مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 19:52
المحور:
القضية الكردية
دراسة تحليلية نقدية
ملخص
تتناول هذه الدراسة التحليلية النقدية الرسائل المنسوبة إلى السيد عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، والصادرة بعد اعتقاله عام 1999 حتى اليوم، ولا سيما رسالته إلى المؤتمر العام الرابع والعشرين لمؤتمر كردستان الوطني (KNK).
تسعى الدراسة إلى استجلاء أصالة هذه الرسائل ومدى تمثيلها لإرادة حرة أم لأجندات خارجية ؟، من خلال تحليل البنية الفكرية للخطاب قبل الاعتقال وبعده، وتقييم الحجج المتعارضة لدى المؤيدين والمشككين، مع ربط ذلك بالمسألة الكُردية الكبرى ومستقبلها.
أولاً: السياق التاريخي — أوجلان قبل الاعتقال وبعده
يُعدّ عبد الله أوجلان من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الحركة الكُردية الحديثة، إذ أسّس حزب العمال الكردستاني عام 1978 معتمداً في منطلقاته الأيديولوجية على الماركسية اللينينية، ومتبنياً خطاباً ثورياً واضحاً يرتكز على ثلاثة محاور:
المطالبة بإقامة دولة كُردية مستقلة على أرض كُردستان بين تركيا وإيران والعراق وسوريا.
تبني الكفاح المسلح وسيلةً شرعيةً لتحقيق هذا الهدف.
الرفض القاطع لكل أشكال الاندماج أو المساومة مع الدول التي تُقسّم الأرض الكردية (1).
غير أن هذا المشهد الأيديولوجي شهد تحولاً لافتاً بعد اعتقال أوجلان عام 1999 وزجّه في سجن جزيرة إمرالي المعزولة. فمنذ تلك اللحظة بدأت تصدر عنه – أو تُنسب إليه – رسائل ومواقف تتبنى مفاهيم مغايرة جذرياً، في مقدمتها "الكونفيدرالية الديمقراطية" بديلاً عن الدولة القومية المستقلة، ونبذ الكفاح المسلح والدعوة إلى حل حزب العمال الكُردستاني، بل والإشادة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي في رسائله الأخيرة (2).
هذا التحول الضخم والمتسارع لا يمكن تفسيره بمجرد التطور الفكري الطبيعي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية لا يمكن تجاوزها.
ثانياً: رسالة مؤتمر KNK — تحليل المضمون
وصلت إلى المؤتمر العام الرابع والعشرين لمؤتمر كُردستان الوطني (KNK) رسالة تحمل توقيع أوجلان، تدور حول ثلاثة محاور فكرية رئيسية:
1. الوحدة الكُردية الديمقراطية
يؤكد الكاتب أن الوحدة لا تعني التوحيد القسري أو إلغاء الاختلافات، بل هي "لقاء الاختلافات على أرضية ديمقراطية"، مستنداً إلى تصور تشاركي للمصالح الوطنية المشتركة.
2. نظرية المجتمع الديمقراطي
وهو المفهوم الذي طوّره أوجلان في مؤلفاته اللاحقة لاعتقاله، والقائل بأن الحل لا يمر عبر الدولة القومية بل عبر اللامركزية الديمقراطية والتعايش المشترك (3).
3. رفض توظيف الكُرد في الصراعات الإقليمية
يدعو إلى رفض استخدام الكُرد ورقةً في أيدي الدول الإقليمية ضد بعضهم، وهو مطلب يعكس وعياً بواقع التجزئة والاستثمار الخارجي للقضية الكُردية.
الملاحظة الأكاديمية الأولى على هذه الرسالة هي تناغمها الكامل مع الخطاب الأيديولوجي اللاحق لاعتقاله، وهو ما يدعم روايتي الأصالة والتوجيه الخارجي في آنٍ معاً؛ فإن كان التحول حقيقياً فالرسالة تعكسه بصدق، وإن كان التحول مفروضاً أو موجهاً فالرسالة امتداد لمنظومة الرسائل الأخرى ذاتها.
ثالثاً: حجج المؤيدين لأصالة الرسائل
ثمة حجج جدية يستند إليها المؤيدون لأصالة الرسائل المنسوبة إلى أوجلان، وتبدأ بالاتساق الفكري الداخلي لهذه الرسائل على مدى أكثر من ربع قرن؛ إذ تبدو الأفكار في مجموعها كتراكم منهجي ومتدرج، وليس كانقلاب مفاجئ مفرغ من أي سياق.
فمفهوم "الكونفيدرالية الديمقراطية" الذي يُعزى إليه يستند إلى قراءاته لمفكرين غربيين كموري بوكشين، وهو ما لا يمكن نسبه بسهولة إلى أجهزة استخباراتية (4).
