مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 16:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة
منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، ثم معاهدة لوزان عام 1923، والمنطقة تعيش على وقع ترتيبات دولية رسمت حدودها أصابع القوى الاستعمارية الكبرى، دون أن تُستشار الشعوب التي تسكنها. فقُسِّم الكورد بين أربع دول، وتشتت البلوش بين إيران وباكستان وأفغانستان، وغُيِّبت الهوية الأحوازية داخل الجمهورية الإيرانية، وطُمست هويات أمازيغية وتركمانية و… في منظومة دول مبنية على نموذج الدولة-الأمة القسري.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على تلك الاتفاقيات، تعود إلى الواجهة ذات المقاربة تحت مسميات معاصرة من قبيل "الاستقرار الإقليمي" و"حصر السلاح بيد الدولة" و"الدولة المركزية القوية". وتتجسد هذه المقاربة اليوم في تصريحات مبعوثين أمريكيين من أمثال توم باراك، الذي يولي أهمية قصوى لاستقرار الدول القائمة دون أن يُعير اهتماماً موازياً لمظالم الشعوب التي تعيش داخلها.
يطرح هذا المقال سؤالاً جوهرياً: هل تصل الشعوب المهمشة إلى حقوقها عبر الرهان على الداعمين الخارجيين، أم أن المسار الحقيقي يمر حتماً عبر نضال عضوي متكامل، عسكرياً في مراحله الدفاعية، وسياسياً في جوهره وغايته؟
أولاً: أوهام الوصاية الخارجية - درس التاريخ المتكرر
1.1 من لوزان إلى واشنطن: الوعود المؤجلة
لا يمكن فهم واقع الشعوب المهمشة في الشرق الأوسط دون استيعاب البنية التاريخية التي أنتجت هذا التهميش. فقد جاءت معاهدة سيفر عام 1920 لتعترف نظرياً بالحق الكوردي في تقرير المصير، ثم جاءت لوزان بعدها بثلاث سنوات لتمحو ذلك الاعتراف من الوجود، ليس لأن الكورد فقدوا حقهم، بل لأن موازين القوى الدولية أملت ذلك. الدرس المستخلص بالغ الوضوح: الاعتراف الدولي مرتبط بالمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، لا بمبدأ العدالة في ذاته.
وهذا النمط لم يتوقف عند لوزان. وخلال الحرب الباردة، وظّفت الولايات المتحدة القضية الكوردية ورقةً للضغط على العراق، ثم تخلّت عنها حين اقتضت مصالحها ذلك، كما حدث عام 1975 إثر اتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام حسين. والمأساة ذاتها تكررت بعد حرب الخليج الثانية حين نُودي بالانتفاضة الكوردية ثم تُركت تواجه مصيرها وحدها.
هذا النمط التاريخي يكشف حقيقة راسخة: القوى الخارجية الداعمة تدعم مصالحها أولاً، وتدعم حلفاءها ثانياً، أما الشعوب فهي أدوات في المعادلة لا أطراف فيها.
1.2 نموذج باراك: استمرارية الوصفة القديمة
تكشف تصريحات توم باراك المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط عن استمرارية فكرية لافتة مع منطق سايكس-بيكو، وإن اختلفت اللغة المستخدمة. فهو يؤكد على دعم الدول المركزية في سوريا والعراق ولبنان، ويطالب بحصر السلاح بيد الدولة، ويُثمّن اندماج الفصائل المسلحة في المؤسسات العسكرية الرسمية، في حين تغيب من خطابه الإشارة إلى حقوق الشعوب غير الممثلة في تلك الدول.
المفارقة اللافتة أن هذا المنطق يتحدث عن حساسيات تركيا وحساسيات العراق وحساسيات سوريا، بينما يتجاهل تماماً حساسيات الشعب الكوردي الذي يُقسَّم بين هذه الدول منذ أكثر من مئة عام. ما يعني أن "الاستقرار" المقصود هو استقرار الدول القائمة لا استقرار الشعوب التي تسكن هذه الدول.
من هنا، فإن الرهان على الدعم الأمريكي أو أي دعم خارجي آخر مسار يحمل في بنيته الجوهرية عوامل خيبته، لأن الداعم الخارجي لا يخرج من معادلة مصالحه مهما تحسّنت نواياه.
ثانياً: النضال الذاتي - الطريق الوعر الموثوق
2.1 الاستحقاق العسكري: الدفاع عن الوجود لا الهجوم على الآخر
من الأهمية البالغة التمييز بين منطقَين في استخدام القوة العسكرية من قِبَل الشعوب المهمشة: منطق التحرر الدفاعي لصون الوجود والهوية والأرض، ومنطق الحرب الشاملة الذي غالباً ما يكون مستنزفاً ومدمراً.
