مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 20:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
"الاستعمار الخارجي يرحل بجيوشه، لكنه يترك خلفه شيئاً أخطر:النخبة التي تؤمن بمنطقه وتمارسه على شعبها باسم الوطن."
تمهيد: الاستقلال دون تحرير
حين رحلت جيوش الانتداب عن دول الشرق الأوسط في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان المشهد يوحي بمرحلة تأسيسية جديدة؛ مرحلة تستطيع فيها الشعوب أن تُعيد صياغة عقدها الاجتماعي بعيداً عن الوصاية الخارجية. وقد رفعت النخب الوطنية شعارات الاستقلال والكرامة والوحدة، واستقطبت حول نفسها آمال الجماهير التي طال انتظارها للتحرر من الهيمنة الأجنبية.
غير أن ما جرى في العقود التالية كشف عن مفارقة صارخة: فقد رحل المستعمِر الخارجي، لكن منطقه في إدارة التنوع البشري ظل راسخاً في بنية الدولة الجديدة، بل في وعي النخب التي تسلّمت مقاليد السلطة. فبدلاً من أن تُعيد تلك النخب النظر في الخرائط الموروثة وما تنطوي عليه من إشكاليات بنيوية، اختارت في معظمها الإبقاء على الحدود كما رسمها الآخرون، وأضافت إليها مشروعاً أيديولوجياً جديداً: بناء الدولة القومية الأحادية على غرار النموذج الأوروبي، في بيئة تختلف عنه جذرياً في تركيبها الإنساني وعمقها التاريخي.
ولفهم هذه المفارقة، لا بد من تحليل الأسباب التي دفعت النخب الوطنية إلى هذا الخيار، والآليات التي وظّفتها لتكريسه، والتداعيات التي أنتجها على مجتمعات متعددة كالكورد والأرمن واللاز والأمازيغ و غيرهم ..، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة دولة تحمل اسم الاستقلال لكن تمارس منطق الهيمنة.
أولاً: ميراث الانتداب وإغراء النموذج القومي
لم تكن النخب الوطنية التي قادت حركات الاستقلال في الشرق الأوسط تعمل في فراغ فكري. فمعظمها تلقّى تعليمه في المدارس الأوروبية أو تشرّب أفكاره من الفكر القومي الأوروبي الذي كان في ذروة تأثيره خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وكان النموذج الأوروبي للدولة القومية يقوم على فكرة أن لكل أمة دولة، ولكل دولة هوية ثقافية ولغوية واحدة تُجسّد روح الشعب وتحدد انتماءه السياسي.
وقد بدا هذا النموذج مغرياً للنخب الوطنية لأسباب عدة: فهو يوفر مشروعية نظرية لبناء الدولة الحديثة، ويمنح السلطة المركزية حجة أيديولوجية لتوحيد المجتمع، كما يرسم صورة واضحة عن الهوية الوطنية في مواجهة الغير. غير أن ما غاب عن هؤلاء، أو ما تغافلوا عنه عمداً، هو أن النموذج الأوروبي ذاته لم يكن مثالياً في تعامله مع التنوع، وأن تطبيقه في سياق الشرق الأوسط المتعدد إثنياً وثقافياً ولغوياً ينطوي على إشكاليات بنيوية لا يمكن تجاوزها بالقرارات الإدارية.
علاوة على ذلك، كانت ثمة عوامل نفسية وسياسية تدفع باتجاه الخيار القومي الأحادي. فالنخب التي خاضت نضالاً طويلاً ضد الاستعمار كانت تخشى أن يُفضي الاعتراف بالتعدد الداخلي إلى إضعاف الدولة الناشئة أمام التدخلات الخارجية. وكانت ذاكرة التقسيم الاستعماري حاضرة بقوة، مما جعل أي حديث عن الخصوصيات الإثنية يبدو، في نظر بعضهم، امتداداً لمشاريع التفتيت الأجنبية لا تعبيراً عن حق مشروع.