علاوةً على ذلك، فإن زيارات وفود حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية (DEM) لأوجلان في إمرالي جرت بشكل متكرر ومنتظم، وأسفرت عن رسائل في مناسبات متعددة. وأعضاء هذا الحزب، رغم عملهم ضمن الإطار القانوني التركي، هم في جوهرهم امتداد سياسي لقواعد شعبية كُردية تربط كثيراً منها علاقات عائلية وفكرية عميقة بأوجلان وبالحركة الكُردية (5).
كما أن السجن الطويل وقراءة الفلسفة والنظرية السياسية والاطلاع على تجارب حركات التحرر الأخرى قد تكون عوامل مولدة لتحول حقيقي، لا مؤشرات بالضرورة على إكراه أو تلفيق.
رابعاً: حجج المشككين في أصالة الرسائل — وهي حجج وجيهة
في المقابل، تتسلح حجج المشككين بقوة موضوعية لا يمكن إهمالها أكاديمياً.
1. غياب التحقق المستقل
لم يلتقِ بأوجلان منذ عام 1999 أي محامٍ أو صحفي أو مراقب دولي مستقل خارج نطاق السيطرة التركية. فكل ما يصل من الرجل يمر حتماً عبر قنوات تخضع للرقابة المباشرة للسلطات التركية، ثم عبر وفود حزب DEM الذي يعمل بدوره في ظل قيود قانونية وسياسية تركية صارمة (6).
2. سؤال: من المستفيد؟
الرسائل الأخيرة، ولا سيما تلك الداعية إلى حل حزب العمال الكردستاني ونزع السلاح، تخدم بشكل مباشر الأجندة التركية الرسمية، بل جاءت استجابةً لما دعا إليه بهجلي في أكتوبر 2024 من دعوة لحل الحزب مقابل الإفراج عن أوجلان (7).
3. ظاهرة "الأسير الرمزي"
تاريخ الأجهزة الاستخباراتية حافل بحالات استُخدم فيها قادة مسجونون، طوعاً أو كرهاً، لإصدار رسائل تخدم مصالح دولة السجن. وهذه الظاهرة موثقة في أدبيات علم السياسة المقارن (8).
4. إشكالية "المستحيل النفسي"
فالرجل الذي أسّس حركةً مسلحةً وقاتل عمره كله من أجل وطن كُردي مستقل، يصعب تصديقه وهو يشيد بأردوغان ويدعو إلى حل حزبه دون أن يكون ذلك تحت ظروف استثنائية وضغوط قاهرة.
خامساً: قراءة في سيناريوهات التفسير
السيناريو الأول: التطور الفكري الحقيقي
يقبل هذا السيناريو التحول باعتباره نتيجة طبيعية للعزلة والتأمل العميق والقراءة المكثفة التي فرضها السجن. ووفق هذا التفسير أعاد أوجلان النظر في قناعاته بعد أن لاحظ محدودية الكفاح المسلح وعدم جدواه، وأدرك أن الدولة القومية المستقلة أصبحت مشروعاً بعيد المنال في ظل التوازنات الإقليمية الراهنة.
السيناريو الثاني: صناعة الاستخبارات التركية
يذهب هذا السيناريو إلى أن جهاز الاستخبارات التركي (MİT) يدير منظومة إنتاج هذه الرسائل بالكامل أو يشارك فيها بصورة جوهرية، مستعيناً بمعرفته العميقة بأيديولوجية أوجلان وأسلوبه الخطابي لصياغة نصوص مقنعة.
السيناريو الثالث: المزيج الهجين
وهو السيناريو الأكثر أرجحيةً أكاديمياً من وجهة نظر المنهجية التحليلية؛ إذ يرى أن ما يصل باسم أوجلان هو خليط من أفكاره التي تطورت فعلاً تحت وطأة السجن الطويل، ومن توجيه وتشكيل تركي واعٍ لتلك الأفكار عبر اختيار ما يُنقل وما يُحجب وما يُصاغ ويُبلّغ.
في هذا السيناريو لا تكون الرسائل مزورة بالكامل ولا أصيلة بالكامل، بل هي إنتاج مشترك تحت شروط إكراه هيكلي (9).
سادساً: المسألة الكُردية الكبرى — ما وراء أوجلان
إن الإشكالية الأعمق في هذا النقاش هي الخلط بين شخص أوجلان وبين المسألة الكُردية كقضية تاريخية وجودية.
فأياً كانت حقيقة هذه الرسائل، فإن مطلب الشعب الكُردي في الحق بتقرير المصير والوطن القومي سابق لأوجلان وسيبقى بعده.
والخطورة في الاعتماد الزائد على شخصية أوجلان مرجعيةً وحيدة تكمن في أن تدمير هذا الرمز أو اختراقه أو توظيفه يصبح مساوياً لتدمير القضية ذاتها أو اختراقها في أذهان قطاعات واسعة من الشعب الكُردي (10).