فتاريخ حركة البيشمركة الكوردية يكشف أن القوة العسكرية حين وُظِّفت دفاعياً لحماية المدنيين وصون الهوية الثقافية، منحت هذه الشعوب ورقة تفاوض حقيقية على طاولة السياسة، إذ لا أحد يفاوض شعباً لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه. وهذا ليس دعوةً إلى العنف، بل قراءة واقعية في منطق العلاقات الدولية الذي لا يزال يعمل بقانون القوة إلى جانب قانون الحق.
والشاهد على ذلك أن قوات سوريا الديمقراطية حين أثبتت قدرتها العسكرية في مواجهة تنظيم داعش، وجدت نفسها طرفاً لا يمكن تجاهله في أي معادلة سياسية للحل السوري، مهما تحفّظت عليها الأطراف الإقليمية والدولية.
2.2 النضال السياسي: القلب النابض للتحرر
غير أن العمل العسكري وحده لا يُنتج حقوقاً مستدامة. فالشعوب التي اعتمدت على السلاح دون بناء شرعية سياسية داخلية وخارجية وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام معادلات أمنية بلا أفق سياسي.
النضال السياسي الفاعل يقوم على ثلاث ركائز متكاملة:
أولاً: الوحدة الداخلية إذ إن التشرذم الداخلي هو العدو الأول لأي مشروع تحرري. فالانقسام الكوردي بين أحزاب متعددة ومتنافسة في العراق وسوريا وتركيا وإيران أضعف القضية الكوردية أكثر مما فعله أي عدو خارجي. وهذا ما يجعل تصريح مسعود بارزاني بأن "المرحلة تتطلب موقفاً موحداً" ذا أهمية استراتيجية قصوى، لا مجرد خطاب سياسي.
ثانياً: بناء الروايات والشرعية الدولية وهذا يعني العمل المنهجي على تثبيت الرواية التاريخية والإنسانية في المحافل الدولية، وبناء تحالفات مع منظمات المجتمع المدني والأكاديميين والبرلمانيين في الدول الديمقراطية، لا الاكتفاء بالعلاقات مع الحكومات التي تحكمها المصالح وحدها.
ثالثاً: الدبلوماسية التشاركية أي مشاركة فاعلة في كل مفاوضات الحل الإقليمي، ورفض أي تسوية تُنجز دون التشاور مع الشعوب المعنية، والتمسك بمبدأ أن أي اتفاقية لا تعترف بالحقوق السياسية والثقافية للأقليات القومية هي اتفاقية ناقصة لا يمكنها إنتاج استقرار حقيقي ودائم.
ثالثاً: نحو نموذج جديد للاعتراف - ما وراء الدولة المركزية
3.1 أزمة نموذج الدولة-الأمة في الشرق الأوسط
النموذج الذي يُروّج له باراك وغيره يقوم على افتراض أن الدولة المركزية القوية هي الحل، وأن تعزيز سلطتها يعني الاستقرار. لكن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة جوهرية: الدول المركزية في الشرق الأوسط بُنيت في أغلب أحوالها على إقصاء المكونات وتهميشها، فكيف يمكن لتعزيز هذه الدول أن يُنتج الاستقرار إذا ظلت بنيتها الجوهرية إقصائية؟
التجربة العراقية بعد 2003 كاشفة في هذا الصدد. فرغم التغيير الجذري في النظام السياسي، ظلت الأزمة الكوردية-العربية قائمة، ولم يُحسم ملف كركوك، ولم تُحل معادلة توزيع الثروة والسلطة بصورة مُرضية. وذلك لأن التغيير كان في شكل الدولة لا في فلسفتها المتعلقة بالتنوع والتعددية.
3.2 الفيدرالية والكونفيدرالية: أُطر بديلة ممكنة
تشير تجارب مقارنة عديدة إلى أن الفيدرالية الحقيقية أو الكونفيدرالية الطوعية يمكن أن تكون أُطراً ناجحة لإدارة التنوع دون تقسيم الدول. فالتجربة السويسرية وإلى حد ما التجربة الكندية في إدارة التنوع الثقافي والقومي تقدمان نماذج يمكن الاستلهام منها، وإن كانت السياقات مختلفة.
الجوهر هنا أن الهدف ليس بالضرورة إنشاء دول جديدة في كل الأحوال، بل إنشاء أُطر سياسية تعترف بالتنوع وتُدير التعددية بصورة عادلة. غير أن هذه الأُطر لن تُفرض من الخارج، بل لا بد أن تنبثق من مفاوضات جادة بين الأطراف المعنية داخل هذه الدول.
