مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 14:57
المحور:
القضية الكردية
أولاً: الفرضية المركزية
تنطلق هذه الورقة من فرضية جوهرية في الأنثروبولوجيا البيولوجية، وهي أن اللغة والثقافة عنصران مكتسبان يخضعان للتغيّر بفعل الهجرة، الغزو، التبادل التجاري، أو الهيمنة السياسية والدينية " أُسميه أنا على أنه إعتقاد " يتغير وفق الظروف السياسية الحاكمة، بينما الأصل الجيني (الجينوم) هو الطبقة الأعمق والأكثر استقراراً في تكوين الشعوب، وينتقل عبر الأجيال بمعدلات تحوّر بطيئة جداً مقارنة بسرعة تبدّل اللغات والهويات الثقافية.
من هذا المنطلق، يُطرح تساؤل جوهري حول تصنيف الشعب الكُردي ضمن "العائلة الهندوأوروبية"، وهو تصنيف لغوي بالأساس اعتمد على انتماء اللغة الكُردية إلى الفرع الإيراني من اللغات الهندوأوروبية، لا على معطيات جينية حاسمة. والسؤال الذي تطرحه هذه الورقة: هل يعكس هذا التصنيف اللغوي الأصل البيولوجي الحقيقي لسكان منطقة زاغروس والأناضول والقفقاس وشرق المتوسط؟
ثانياً: ما تقوله الدراسات الجينية عن المنطقة (القفقاس - الأناضول - زاغروس - شرق المتوسط)
أظهرت سلسلة من الدراسات الجينومية على الحمض النووي القديم (aDNA) أن منطقة الهلال الخصيب الموسّع - بما فيها الأناضول، القفقاس، زاغروس، وبلاد الشام - كانت مهداً لمجموعات سكانية من الصيادين والمزارعين الأوائل ترتبط ببعضها بروابط نسب عميقة، رغم وجود تمايز جيني واضح بينها في العصر الحجري الحديث المبكر.
فقد بيّنت دراسة "غالييغو-يورنتي وزملاؤه" على هيكل عظمي من "كنج دارة" في زاغروس (حوالي 10,000 سنة من الحاضر) أن سكان غرب إيران في تلك الفترة كانوا أقرب جينياً إلى صيادي القفقاس منهم إلى مزارعي الأناضول الذين حملوا الزراعة إلى أوروبا لاحقاً (10). كما أكدت دراسة "بروشاكي وزملاؤه" أن سكان زاغروس وأرمينيا والأناضول وبلاد الشام تشكّلوا من خلال اختلاط مصادر متعددة من الصيادين القدامى المرتبطين بالأناضول والقفقاس وبلاد الشام، مشكّلين ما يشبه "سلسلة نسب متصلة" عبر هذا الإقليم (6).
أما الدراسة الموسوعية لـ"لازاريديس وزملاؤه" حول "القوس الجنوبي" (Southern Arc)، التي شملت أكثر من 700 جينوم قديم من القفقاس والأناضول وبلاد الشام وزاغروس على مدى 11 ألف سنة، فقد رسمت صورة معقدة لتاريخ المنطقة، تتسم بموجات متكررة من الاختلاط والهجرة الداخلية بين هذه الأقاليم المتقاربة جغرافياً، بما يدعم فكرة وجود خزان جيني إقليمي مشترك قديم تطوّر عبره سكان شرق الأناضول والقفقاس وزاغروس وشرق المتوسط، حتى مع تباين لغاتهم وثقافاتهم اللاحقة بشكل جذري (9, 11).
ثالثاً: الكُرد بين التصنيف اللغوي والمعطى الجيني
تشير عدة دراسات إلى أن الكُرد، من الناحية الجينية، أقرب إلى الركيزة السكانية القديمة لشرق المتوسط والقفقاس والأناضول منهم إلى الشعوب الهندوأوروبية في السهوب الأوراسية التي يُفترض أنها حملت اللغات الهندوأوروبية إلى المنطقة.
فدراسة "أرنايز-فيلينا وزملاؤه" على كُرد سقز وبانة في إيران الحالية خلصت إلى أن الكُرد و" سكان تركيا" في الأناضول ينتمون جينياً إلى الركيزة "المتوسطية القديمة" (Old Mediterranean)، وأن أصول الكُرد الثقافية يمكن تتبّعها إلى حضارة "الحلف" في شمال سوريا/العراق (6000 ق.م)، بل وأن الدراسة لم تجد أي أثر جيني لما يُسمى "الغزوات الآرية" في عينات الكُرد و"سكان تركيا" الأناضوليين، وهو ما يضعف فرضية أن يكون الانتماء اللغوي الهندوأوروبي للكُرد ناتجاً عن استبدال سكاني كبير (5).
