مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 19:54
المحور:
القضية الكردية
مقدمة: صورةٌ تستحق ألف كلمة
في صورةٍ فوتوغرافية نادرة، نشرتها صحيفة داغنز نيهيتر السويدية بتاريخ الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1962، يجلس رجلٌ وامرأةٌ متقابلَين، يتبادلان حديثاً هادئاً يوحي بالألفة الفكرية وعمق الثقة. الرجل في منتصف الستينيات من عمره، يرتدي بدلةً رسمية، ويبتسم ابتسامةً فيها شيءٌ من الرضا وشيءٌ من الحكمة المُعتَّقة بالسنين؛ إنه الأمير الدكتور كامران علي بدرخان، آخر الأمراء الكُرد وأحد أبرز المثقفين الكُرد في القرن العشرين. والمرأة شابةٌ في أوائل العقد الثالث، تحمل في ملامحها الجرأةَ والفضول الصحفي؛ إنها الكاتبة السويدية باربرو كارابودا، التي اختارت الدفاع عن الكُرد قلماً لا سيفاً، وثمناً لا مكافأةً.
هذه الصورة ليست مجرد لقطةٍ عابرة قبيل مقابلة تلفزيونية؛ إنها وثيقةٌ بصرية للحظةٍ تاريخية ستسهم في تعريف الرأي العام الأوروبي بقضية ظلت طويلاً أسيرةَ الصمت والتجاهل.
أولاً: الأمير الدكتور كامران بدرخان — حياةٌ في خدمة شعبٍ بلا دولة
وُلد كامران علي بدرخان في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1895 في مدينة إسطنبول العثمانية، ورحل عن دنيانا في السادس من ديسمبر 1978 في باريس، المدينة التي أحبّها وأحبّته، والتي كانت له وطناً ثانياً حين ضاقت عليه أوطانٌ أخرى. ينتمي إلى أسرة بدرخان العريقة، التي حكمت لقرونٍ إمارةَ جزيرة بوتان بوصفها أميراتٍ كُرد أشباه مستقلين في ظل الدولة العثمانية.
لم يكن كامران مجرد أمير وارث لقبٍ تاريخي مجوّف؛ بل كان مثقفاً موسوعياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أتقن ست لغات، ونال شهادة الدكتوراه في القانون، وعمل محاضراً في جامعة باريس، ثم تولّى رئاسة قسم اللغة الكُردية في معهد اللغات والحضارات الشرقية (INALCO)، حيث كرّس نشاطه الأكاديمي للحفاظ على اللغة الكُردية ودراستها وتدريسها، في زمنٍ كانت فيه هذه اللغة محظورةً ومنكرةً في دولٍ عديدة.
غير أن ما يُعرَف به كامران بدرخان أكثر من أي شيءٍ آخر هو ريادته في مجال الإذاعة الكُردية؛ إذ كان الشعلةَ التي أشعلت صوتَ الكُرد على الأثير. أسس إذاعةً كُردية في بيروت في أواخر الأربعينيات، ثم أدّى دوراً محورياً في تأسيس راديو "صوت الكُرد" في القاهرة عام 1959، غير أن هذا الأخير أُغلق عام 1963 تحت ضغوط تركية. ولم يتوقف نشاطه هنا، بل أسهم كذلك في خدمة البي بي سي الكُردية، مانحاً الشعبَ الكُردي صوتاً يخترق حواجز القمع والتهميش.
أما إخوته فقد كانوا أيضاً من الشخصيات الكُردية البارزة؛ فأخوه جلادت علي بدرخان هو واضع الأبجدية الكُردية اللاتينية ومحرر مجلتَي "هاوار" و"روناهي"، بينما كان أخوه الأكبر سريا بدرخان أحد مؤسسي حركة "خويبون" الاستقلالية الكُردية. أسرةٌ بأكملها حوّلت منفاها الأوروبي إلى ورشةٍ دائمة للنضال الثقافي والسياسي.
ثانياً: باربرو كارابودا — الصحفية التي اختارت الكُرد حين اختاروها
وُلدت باربرو كارابودا عام 1935 في السويد، وكان اسمها قبل الزواج غيدلوند. لم يكن وصولها إلى القضية الكُردية صدفةً أو مجرد فضول عابر، بل كان محطةً في مسيرة صحفية جريئة جعلت من الهامش مركزَ اهتمامها. التقت في باريس بالمصور والكاتب التركي غونيش كارابودا (1933-2018) فتزوجا، وكوّنا معاً ثنائياً إبداعياً أنتج عشرات الأفلام الوثائقية والكتب.
في عام 1960، أصدرت باربرو كتابها الأكثر جرأةً وأثراً: "شرق الفرات — في بلاد الكُرد"، لتصبح بذلك واحدةً من أوائل الكتّاب الأوروبيين الذين يُكسرون جدار الصمت حول الوجود الكُردي. لم يمرّ هذا الكتاب مرور الكرام؛ فقد وضعته الاستخبارات التركية على قائمة المراقبة الدقيقة، وباتت دخولها وخروجها من تركيا تقترن أحياناً بالاعتقال والاستجواب. ولم يُثنها ذلك عن المضيّ قُدُماً.
