مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 15:09
المحور:
القضية الكردية
ملخص
تُمثّل القضية الكُردية في تركيا إحدى أعقد الأزمات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، إذ تتشابك فيها أبعاد الهوية والأمن والسيادة الإقليمية في نسيج يعصى على التبسيط. يسعى هذا المقال إلى تحليل بنية هذا الصراع متعدد الأطراف، من خلال قراءة نقدية لمواقف الدولة التركية وحركة حزب العمال الكردستاني والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا (روژآفا)، مع تسليط الضوء على الأخطاء الاستراتيجية للطرفين، واستشراف المسارات الممكنة نحو تسوية سياسية مستدامة. وتنتهي الورقة إلى أن استمرار المأزق الراهن لا يعكس انعدام الحلول الموضوعية، بل يعكس قبل كل شيء أزمة إرادة سياسية وإخفاقاً في إعادة تعريف الصراع وفق منطق يتجاوز ثنائية الغالب والمغلوب.
الكلمات المفتاحية: القضية الكُردية، حزب العمال الكردستاني، روژآفا، الحكم الذاتي، الهوية السياسية، تركيا، التسوية التفاوضية.
أولاً: الإشكالية المركزية – أزمة التعريف قبل أزمة الحل
تنطوي القضية الكُردية في تركيا على مفارقة جوهرية تُعيق أي مسار حلٍّ جدي: فالطرفان لا يختلفان على الحلول وحسب، بل يختلفان في تعريف المشكلة ذاتها. تصف أنقرة الصراع بوصفه تهديداً أمنياً وإرهاباً ممنهجاً تموّله أطراف خارجية وتوظّفه في أجنداتها الجيوسياسية، في حين يُصرّ الكُرد وحركاتهم السياسية على أن ما يجري ليس إلا تعبيراً مشروعاً عن قضية هوية وطنية محرومة من أدنى حقوق الاعتراف الدستوري والتمثيل السياسي.
هذا الاختلاف في التعريف ليس ترفاً فكرياً، بل له تداعيات عملية مباشرة: فطالما أن أنقرة تختزل الصراع في بُعده الأمني، يظل مسار التفاوض السياسي محاصراً بشرط مسبق يتمثل في نزع السلاح الكامل. وطالما يرفض الجانب الكُردي الفصل بين المسار الأمني والمسار السياسي، يبقى الحل رهينة معادلة أيهما يأتي أولاً.
إن الفهم العميق لهذه الديناميكية يستدعي قراءة متأنية لمواقف الأطراف الثلاثة: الدولة التركية، والحركة السياسية الكُردية وحزب العمال الكوردستاني، وتجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بوصفها متغيراً إقليمياً حاسماً.
ثانياً: الموقف التركي – أولوية الأمن وتداعياتها
تقوم الاستراتيجية التركية تجاه القضية الكُردية على ثلاثة مبادئ راسخة:
رفض أي تفاوض قبل نزع السلاح الكامل.
ورفض الاعتراف بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكُردي.
عدم تبني أي خطاب يمنح الشرعية السياسية للمطالب الكُردية بوصفها قضية هوية جماعية. وهذا الموقف ليس سياسة حكومة بعينها، بل يعبّر عن رؤية استراتيجية عميقة تتجاوز التباينات الحزبية، وإن كانت قد بلغت ذروتها في التيار القومي الذي يمثّله دولت بهجلي ضمن سياق الائتلاف الحاكم.