كما أن الموقف الكُردي الشعبي منقسم على هذه الرسائل انقساماً حاداً يعكس التنوع السياسي الداخلي. فقواعد حزب العمال الكُردستاني والأحزاب الكُردية (التركية) الموالية له تتعامل معها بصفتها موثوقة ومرجعية سياسية، بينما ترفض غالبية كُرد الشتات وقيادات إقليم كُردستان (العراق) اعتبارها مرجعاً ملزماً، مستندةً إلى غياب التحقق المستقل وتعارض مضمونها مع الهدف الكُردي التاريخي الكبير.
أما قواعد الحركة الكُردية في شمال سوريا (روجافا)، فتقف في موقف وسط، إذ تحتفظ بولائها الرمزي لأوجلان بينما تتبنى في الوقت ذاته مشروعها الخاص في الإدارة الذاتية (11).
سابعاً: معايير التحقق الأكاديمي وغيابها
إن تقييم أصالة الوثائق السياسية في علم السياسة يستلزم عادةً جملةً من المعايير الإجرائية الأساسية:
إمكانية الوصول المستقل إلى الشخص المعني.
تعدد القنوات التي تصدر عنها الرسائل.
إمكانية مقارنة أسلوب الكتابة والبنية الفكرية.
التحقق من السياق المباشر الذي أُنتجت فيه النصوص.
وجميع هذه المعايير غائبة كلياً في حالة أوجلان، مما يجعل أي حكم قاطع في اتجاه التأييد أو الرفض ضرباً من ضروب القفز الأكاديمي غير المشروع (13).
ما يمكن قوله بيقين منهجي محدود هو أن الرسائل متسقة أيديولوجياً مع المرحلة الفكرية اللاحقة لاعتقاله، وأن أسلوبها الخطابي يحمل بصمات يصعب نسبها بالكامل إلى كتّاب آخرين، لكن ظروف إنتاجها ونقلها تجعل الحديث عن "إرادة حرة" أمراً لا يمكن إثباته ولا نفيه.
ثامناً: خاتمة — نحو قراءة نقدية مسؤولة
خلاصة القول، تقف الدراسة في نهاية مسارها التحليلي أمام مشهد معقد لا تجدي فيه الأحكام المطلقة.
فلا يمكن القطع بأن هذه الرسائل مزورة بالكامل، ولا يمكن قبولها بوصفها تعبيراً نقياً عن إرادة حرة غير مقيدة.
الأكثر أمانةً أكاديمياً هو التعامل معها بوصفها وثائق صدرت في سياق إكراه هيكلي عميق، تحمل قدراً من الأصالة الفكرية المحتملة وقدراً مماثلاً من التوجيه والاحتمال الخارجي.
لكن ثمة حقيقة أشد أهمية وأكثر ديمومةً من هذا كله: المسألة الكُردية، بما تنطوي عليه من بعد إنساني وتاريخي وقانوني، لا يمكن لأي شخصية مهما بلغت من الرمزية أن تنهيها برسالة أو تسقطها بتوقيع.
فالشعوب لا تُبنى على رسائل لا يمكن التحقق منها، ولا تُختزل في أشخاص مهما كانت منزلتهم. وفي نهاية المطاف، فإن قوة القضية الكُردية تكمن في أنها قضية شعب، لا قضية زعيم.
قائمة المراجع والمصادر
McDowall, David. A Modern History of the Kurds. London: I.B. Tauris, 2004. pp. 418–435.
وكالة أنباء فرات (ANF)، رسالة أوجلان إلى المؤتمر الرابع والعشرين لـ KNK، 2025–2026.
Öcalan, Abdullah. Democratic Confederalism. London: Transmedia Publishing, 2011.
Bookchin, Murray. The Ecology of Freedom. Palo Alto: Cheshire Books, 1982.
الجزيرة نت، "نداء أوجلان.. توقعات مرتفعة ومسار سياسي ينقصه الوضوح"، 13 مارس 2025.
Human Rights Watch. Turkey: Ocalan s Isolation in Imrali Prison. Annual Reports, 2018–2024.
المعهد المصري للدراسات، "نحن والعالم"، مارس 2025.
Rejali, Darius. Torture and Democracy. Princeton University Press, 2007.
Romano, David. The Kurdish Nationalist Movement. Cambridge University Press, 2006. pp. 89–121.
Watts, Nicole F. Activists in Office: Kurdish Politics and Protest in Turkey. University of Washington Press, 2010.
Gunter, Michael M. The Kurds: A Modern History. Markus Wiener Publishers, 2016.
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "فرص وتحديات نجاح مبادرة أوجلان"، أبوظبي، 2025.
Tansey, Oisín. "Process Tracing and Elite Interviewing: A Case for Non-Probability Sampling." PS: Political Science & Politics, Vol. 40, No. 4, 2007, pp. 765–772.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