وفي السياق ذاته، خلصت دراسة "كوماس وزملاؤه" على الحمض النووي المتقدري (mtDNA) لدى الجورجيين والكُرد إلى وجود انعدام ارتباط بين اللغة والسلالات الجينية الأنثوية، أي أن جماعات تتحدث لغات مختلفة جذرياً (القفقاسية وغير الهندوأوروبية من جهة، والكُردية الهندوأوروبية من جهة أخرى) قد تتشارك في الواقع خطوطاً نسبية أمومية متقاربة جداً، بما يرجّح أن اللغة انتقلت أو تغيّرت دون أن يصاحبها استبدال سكاني واسع (3).
رابعاً: فرضية "الخوريين" كجدّ سكاني قديم للكُرد
من أبرز الفرضيات التي تطرحها الدراسات الجينية - وخصوصاً دراسات مستضدات الكريات البيضاء البشرية (HLA) - أن أحد أقدم الأصول السكانية للكُرد يعود إلى الخوريين (نحو 2000 ق.م)، شعب الشرق الأدنى القديم الذي أسّس مملكة "ميتاني" وترك أثراً حضارياً واسعاً في شمال بلاد الشام والجزيرة وشرق الأناضول.
فدراسة "سواريز-تروخيو وزملاؤه" على عينات HLA لكُرد "العراق وإيران وتبليسي" تشير صريحاً إلى أن مصدراً أناضولياً-متوسطياً مشتركاً بين الكُرد و"سكان تركيا" يدعم احتمال أن يكون الكُرد منحدرين أصلاً من الخوريين القدماء، وأن المكوّن الجيني الأكبر لدى الكُرد هو خليط من سكان شمال بلاد ما بين النهرين (القفقاس) وشعوب الشرق الأدنى، مع احتمال إضافة مكوّن من آسيا الوسطى لكنه ليس مكوّناً مهيمناً (8, 4).
من اللافت أن هذه الدراسات تُلاحظ أن هذا "الجد الخوري" المفترض يتجاوز - من حيث القدم - طبقة الانتماء اللغوي الهندوأوروبي للكُرد، أي أن الخوريين أنفسهم لم يكونوا شعباً هندوأوروبياً (لغتهم تنتمي إلى عائلة لغوية مختلفة تماماً)، مما يعزز فكرة أن الطبقة الجينية الأقدم لدى الكُرد سابقة على الطبقة اللغوية الهندوأوروبية الحالية، وأن الانتقال إلى اللغة الإيرانية كان تحوّلاً ثقافياً-لغوياً لاحقاً طُبع على ركيزة سكانية أقدم.
خامساً: قراءة نقدية - حدود الفرضية ونقاط الخلاف العلمي
من باب الدقة العلمية والموضوعية، تجدر الإشارة إلى نقاط لا تزال محل جدل، ولا ينبغي تجاوزها عند البناء على هذه الفرضية:
عدم وجود إجماع علمي حاسم على أصل واحد للكُرد: العديد من الدراسات (مثل دراسة "ناسيدزه وزملائه" و دراسة "من التوروكيين إلى الكُرد") تشير إلى أن التكوين الجيني الحالي للكُرد هو نتيجة هجرات متعددة ومتراكمة عبر العصور، بما فيها هجرات من العصور الوسطى وهجرات إيرانية مستمرة طوال العصر الحديدي، وليس نتيجة سلالة واحدة منعزلة منذ العصر البرونزي (2, 7).
التمايز الجيني الداخلي بين شعوب الإقليم في العصر الحجري الحديث: الدراسات الجينومية الحديثة (لازاريديس، بروشاكي) تُظهر أن سكان زاغروس والأناضول والقفقاس وبلاد الشام، رغم تقاربهم الجغرافي، كانوا مجموعات سكانية متمايزة جينياً بشكل واضح في بدايات العصر الحجري الحديث، قبل أن يتداخلوا عبر آلاف السنين اللاحقة. فالقول بـ"أصل جيني واحد" لكل هذه الشعوب يحتاج إلى تدقيق: الأدق هو الحديث عن شبكة نسب إقليمية متفاعلة ومتراكبة، لا عن جذع واحد منفرد (6, 9, 10, 13).
