولة كوردية مستقلة قد يهدد سيطرتها على العراق، خصوصاً مع أهمية نفط كركوك والموصل للاقتصاد البريطاني.
2. غياب الحليف الدولي الثابت
على عكس الحركة الصهيونية التي امتلكت دعماً غربياً منظماً، أو بعض القوميات البلقانية التي استفادت من الصراع الروسي-العثماني، لم يمتلك الكورد قوة دولية تتبنّى مشروعهم بشكل مستمر (4).
3. الخوف من تفكك النظام الإقليمي
بعد الحرب العالمية الأولى كانت القوى المنتصرة تبحث عن الاستقرار لا عن إنشاء كيانات جديدة قد تفتح الباب أمام مطالب قومية أخرى.
ولهذا جرى تبني نموذج "الدولة المركزية" في تركيا والعراق وسوريا، حتى لو كان ذلك على حساب الهويات القومية غير العربية أو غير التركية.
ثالثاً: الدولة القومية الحديثة وسياسات الإنكار
بعد سقوط الدولة العثمانية ظهرت في المنطقة نخب سياسية متأثرة بالنموذج الأوروبي للدولة القومية المركزية.
وفي هذا النموذج تُعتبر الوحدة اللغوية والثقافية شرطاً لبناء الأمة الحديثة، ولذلك عُدّ الكورد تهديداً محتملاً لوحدة الدول الجديدة.
في تركيا اتجهت الجمهورية الكمالية إلى سياسة التتريك، فجرى إنكار وجود الكورد بوصفهم قومية مستقلة، ووصِفوا رسمياً لسنوات طويلة بأنهم "أتراك الجبال" (5).
أما في العراق، فقد حاولت الحكومات الملكية المتعاقبة احتواء الحركة الكوردية بالقوة العسكرية أو الحكم الإداري المحدود دون الاعتراف الكامل بالشراكة القومية.
وفي سوريا، ورغم أن الدولة كانت ما تزال تحت الانتداب الفرنسي، بدأت مبكراً نزعة قومية عربية تنظر بعين الريبة إلى الوجود الكوردي في الشمال.
رابعاً: سوريا والخوف من التواصل الكوردي العابر للحدود
تُعدّ الحالة السورية مثالاً مهماً لفهم كيفية تشكّل الخطاب المعادي للكورد حتى قبل وصول حزب البعث إلى السلطة.
فمنذ الأربعينيات بدأت النخب القومية العربية ترى في الكورد امتداداً لحركات التمرد الكوردية في تركيا والعراق، وبالتالي مصدر تهديد لوحدة الدولة السورية الناشئة.
وقد نُسب إلى شكري القوتلي دعمه لفكرة تعريب المناطق الشمالية بهدف منع تشكّل حزام كوردي متصل مع كورد تركيا (6).
ورغم الجدل حول خلفيته العائلية أو أصوله، فإن سياساته ارتبطت عملياً بتعزيز الهوية العربية للدولة السورية.
كذلك عبّر محمد كرد علي، رغم أصوله الكوردية المعروفة، عن تصورات قومية عربية اعتبرت أن اندماج الكورد في الهوية العربية ضروري لبناء الدولة الحديثة (7).
وهذه الظاهرة ليست نادرة تاريخياً؛ إذ كثيراً ما تبنّت نخب ذات أصول غير عربية خطاباً قومياً عربياً بوصفه مشروع الدولة الحديثة.
خامساً: الصحافة السورية وصناعة صورة “الكوردي الانفصالي”
تكشف الصحافة السورية في تلك المرحلة عن جانب مهم من تشكّل الوعي السياسي تجاه الكورد.
فالصحف القومية العربية كثيراً ما صوّرت المطالب الكوردية بوصفها مشاريع انفصالية تهدد السيادة الوطنية.
ومن الأمثلة المهمة ما نشرته صحيفة البريد السوري في عدد يعود إلى عام 1946 تقريباً، حيث حملت الصفحة الرئيسية عنواناً بارزاً:
“الأكراد يحلمون بإنشاء إمبراطورية تمتد من شمال إيران إلى ميناء الإسكندرونة”.
ويكشف هذا الخطاب عن ثلاثة أمور أساسية:
تصوير المطالب الكوردية بوصفها مشروعاً توسعياً لا قضية حقوق قومية.
ربط الكورد بالخطر الخارجي والتهديد الجيوسياسي.
تهيئة الرأي العام لتقبّل سياسات التعريب والمركزية لاحقاً.
ومن اللافت أن هذا الخطاب سبق عقوداً طويلة من سياسات الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي التي طُبّقت لاحقاً في عهد البعث، ما يدل على أن جذور المسألة أقدم من النظام البعثي نفسه.
سادساً: هل وُجد توافق دولي ضد الكورد؟
لا توجد وثيقة واحدة تُظهر “مؤامرة دولية موحّدة” ضد الكورد، لكن الوقائع التاريخية تشير إلى وجود توافق مصالح بين القوى الدولية والإقليمية على منع قيام دولة كوردية مستقلة.
فبريطانيا كانت تريد عراقاً موحداً يضمن النفط، وتركيا رفضت أي كيان كوردي قرب حدودها، وفرنسا فضّلت دولة سورية مركزية يمكن إدارتها بسهولة، بينما خشيت إيران من انتقال العدوى القومية إلى كوردها.
وبذلك تحوّل الكورد إلى ضحية توازنات إقليمية ودولية متقاطعة، لا إلى مجرد أقلية فشلت في تنظيم نفسها.
سابعاً: من الإنكار الثقافي إلى السياسات المؤسسية في سوريا
لاحقاً، تطورت هذه الرؤية إلى سياسات رسمية أكثر وضوحاً، منها:
مشروع “الحزام العربي” في الجزيرة السورية (1965).
الإحصاء الاستثنائي في الحسكة عام 1962 الذي جرّد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية (8).
منع التعليم باللغة الكوردية.
تعريب أسماء القرى والمناطق الكوردية.
وهذه الإجراءات لم تكن معزولة عن الخلفية الفكرية التي تشكّلت منذ الأربعينيات والخمسينيات، والتي رأت في الهوية الكوردية تهديداً لوحدة الدولة القومية العربية.
خاتمة
إن فشل قيام دولة كوردية بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن نتيجة غياب المقومات القومية، بل نتيجة تلاقي مصالح دولية وإقليمية خشيت من أن يؤدي الاستقلال الكوردي إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.
كما أن الخطاب القومي العربي والتركي الناشئ آنذاك اعتمد على مفهوم الدولة المركزية المتجانسة، ما جعل الاعتراف بالهوية الكوردية يُنظر إليه بوصفه تهديداً سياسياً وأمنياً.
وفي الحالة السورية تحديداً، يتضح أن السياسات المعادية للكورد لم تبدأ مع حزب البعث فقط، بل سبقتها مرحلة طويلة من إنتاج خطاب ثقافي وصحافي وسياسي صوّر الكورد باعتبارهم “مشكلة انفصالية”، وهي الصورة التي أسهمت لاحقاً في تبرير سياسات التهميش والإقصاء.
+++++++++++++++++&&&
المراجع
Treaty of Sèvres, Articles 62–64, 1920.
Treaty of Lausanne, 1923.
David McDowall, A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris, 2004.
Michael M. Gunter, The Kurdish Predicament in Iraq, St. Martin’s Press, 1999.
Mesut Yeğen, “Turkish Nationalism and the Kurdish Question”, Ethnic and Racial Studies, 1999.
Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate, Princeton University Press, 1987.
محمد كرد علي، خطط الشام، دمشق.
Human Rights Watch, Syria: The Silenced Kurds, 1996.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورد بين لوزان والأزمة السورية: هل يتكرر التاريخ؟
- لماذا أصبح وعي المواطن خط الدفاع الأول للدولة؟
- محاولة إنكار الامتداد الحضاري واللغوي للكورد
- الاستلاب إلى البناء: نحو دستور للشخصية الكوردستانية في القرن ...
- الحرب الهجينة: كيف تُهزم الدول من الداخل قبل أن تسمع صوت الر ...
- كيف تُهزم الدول من الداخل قبل أن تُهزم على الحدود؟
- القضية الكُردية بين أنقرة وحزب العمال الكوردستاني وروژآفا: ج ...
- حسين بك الإيبش.. -سندباد- دمشق الكوردي
- الجغرافيا المصلوبة: الكُرد بين مطرقة الاتفاقيات الدولية وسند ...
- يادو آغا… “نسر كردستان” بين الحقيقة والأسطورة
- أحمد نامي وطمس الأدوار الكردية في تأسيس الدولة السورية
- قاضي محمد والشخصية الكوردستانية
- الانسحاب الأمريكي من الناتو: قراءة استراتيجية في ضوء تصريحات ...
- كشف النقاب عن وثيقة تأسيس -جمعية تعالي كردستان- لعام 1918: ا ...
- لقاء التاريخ والأصالة: الوفد الكردي في حضرة الرئيس شكري القو ...
- كبرياء الجبال وسحر الهلال: قبيلة الرشوان الكُردية في الشام س ...
- اتحاد -العشائر المليّة-: القوة التي أعادت رسم خارطة النفوذ ف ...
- من الفشل إلى إعادة البناء: قراءة نقدية في تجربة الإدارة الذا ...
- بين التصعيد الإقليمي وحروب الوكالة: هل يدخل إقليم كوردستان ق ...
- تحطيم صنم الدولة: لماذا لم تعد الحدود مقدسة… ولماذا يجب أن ت ...


المزيد.....




- حملة تنكيل واسعة في القدس: عشرات الاعتقالات وإخطارات هدم وإغ ...
- الاتحاد الأوروبي يقترب من إقرار تعديلات في سياسة الهجرة تفتح ...
- شهادات مروعة لأطباء غزة: قصف واعتقال وتعذيب ممنهج يستهدف الك ...
- قصف واعتقال وتعذيب.. شهادات عن استهداف الاحتلال الطواقم الطب ...
- إيران بعد حرب الأربعين يوما.. اعتقالات وملاحقات تمتد من الشو ...
- هيومن رايتس ووتش: الاحتلال يواصل تقطيع شرايين الحياة في غزة ...
- رايتس ووتش: إسرائيل تقطّع شرايين الإغاثة بغزة وتواصل هجماتها ...
- إعدام واستيطان.. الضفة الغربية في قبضة -قانون الموت- الإسرائ ...
- هدم وحرق واعتقالات في اعتداءات لجيش الاحتلال والمستوطنين بال ...
- اعتقال نجل مالك -مانغو- للأزياء العالمية للاشتباه في قتل وال ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - الكورد بين سيفر ولوزان: لماذا رُفض المشروع القومي الكوردي بعد الحرب العالمية الأولى؟