والحجة التركية في هذا الشأن ليست بلا منطق: فالدولة ترى أن الاعتراف السياسي بالقضية الكُردية في ظل استمرار العمل المسلح لحزب العمال الكوردستاني يُشكّل خطراً على وحدتها الإقليمية، لا سيما في منطقة تعاني من تحولات جيوسياسية عميقة منذ عام 2011. وهذا القلق مشروع على مستوى الفهم الاستراتيجي، غير أنه ينطوي على إشكالية منهجية جوهرية: إنه يُعلّق الحل السياسي بشرط يتوقف هو نفسه على وجود مسار سياسي. إذ كيف يُنزع السلاح في غياب ضمانات سياسية موثوقة؟ وكيف تُبنى الثقة الكافية لقبول هذه الضمانات وسط عقود من الصراع المسلح؟
الأكثر من ذلك، أن الاعتماد التركي على الحل الأمني أثبت قصوره التاريخي؛ فرغم العمليات العسكرية المتكررة في جنوب تركيا والعراق وسوريا، لم يتراجع حزب العمال الكردستاني إلى نقطة الانهيار، مما يدل على أن للصراع جذوراً اجتماعية وسياسية لا تُجدي معها القوة العسكرية وحدها. فضلاً عن ذلك، أدت العمليات الأمنية المتعاقبة إلى تعزيز الشعور بالمظلومية لدى الحاضنة الشعبية الكُردية، وهو ما يغذّي دورة التجنيد الاستراتيجي لصالح حزب العمال الكردستاني.
ثالثاً: الموقف الكُردي – جدلية الحقوق والسلاح
في المقابل، يطرح الكُرد وأحزابهم السياسية معادلة مغايرة: السلاح نتيجة للقمع وليس سبباً للصراع، وبالتالي فإن أي حل يبدأ بالاعتراف الدستوري والسياسي، لا بالمطالبة بنزع السلاح أولاً. ومن أبرز المطالب الكُردية: الاعتراف الدستوري بالهوية الكُردية، وإطلاق سراح عبد الله أوجلان بوصفه خطوة مفصلية نحو أي تسوية ممكنة، إضافة إلى ضمانات حقيقية لحقوق التعليم باللغة الكُردية والتمثيل السياسي والإدارة المحلية.
والجدير بالملاحظة أن حزب العمال الكردستاني شهد تحولاً فكرياً لافتاً في العقود الأخيرة، إذ تراجع رسمياً عن مطلب الدولة المستقلة، منتقلاً نحو نموذج "الكونفدرالية الديمقراطية" القائمة على الحكم الذاتي والإدارة المحلية والتعددية الثقافية. وهذا التحول ينطوي - من حيث المبدأ- على إمكانية توافق نظري مع بنية الدولة التركية الموحدة، وهو ما يجعل رفضه التركي المطلق محلَّ تساؤل نقدي مشروع.
غير أن الحركة الكُردية من جهتها لم تتمكن من ترجمة هذا التحول الفكري إلى قوة تفاوضية فعلية، وذلك بسبب جملة من الأخطاء الاستراتيجية التي سيتناولها هذا المقال بالتحليل.
رابعاً: روژآفا – المتغير الإقليمي الحاسم
لا يمكن فهم القضية الكُردية في أبعادها الراهنة بمعزل عن التجربة السياسية في شمال شرق سوريا (روژآفا). فهذه التجربة، التي أفرزتها الفوضى السورية منذ عام 2012، باتت عنصراً محورياً في حسابات جميع الأطراف.
من المنظور التركي، تُشكّل روژآفا تهديداً وجودياً مباشراً، إذ تراها أنقرة امتداداً عضوياً لحزب العمال الكوردستاني على أراضي دولة مجاورة، وسابقة خطيرة قد تُلهم الحركة الكُردية داخل تركيا، وتُوفر قاعدة لوجستية وأيديولوجية لا يمكن التسامح معها. ومن هنا يأتي التدخل العسكري التركي المتكرر في الأراضي السورية - من عملية "درع الفرات" إلى "غصن الزيتون" إلى "نبع السلام"- بوصفه سياسة دفاعية استباقية في منطق الحكومة التركية.
في المقابل، يرى الكُرد في روژآفا إثباتاً عملياً لقدرتهم على إدارة شؤونهم الذاتية وبناء نموذج حوكمة يجمع بين التعددية والمشاركة المجتمعية، كما يرونها ورقة ضغط سياسية في مواجهة أنقرة، وحجة على صحة المطلب الكُردي بالحكم الذاتي.