في عام 1961، توجهت مع فريقها الذي ضمّ أخاها كريستر وزوجها غونيش والمصور الشهير آرا غولر، إلى منطقة أغري وجزيرة ابن عمر، لإعداد فيلمٍ وثائقي عرضه التلفزيون السويدي عن سفينة نوح وجبل جودي في كُردستان. هكذا، وفي مطلع ستينيات القرن العشرين، أسهمت باربرو كارابودا في تعريف الجمهور السويدي بالكُرد من خلال ثلاثة أعمال متكاملة: كتابها عن الكُرد (1960)، وفيلمها الوثائقي (1961)، ومقابلتها مع كامران بدرخان (1962).
واصلت باربرو كتاباتها حتى وفاتها عام 2017، مخلّفةً وراءها عشرات الكتب ومئات المقالات التي جعلت من القضية الكُردية قضيتها الشخصية. وفي عام 2016، وهي تعاني المرض، أرسلت رسالةً مؤثرةً إلى الباحث روهات آلاكوم الذي كتب عنها سيرةً مطولة، قالت فيها: "عزيزي روهات، أجزل الشكر على مقالك في مجلة التاريخ الكُردي. يا له من بحثٍ استثنائي! كنتُ سأشكرك مبكراً، لكنني كنتُ مريضة. مع أطيب التمنيات!" — كلماتٌ قليلة تختزل عمراً من الوفاء لشعبٍ احتضنته بقلمها.
ثالثاً: مقابلة 1962 — الوثيقة الصوتية التاريخية
السياق والنشأة
جرت المقابلة في باريس عام 1962، وأعدّتها باربرو كارابودا للتلفزيون السويدي، ثم بِيعت لاحقاً إلى التلفزيون الفرنسي، مما جعلها تتخطى الجمهورَ السويدي لتصلَ إلى الرأي العام الأوروبي الأوسع. ظهرت الإشارة إليها لأول مرة في الصحيفة السويدية Dagens Nyheter تحت عنوان: "مقابلة تلفزيونية عن العراق"، مع صورة الثنائي قبيل التصوير. وقبل البث في الساعة العاشرة وعشر دقائق من مساء الثاني والعشرين من أكتوبر 1962، وصفت نشرةُ البرامج كامران بأنه "زعيم النضال الكُردي من أجل الحرية خارج كُردستان".
أما نصّ المقابلة الكامل، المؤلف من ستة عشر سؤالاً وجوابها، فلم يصل إلى المجتمع الكُردي إلا عام 2024، حين تمكّن الباحث روهات آلاكوم من استخراج نسخةٍ منه من أرشيف التلفزيون السويدي بمساعدة الصحفي بشير كوك العامل في الإذاعة السويدية.
مضمون المقابلة
أُجريت المقابلة كاملةً باللغة الفرنسية، وشملت أسئلتها الستة عشر محاوراً رئيسية متعددة:
حول الجغرافيا البشرية الكردية: قدّر كامران عدد الكُرد في ذلك الوقت بـ12 مليوناً، موزعين على الشكل التالي: 6 ملايين في كُردستان تركيا، و4 ملايين في كُردستان إيران، ونحو مليونَي نسمة في كُردستان العراق، فضلاً عن 500 ألفٍ في سوريا.
حول الهوية الكُردية ومحيطها: أكد كامران الأصلَ الهندو-أوروبي للكُرد، مميّزاً إياهم عن جيرانهم الأتراك ذوي الأصل الألتائي والعرب ذوي الأصل السامي، مشيراً إلى قرابةٍ لغوية وحضارية تربطهم بالإيرانيين الفرس.
حول الوضع السياسي: رسم كامران صورةً دقيقة للواقع الكُردي في الدول الثلاث: في تركيا، كانت السياسةُ الرسمية تنكر وجود الكُرد أصلاً وتسمّيهم "أتراكاً جبليين"؛ وفي إيران، كان الاعتراف بالوجود الكُردي قائماً وإن ظلت المطالب الثقافية مؤجلةً؛ أما في العراق، فكانت المسألة أكثرَ تعقيداً، إذ رأى كامران أن كُردستان الجنوبية كان يجب أن تنال حكمها الذاتي وفق معاهدة سيفر، أو تصريح بريطانيا عام 1922، أو المادة الثالثة من دستور 1958.
حول ثورة البارزاني: أشاد كامران بشكلٍ لافت بـالملا مصطفى البارزاني، واصفاً إياه بـ"البطل القومي الكُردي الحقيقي اليوم"، ومشيراً إلى أن الجيش العراقي العاجز عن هزيمة المقاتلين الكُرد "يجبن ويهاجم القرى المدنية ويقتل النساء والأطفال"، بينما ظل الكُرد بعيدين عن مدن كبرى كالموصل وكركوك وأربيل وسليمانية حمايةً لمدنييها من الغارات الجوية.