"خشي القوميون في الشرق الأوسط من التعدد لأنهم تعلّموا من المستعمِر أن التنوع ضعف، فاستبطنوا درسه وطبّقوه على شعوبهم." — مروان فلو
ثانياً: تحويل الحدود الاستعمارية إلى حدود مقدّسة
كان أول قرار مصيري اتخذته النخب الوطنية في معظم دول الشرق الأوسط هو الإبقاء على الحدود الموروثة عن الانتداب والاعتراف بها بوصفها حدوداً وطنية نهائية. وقد كرّس هذا القرار منظمةُ الوحدة الأفريقية عام 1963 بصيغة مبدأ صريح، حين أعلنت الدول الأعضاء احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار تفادياً للفوضى التي قد تنجم عن إعادة رسمها. وتبنّت دول الشرق الأوسط المنطق ذاته وإن لم تُصرّح به دائماً.
وقد أسبغت النخب الوطنية على تلك الحدود شرعية جديدة لم تكن تملكها في الأصل؛ إذ تحوّلت من خطوط رسمها مفاوضون أجانب في غرف مغلقة إلى حدود مقدسة تمثّل سيادة الأمة وكيانها التاريخي. وصار أي تساؤل عن طبيعة تلك الحدود أو عن مدى انسجامها مع التركيب الإنساني الفعلي للمنطقة يُعدّ تهديداً للوحدة الوطنية أو أداةً في يد القوى الأجنبية.
أما بالنسبة للكورد تحديداً، فقد أسفر هذا الخيار عن تكريس تقسيمهم بين أربع دول — تركيا والعراق وسوريا وإيران — بوصفه أمراً واقعاً لا يقبل المراجعة. فلم يعد ممكناً الحديث عن كُردستان الجغرافية بوصفها وحدة إنسانية وثقافية متجانسة، بل غدت هذه التسمية ذاتها في بعض الدول محاطة بقدر من التابو السياسي. وفي موازاة ذلك، جرى استبعاد الأرمن المتبقين في الشرق الأوسط من أي اعتراف رسمي بخصوصيتهم التاريخية، فضلاً عن اللاز الذين ذابت هويتهم تحت الضغط التتريكي الممنهج، والأمازيغ الذين طولبوا بالاندماج في الهوية العربية في دول شمال أفريقيا.
ثالثاً: الدولة القومية الأحادية — بناء الهوية على حساب التاريخ
لم يكتفِ معظم الحكام الجدد في الشرق الأوسط بالإبقاء على الحدود الاستعمارية، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك: بناء دولة قومية تُعرّف نفسها من خلال هوية ثقافية ولغوية أحادية، وتسعى إلى صهر جميع المكونات في هذا القالب. وقد تجلّى ذلك في منظومة من السياسات المترابطة شملت الدساتير والتشريعات ومناهج التعليم والإعلام الرسمي وإدارة الشأن العام.
في تركيا، أرسى دستور 1924 مبدأ أن جميع مواطني الجمهورية أتراك بصرف النظر عن انتماءاتهم الإثنية أو اللغوية. وبات استخدام اللغة الكوردية محظوراً في الفضاء العام لعقود طويلة، وجرى تعريب أو تتريك أسماء القرى والمدن والجبال في المناطق ذات الأغلبية الكوردية. بل ذهب الخطاب الرسمي إلى أبعد من ذلك حين اخترع تعبير «الأتراك الجبليين» وصفاً للكورد، في محاولة فجّة لإنكار وجودهم بوصفهم شعباً متميزاً له تاريخه ولغته وثقافته.
وفي العراق، تناوبت الحكومات المتعاقبة على نهج مزدوج في التعامل مع الوجود الكوردي: التفاوض حين تقتضي الضرورة، والقمع حين تتوفر له الإمكانية. وفي ظل البعث، تحوّل التعامل مع الكورد إلى مشروع إبادة ممنهجة بلغت ذروتها في حملات الأنفال الذي ذهب ضحيته أكثر من 180 الف وفق التقديرات المحلية وهجوم حلبجة الكيماوي عام 1988، الذي راح ضحيته أكثر من خمسة آلاف مدني كوردي في ساعات معدودة.
أما في سوريا، فقد تجلّى الإنكار بأوضح صوره في قرار إجراء الإحصاء الاستثنائي عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي جرّد مئات الآلاف من الكورد من جنسيتهم السورية بجرّة قلم. وكان ذلك إجراءً نادراً في القانون الدولي؛ إذ نُزعت الجنسية من مجموعة بشرية بأكملها على أساس إثني، تاركاً إياها في وضع انعدام الجنسية الذي استمر حتى عام 2011.
وفي إيران، حمل الإنكار طابعاً مختلفاً؛ إذ لم تُنكر الهوية الكوردية صراحةً بالقدر ذاته، لكن الدولة المركزية رفضت أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، وقمعت كل محاولة للتعبير السياسي عن الهوية الكوردية. وكانت جمهورية مهاباد الكوردية عام 1946، التي لم تعمّر سوى أحد عشر شهراً، شاهداً صارخاً على هذا التوجه.
"ما فعله النظام السوري عام 1962 لا نظير له في المنطقة: أن تُجرَّد من جنسيتك لا لأنك ارتكبت جريمة، بل لأنك وُلدت كوردياً على أرض سكنها أجدادك منذ قرون." — تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، 1996
رابعاً: توظيف الخطاب القومي أداةً للهيمنة
لم تكن سياسات الإنكار هذه تجري في فراغ أيديولوجي، بل كانت تستند إلى خطاب قومي مُحكم البناء أعاد صياغة الهوية الوطنية بطريقة تجعل التنوع يبدو تهديداً لا ثروة. وقد اضطلع المثقفون القوميون ومناهج التعليم ووسائل الإعلام الرسمية بدور محوري في إنتاج هذا الخطاب وتكريسه جيلاً بعد جيل.
فقد رسّخت الكتب المدرسية في معظم دول الشرق الأوسط صورة للتاريخ تجعل الأمة كأنها كانت دائماً متجانسة، مُسقطةً الهوية القومية السائدة على الماضي بأسره. وأُهملت اللغات غير الرسمية أو حُورِبت في فضاء التعليم، بينما صُوِّرت الهويات الإثنية المتعددة على أنها انتماءات قبلية متخلفة ينبغي تجاوزها في طريق الحداثة والتقدم.
وقد وظّف هذا الخطاب ثلاثة أدوات أساسية لإنتاج القبول بالهيمنة: أداة الخوف من الفوضى وتفكك الدولة في حال الاعتراف بالتعدد، وأداة الفخر القومي التي تجعل الانتماء للهوية السائدة مصدراً للكرامة لا للإقصاء، وأداة الوحدة في مواجهة العدو الخارجي التي تُعلّق الأسئلة الداخلية الصعبة لصالح الاصطفاف خلف السلطة المركزية.
ولعل من أبرز ما يكشفه التحليل المقارن أن شعوب الشرق الأوسط الأصيلة — الكورد والأرمن واللاز والأمازيغ …الخ— لم تكن تطالب في معظم الأحيان بتفكيك الدولة، بل كانت تطالب بالاعتراف بوجودها داخلها. غير أن الدولة القومية الأحادية كانت تُقرأ هذه المطالبة المشروعة بوصفها تهديداً وجودياً، فتردّ عليها بالقمع بدلاً من الحوار الدستوري.
خامساً: الاستقلال الذي لم يكتمل — دولة بلا عقد اجتماعي
إن الخلاصة الجوهرية التي يخلص إليها هذا التحليل هي أن دول الشرق الأوسط المستقلة نشأت في معظمها دون عقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع مكوناتها. فالعقد الاجتماعي، بمفهومه الفلسفي والسياسي، يفترض أن يكون الأفراد والجماعات المكوِّنة للمجتمع قد شاركوا في صياغة شروط العيش المشترك، وأن يكونوا قد قبلوا طوعاً بالإطار السياسي الذي ينظّم علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض.
أما ما جرى في واقع الأمر، فهو أن الدولة نشأت أولاً بحدودها الموروثة وهويتها الرسمية المفروضة، ثم طُلب من الجميع القبول بها والاندماج فيها. ولم يُستأذن الكورد في كون دولتهم عربية أو تركية أو فارسية، ولم يُسأل الأرمن عن رأيهم في الهوية الجامعة المفروضة، ولم تُشاور مجتمعات اللاز حين رُسمت الحدود التي فصلتهم عن أرومتهم الثقافية، ولا الأمازيغ حين أُعلن أن هويتهم عربية خالصة. وبذلك، كانت المواطنة التي مُنحت لهم مواطنةً من أعلى إلى أسفل، لا من اتفاق وتراضٍ.
"دولة تُبنى بلا عقد اجتماعي حقيقي هي دولة في حالة أزمة مؤجّلة؛ يمكنها أن تشتري الاستقرار بالقوة لفترة، لكنها لا تستطيع أن تُنتج الولاء والانتماء الحقيقيين." — مروان فلو
سادساً: هل كان ثمة بديل؟ — فرص الطريق الآخر
من المشروع تاريخياً أن نتساءل: هل كانت ثمة فرصة حقيقية لنهج مختلف في مرحلة ما بعد الاستقلال؟ في الواقع، كانت ثمة صيغ مطروحة في بعض اللحظات التاريخية لإدارة التنوع على نحو مغاير. فقد نصّ دستور العراق المؤقت عام 1958 على أن العرب والكورد شركاء في الوطن، وأقرّ بحق الكورد في القومية ضمن الوحدة العراقية. وفي مرحلة لاحقة، أُبرم اتفاق آذار 1970 الذي وعد بالحكم الذاتي للكورد، لكن النظام نقضه عام 1974 وعاد إلى مسار القمع.
كذلك شهدت إيران في مرحلة ما بعد الثورة نقاشات دستورية جدية حول الفيدرالية والحكم الذاتي للمناطق ذات الأغلبية الكوردية والأذرية، قبل أن تُسكت السلطة المركزية تلك الأصوات وتُعيد تركيز السلطة. وفي تركيا، شهدت بعض المراحل انفتاحاً محدوداً على الملف الكوردي، كمسيرة السلام التي أطلقها أردوغان بين عامَي 2013 و2015، وما بعده قبل أن تتراجع الحكومة عنها وتعود إلى الخيار الأمني.
إن الدرس الذي تقدّمه هذه اللحظات هو أن التاريخ لم يكن مُغلقاً أمام خيارات أخرى، وأن الطريق إلى الدولة القومية الأحادية لم يكن حتمياً، بل كان خياراً اتخذته نخب بعينها في ظروف بعينها. وهذا هو جوهر ما يدعو إليه : أن ما اختارته النخب يمكن أن تُصحّحه نخب وشعوب لاحقة، إذا توفرت الإرادة السياسية والوعي التاريخي الكافيان.
خلاصة: الخطيئة التي تكرّست
إن الخطيئة التأسيسية التي نناقشها لم تكن ببساطة استمرار الحدود الاستعمارية؛ فهذا أمر يمكن تفهّمه في سياق هشاشة المرحلة الانتقالية. الخطيئة الأعمق كانت في الفلسفة السياسية التي تبنّتها النخب الحاكمة: فلسفة الدولة الأحادية التي ترى التنوع مشكلة تحلّها الإدارة لا مصدر غنى يتطلب الاعتراف.
وقد أفرزت هذه الفلسفة إرثاً ثقيلاً لا تزال المنطقة تتحمّل أعباءه: دول لا تستطيع أن تُنتج الولاء الحقيقي لأنها لا تعترف بكل من يسكنها، ومواطنون يحملون هويات مزدوجة؛ رسمية تُمليها الدولة وحقيقية تحفظها الذاكرة الجماعية. وشعوب كالكورد والأرمن و اللاز والأمازيغ…. لا تزال تنتظر اليوم الذي تصبح فيه مكوّناً معترفاً به في الدولة التي يسكنونها، لا ضيفاً مسموحاً له بالإقامة شريطة التخلي عن هويته.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