فرضية "الخوريين كجد للكُرد" أقرب إلى استنتاج تاريخي-جيني مرجّح منه إلى حقيقة مثبتة: الدراسات التي تتبنّى هذه الفرضية (وعلى رأسها أعمال هينربيشلر) تعتمد بشكل كبير على ربط معطيات جينية (مثل سيادة هابلوغروب J في زاغروس) بسرديات تاريخية عن "أومان-ماندا" والخوريين-الميتانيين، وهو ربط لا يزال يحتاج إلى مزيد من عينات الحمض النووي القديم المباشرة من مواقع خورية مؤكدة لتثبيته بشكل قاطع (1).
الفصل بين "الأصل البيولوجي" و"الهوية القومية الحديثة": من المهم منهجياً عدم الانتقال المباشر من معطى جيني قديم (عمره آلاف السنين) إلى استنتاج هوياتي أو سياسي معاصر، فالهوية القومية الكُردية الحديثة هي بناء تاريخي وثقافي ولغوي وسياسي، لا يُقاس بمعطى الحمض النووي وحده، مهما كانت أهميته العلمية.
سادساً: الخلاصة
يمكن القول إن المعطيات الجينية المتوفرة تدعم - بقدر معقول من الحذر العلمي - الفرضية القائلة بأن الركيزة السكانية لشرق الأناضول والقفقاس وزاغروس وأجزاء من شرق المتوسط تشترك في خزان جيني قديم متداخل، وأن الكُرد جزء عضوي من هذه الركيزة، وأن أحد أقدم مكوّناتها السكانية يمتد إلى الخوريين. لكن في الوقت نفسه، فإن تحوّل هذه الجماعات لغوياً نحو الهندوأوروبية لم يكن مصحوباً - بحسب الدلائل المتاحة - باستبدال سكاني جذري، بل يبدو أقرب إلى "تطعيم لغوي-ثقافي" على جذع سكاني أقدم، وهو ما يتقاطع مع الفرضية المركزية لهذه الورقة: أن اللغة والثقافة قابلتان للتغيّر والانتقال، بينما تبقى الطبقة الجينية العميقة هي السجل الأكثر صدقاً واستقراراً لتاريخ الشعوب البيولوجي.
++++++++++++++++++&&&
المراجع
(1) Hennerbichler, F. (2012). The Origin of Kurds. Advances in Anthropology, 2(2), 64-79.
(2) Nasidze, I., Quinque, D., Ozturk, M., Bendukidze, N., & Stoneking, M. (2005). MtDNA and Y-chromosome variation in Kurdish groups. Annals of Human Genetics, 69, 401-412.
(3) Comas, D., et al. (2000). Georgian and Kurd mtDNA sequence analysis shows a lack of correlation between languages and female genetic lineages. American Journal of Physical Anthropology, 112, 5-16.
(4) Suarez-Trujillo, F., Juarez, I., Palacio-Gruber, J., Martín-Villa, J. M., Amirzargar, A., & Arnaiz-Villena, A. (2017). Genetic HLA study of Kurds in Iraq, Iran and Tbilisi (Caucasus, Georgia): Relatedness and medical implications. PLOS ONE / PMC5256937.
(5) Arnaiz-Villena, A., et al. (2022). HLA genetic study in Iran Saqqez-Baneh Kurds: no genetic trace of Aryan invasions in Anatolian Turks and Kurds is found. Human Immunology / Science-dir-ect.
(6) Broushaki, F., Thomas, M. G., Link, V., et al. (2016). Early Neolithic genomes from the eastern Fertile Crescent. Science, 353(6298), 499-503.
(7) Comas, D., et al. ومراجعات لاحقة ضمن: From Turukkaeans to Kurds: A Genetic Analysis of Historical Population Movements around the Zagros Mountains.
(8) Suarez-Trujillo, F., et al. (2017). مرجع سابق (نفس الدراسة المذكورة في رقم 4)، خاصة الجزء المتعلق بالحوريين كأصل سكاني محتمل للكرد.
(9) Lazaridis, I., et al. (2022). The genetic history of the Southern Arc: a bridge between West Asia and Europe. Science, 377(6609).
(10) Gallego-Llorente, M., et al. (2016). The genetics of an early Neolithic pastoralist from the Zagros, Iran. Scientific Reports, 6, 31326.
(11) Lazaridis, I., et al. (2016). Genomic insights into the origin of farming in the ancient Near East. Nature, 536, 419-424.
(12) Grugni, V., Battaglia, V., Hooshiar Kashani, B., et al. (2012). Ancient migratory events in the Middle East: new clues from the Y-chromosome variation of modern Iranians. PLOS ONE, 7(7), e41252.
(13) Hofmanová, Z., Kreutzer, S., Hellenthal, G., et al. (2016). Early farmers from across Europe -dir-ectly descended from Neolithic Aegeans. Proceedings of the National Academy of Sciences, 113(25), 6886-6891.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