حول الأبعاد الدولية: كشف كامران أنه زار نيويورك وواشنطن لمحاولة إرسال لجنةٍ تحقيقية دولية إلى كُردستان (العراق) لتوثيق الانتهاكات الإنسانية، وطالب بدعمٍ دولي لأكثر من مئة ألف نازحٍ كُردي يواجهون قسوة الشتاء في درجاتٍ تصل إلى عشرين تحت الصفر.
حول موقفه الشخصي: حين سُئل عن دوره في أي استقلالٍ مستقبلي، أجاب بتواضعٍ رصين: "حين تستقل كُردستان، سأكون واحداً من أكثر مواطني هذه الجمهورية تواضعاً".
رابعاً: الأثر التاريخي — إعلامٌ في خدمة الحق
أهمية المقابلة في سياقها الزمني
كانت مقابلة 1962 حدثاً غير عادي في مشهدٍ إعلامي أوروبي شبه خالٍ من أي اهتمامٍ بالشأن الكُردي. فبينما كانت دولٌ عديدة لا تعترف حتى بوجود الكُرد كشعبٍ متمايز، جلست صحفيةٌ سويدية شابة في باريس لتسأل أميراً كُردياً مثقفاً عن وضع شعبه أمام الكاميرا، وببثٍّ مباشر على شاشاتٍ أوروبية. وقد وصفت نشرةٌ سويدية في اليوم التالي للبث هذا الإنجاز بأنه "تذكيرٌ بأهمية المقابلة لتاريخ الكُرد ونضالهم من أجل الحرية".
لم يكن عرضها للمقابلة على التلفزيون الفرنسي أمراً عرضياً؛ فهذا يعني أن الرسالة الكُردية تجاوزت دائرةً إسكندنافية ضيقة لتطرق أبوابَ الرأي العام الغربي الأوسع، في لحظةٍ كانت فيها ثورة البارزاني على أشدّها وأحوج ما تكون إلى صوتٍ يعرّف بها.
اللقاءات المتعددة: صداقةٌ في خدمة الثقافة
لم تكن هذه المقابلة لقاءً عابراً؛ فقد جمعت بين باربرو كارابودا وكامران بدرخان علاقةٌ وطيدة امتدت لسنواتٍ. في عام 1971، زار كامران بدرخان السويد وأعطى دروساً في اللغة الكُردية لمجموعةٍ من الكُرد المقيمين هناك، وأُجريت معه مقابلةٌ جديدة نُشرت في صحيفةٍ سويدية. كانت العلاقةُ بين الصحفية السويدية والأمير الكُردي نموذجاً رفيعاً للتضامن الإنساني الذي يتجاوز حدود الانتماء القومي، بنيَ على الاحترام المتبادل والإيمان المشترك بعدالة القضية الكُردية.
خاتمة: حين تُصبح الصورة شاهداً
ثمة لحظاتٌ في التاريخ تبدو صغيرةً حين تقع، لكنها تكتسب ثقلها الكامل مع مرور الزمن. مقابلةٌ في باريس، صحفيةٌ سويدية، وأميرٌ كُردي، وستة عشر سؤالاً بالفرنسية — هذا كل ما كان. لكن هذا القليل بُني عليه كثير.
في عالمٍ كان يتجاهل الكُردَ أو يجهلهم، جاءت هذه المقابلة لتقول بصوتٍ هادئٍ لكنه واضح: ها هنا شعبٌ يعيش، ويناضل، ويستحق أن يُسمَع. وبعد أكثر من ستة عقود، حين يستخرج باحثٌ شاب هذه المقابلة من أرشيف بعيد ويقدمها للعالم من جديد، يُدرك المرء أن بعض اللحظات لا تموت؛ إنها تنتظر فقط من يمنحها فرصةَ الحياة من جديد.
++++++++++++++++++&&&
المصادر والمراجع
آلاكوم، روهات. "مقابلةٌ تاريخية مع آخر الأمراء الأكراد الدكتور كامران بدرخان (1962)"، Botan Times، نوفمبر 2024.
TV Intervju om Irak، Dagens Nyheter، 22 أكتوبر 1962.
آلاكوم، روهات. Barbro Karabuda Kürtlerin Ülkesinde، مجلة التاريخ الكردي، العدد 22، 2016.
آلاكوم، روهات. Di Çapemeniya Swêdî de Dîroka Kurdistanê، Apec، 2019.
TV Rutan، Svenska Dagbladet، 23 أكتوبر 1962.
كارابودا، باربرو. Öster om Eufrat — I kurdernas land، 1960.
دائرة المعارف الإيرانيكا، مقالة "بدرخان".
موسوعة ويكيبيديا، مدخل "كامران علي بدرخان".
Kurdish History، مقالة "Kamuran Alî Be-dir-xan: Kurdish Scholar and Pioneer of Kurdish Broadcasting"، مايو 2026.
هذا المقال وثيقةٌ أكاديمية معدّة استناداً إلى مصادر موثّقة ومنشورة.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