3.3 الحاجة إلى هيئة دولية تمثل الشعوب لا الحكومات
ثمة سؤال جوهري يطرحه الواقع بإلحاح: هل آن الأوان لتجاوز نموذج الأمم المتحدة القائم على تمثيل الحكومات، نحو هيئة دولية تُعطي الشعوب غير الممثلة صوتاً حقيقياً في القانون الدولي؟
إن نموذج الأمم المتحدة الحالي يُشرعن الدول القائمة بصرف النظر عن مدى تمثيلها الفعلي لمكوناتها، وهذا يعني أن الشعب الكوردي أو البلوشي أو الأحوازي لا صوت له في المنظومة الدولية إلا عبر الدول التي تُقصيه في الغالب. وإصلاح هذا الخلل البنيوي يتطلب نضالاً دبلوماسياً مضنياً لبناء أعراف دولية جديدة تعترف بحق التمثيل للشعوب وليس فقط للحكومات.
رابعاً: خطوط نضالية عملية للشعوب المهمشة
4.1 التكامل بين الأداتين العسكرية والسياسية
الدرس الأساسي من تجارب حركات التحرر الناجحة في التاريخ المعاصر أن العمل العسكري والسياسي وجهان لعملة واحدة. فالإرلنديون لم يحصلوا على الاستقلال بالسلاح وحده ولا بالحوار وحده، بل بمزيج متطور من الاثنين أفضى في نهاية المطاف إلى اتفاقية السلام عام 1998. وجنوب إفريقيا لم تتخلص من الأبارتايد بالعنف وحده، بل بمزيج من الضغط الداخلي والنضال الدولي والحوار السياسي الشجاع.
4.2 أولوية الفاعلية السياسية على التبعية للداعمين
الخطأ الاستراتيجي الذي يتكرر في تجارب بعض الحركات القومية هو الوقوع في فخ الاتكاء على الدعم الخارجي حتى تصبح استمراريتها مرهونة باستمرار ذلك الدعم. وحين تتغير موازين المصالح الدولية تجد هذه الحركات نفسها في فراغ مروّع.
الفاعلية السياسية الحقيقية تعني بناء شرعية داخلية صلبة أولاً، وتعني ثانياً تنويع العلاقات الدولية وعدم الوقوع في تبعية لطرف واحد، وتعني ثالثاً بناء قدرات ذاتية اقتصادية وإدارية تجعل الكيان السياسي قادراً على الاستمرار بصرف النظر عن طبيعة الدعم الخارجي.
4.3 التفاوض من موقع الاستحقاق لا الاستجداء
ثمة فارق جوهري بين التفاوض الذي ينطلق من موقع الضعف والاستجداء، وبين التفاوض الذي ينطلق من موقع الاستحقاق المبني على قوة الوجود التاريخي وقوة الإرادة الشعبية وقوة الشرعية الأخلاقية.
الشعوب التي تملك هذا المزيج من القوة قادرة على أن تفرض على الدول والقوى الدولية الجلوس إلى طاولة التفاوض بصفتها أطرافاً لا أدوات. وهذا ما أثبته المسار الكوردي في العراق حين أفضى إلى نظام فيدرالي معترف به دستورياً، وإن ظل منقوصاً وغير مكتمل.
خاتمة: الاستقرار الذي يشمل الجميع أو لا يكون
إن المقاربة التي تؤكد على الدولة المركزية القوية دون معالجة جوهرية لقضايا التعددية والاعتراف بالهويات القومية هي مقاربة تزرع بذور الاضطراب اللاحق حتى وهي تُقدّم نفسها بوصفها وصفة للاستقرار. فالاستقرار البنيوي الحقيقي يستحيل أن يتحقق في منطقة تعيش فيها شعوب تشعر بالإقصاء والتهميش.
الشعوب المهمشة كالكورد والبلوش وأهل الأحواز وغيرهم لن تجد طريقها إلى الاعتراف بحقوقها في أروقة القرارات الدولية التي يُصنعها الآخرون عنها وبدونها. الطريق الوحيد الموثوق يمر عبر نضال ذاتي متكامل يجمع بين المشروعية العسكرية الدفاعية، والعمق السياسي الداخلي والخارجي، والتفاوض الصلب على أساس الاستحقاق التاريخي والإنساني.
وإن كان العالم يريد فعلاً استقراراً حقيقياً في الشرق الأوسط، فليبدأ بالاستماع إلى الشعوب لا فقط إلى حكوماتها. لأن الثوب الذي يُخاط في واشنطن أو أنقرة أو طهران لن يناسب أبداً الأمة الكوردية ولا البلوشية ولا الأحوازية، ما لم تشارك هذه الشعوب بنفسها في قياسه وخياطته.
"المقال تحليل أكاديمي يستند إلى السياق السياسي الراهن ومسار القضايا القومية في الشرق الأوسط، ولا يمثل دعوة إلى العنف بأي شكل من الأشكال، بل قراءة موضوعية في دروس التاريخ ومسارات الحقوق."
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