بيد أن التحليل الموضوعي لروژآفا يفرض قراءة أكثر تعقيداً وحذراً: إنها كيان هش يقوم على توازنات دولية متحركة، ويعتمد اعتماداً شبه كلي على الدعم الأمريكي في السياق الجيوسياسي للحرب على داعش. وحين تتغير أولويات واشنطن، تتغير معها حصانة روژآفا. وهذه الهشاشة البنيوية تجعل تبنّي روژآفا بوصفها نموذجاً للحل أو ورقة ضغط استراتيجية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
خامساً: الأخطاء الاستراتيجية للطرفين – قراءة نقدية متوازنة
1. الأخطاء الاستراتيجية للحركة الكُردية
أ. الإفراط في الرهان على العامل الخارجي
يُمثّل الاعتماد على الدعم الأمريكي والغربي نمطاً متكرراً في التجربة السياسية الكُردية، وهو نمط دأب التاريخ على دحضه. فمنذ معاهدة سيفر (1920) حتى القطيعة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية تحت ضغوط متعددة، أثبتت التجربة أن الدعم الدولي للكُرد يرتبط دائماً باعتبارات براغماتية آنية لا بمبادئ ثابتة. لذلك، فإن بناء الاستراتيجية الكُردية على هذا الركن وحده ينطوي على قصور منهجي خطير.
ب. الخلط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية
نجح حزب العمال الكوردستاني في الصمود عسكرياً لأربعة عقود، لكن هذا الصمود لم يُترجم إلى شرعية سياسية مقبولة دولياً. بل على العكس، فقد أضرّ استمرار العمل المسلح بصورة الحركة الكُردية في المحافل الدولية، وضيّق هامش التعاطف الغربي معها، مما حوّل الطاقة الشعبية إلى وقود للصراع بدلاً من توجيهها نحو بناء مشروع سياسي قابل للاعتراف به.
ج. المبالغة في قراءة الداخل التركي
آمنت الحركة الكُردية أحياناً بأن الضغط العسكري المتواصل سيُجبر أنقرة على تقديم تنازلات سياسية. غير أن التجربة أثبتت أن العكس هو الصحيح في الغالب: فالضغط العسكري يؤدي إلى تشدد الموقف التركي الداخلي، ويُوسّع الهوة بين الكُرد والمجتمع التركي، ويُعزز الخطاب القومي الذي يعود بالضرر على إمكانية التوافق السياسي.
د. مركزية الشخص على حساب المؤسسة
أفضى ربط مسار الحل بشخص عبد الله أوجلان، رغم أهميته الرمزية البالغة، إلى جعل أي تسوية ممكنة رهينة لقرار الدولة التركية المتعلق بأوضاعه الاعتقالية. كما أن هذا الارتباط يُقيّد الحركة السياسية الكُردية ويضعف قدرتها على التكيّف والمناورة في مرحلة ما بعد أوجلان، وهي مرحلة لا بد أن تأتي.
هـ. غياب الخطاب الكُردي الموحد
يتسم الحقل السياسي الكُردي بتشتت واضح بين حزب العمال الكردستاني وأحزاب حزب الشعوب الديمقراطي وخلفائه في تركيا وإدارة روژآفا في سوريا. وهذا التشتت لا يضعف القدرة التفاوضية وحسب، بل يُصعّب على الخصوم والشركاء الدوليين التعامل مع ممثل كُردي واضح وشرعي، مما يمنح أنقرة ذريعة للتهرب من الاعتراف بوجود طرف تفاوضي حقيقي.
2. الأخطاء الاستراتيجية للدولة التركية
لا يستقيم التحليل الموضوعي دون الإشارة إلى المسؤولية التركية في تأبيد الأزمة. فقد أخفقت الدولة التركية تاريخياً في الاعتراف بالهوية الكُردية بوصفها حقيقة سياسية وديمغرافية مشروعة لا تهديداً للوحدة الوطنية. كما أن الإفراط في الحل الأمني، وتجاهل أبعاد الصراع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أطالا أمد الأزمة بدلاً من تقليصها. فضلاً عن ذلك، فوّتت أنقرة فرصاً تاريخية ثمينة، من بينها مسار الحوار الذي شهدته سنوات 2013-2015 ثم انهار على خلفية أحداث أفرزت انعدام الثقة المتبادل. وفي السياق ذاته، يستحق تقييمٌ جدي ونقدي مآلاتِ المبادرات الحوارية التي أُعلن عنها في عام 2025، وما إذا كانت تمثل تحولاً استراتيجياً حقيقياً أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي.
سادساً: آفاق التسوية – نحو مقاربة واقعية
رغم عمق المأزق الراهن، تظل هناك فرص حقيقية للتسوية، غير أنها تستلزم تحولات جوهرية في مقاربة الطرفين.
1. إعادة تعريف الصراع
الخطوة الأولى والأكثر جوهرية هي التحول من خطاب "إرهاب ضد دولة" إلى خطاب "حقوق ضمن دولة موحدة". هذا التحول في الإطار المفاهيمي ضروري لفتح مساحة سياسية مشروعة تستوعب المطالب الكُردية دون أن تهدد - نظرياً وعملياً - بنية الدولة التركية.
2. نهج المراحل التدريجية
إن إمكانية التوصل إلى "صفقة كبرى" شاملة ودفعة واحدة تبدو ضعيفة الاحتمال في ظل مستوى انعدام الثقة الراهن. وعليه، فإن نهج التدرج -القائم على خطوات متبادلة وقابلة للتحقق- هو الأكثر واقعية: تخفيف للعمليات العسكرية، يقابله إصلاحات ثقافية محدودة وملموسة، ثم بناء تدريجي للثقة يُمهّد لمراحل أكثر جوهرية.
3. فصل المسارات الثلاثة
تستدعي طبيعة الصراع المركّبة نهجاً متعدد المسارات: مسار أمني يُعنى بوقف العنف وإدارة ملف السلاح، ومسار سياسي يُعالج مسائل الحقوق الدستورية والتمثيل، ومسار إقليمي يتناول ملف روژآفا وتداعياته على العلاقات التركية - السورية. إن ربط هذه المسارات بشكل مطلق يجعل أي إخفاق في أحدها مدمراً للعملية بأسرها.
4. شروط الاعتراف الدولي
إذا كان الكُرد يسعون إلى كسب شرعية دولية لقضيتهم، فإن ذلك يستلزم جملة من التحولات الاستراتيجية: التحوّل نحو خطاب وعمل سياسي غير مسلح، وتوحيد الخطاب والتمثيل على المستويين الداخلي والإقليمي، والقبول الصريح بإطار الدول القائمة بوصفه شرطاً للتفاوض الجدي، وبناء مؤسسات مدنية متجذرة تُعبّر عن مشروعية ديمقراطية تتجاوز الشرعية العسكرية.
سابعاً: خاتمة – في سؤال الإرادة السياسية
تقف القضية الكُردية اليوم عند مفترق طرق بالغ الدلالة: فتركيا لا تزال ترفض الاعتراف السياسي الكامل بوصفه مدخلاً للتسوية، والكُرد لا يزالون يرفضون التخلي عن أوراق قوتهم في غياب ضمانات موثوقة وملزمة. وبين هذين الرفضين تضيع ما وصفناه بـ"الفرصة التاريخية": تلك اللحظة النادرة التي ينضج فيها شرطا التسوية - الإرهاق العسكري والتكلفة السياسية - في آن واحد لدى الطرفين معاً.
أما تجربة روژآفا، فلا يمكن اختزالها في ثنائية الحل أو المشكلة؛ إنها في جوهرها اختبار لقدرة الحركة الكُردية على التحول من منطق الميليشيا المسلحة إلى مشروع سياسي قابل للديمومة والتفاعل البنّاء مع محيطه الإقليمي.
ما يتضح من قراءة هذا المشهد في مجمله أن إعادة تعريف الصراع ليست ترفاً فكرياً، بل شرط موضوعي للخروج من الدوامة الراهنة. والطرف الذي سيُبادر إلى هذا التعريف الجديد - سواء بالتخلي عن فائض الشروط المسبقة أو بالجرأة على خطوة سياسية حقيقية دون ضمانات مطلقة - هو الذي سيُمسك بزمام المبادرة ويُحدد معالم المرحلة القادمة.
لأن السؤال الأجدى ليس: من يملك الحق التاريخي؟ بل: من يملك الشجاعة السياسية للتصرف بما يتجاوز حساباته الآنية الضيقة؟ وعلى هذا السؤال يتوقف مستقبل القضية الكُردية برمّته.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