مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 20:32
المحور:
القضية الكردية
إن إعلان عام 2007 ليس منحةً مجردة من المجتمع الدولي للشعوب الأصلية، بل هو اعتراف حقوقي وسياسي متأخر بحقوق تاريخية كانت قائمة بالفعل قبل أن تتشكل الدول الحديثة التي سعت إلى إنكارها وتهميشها".
تمهيد: ثلاثة وعشرون عاماً من المخاض الحقوقي
في سبتمبر من عام 2007، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحولاً تاريخياً في مسار القانون الدولي المعني بحقوق الإنسان؛ فبعد مسيرة تفاوضية مضنية ومعقدة امتدت لثلاثة وعشرين عاماً متواصلة، أُقِرَّ "إعلان حقوق الشعوب الأصلية" بأغلبية مئة وأربعة وأربعين صوتاً، مقابل معارضة أربع دول (الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا) — والتي تراجعت لاحقاً ودعمت الإعلان بين عامي 2009 و2010 — وامتناع إحدى عشرة دولة عن التصويت، لاسيما من قارتي آسيا وأفريقيا، مدفوعةً بهواجس متعلقة بوحدتها الإقليمية وسيادتها السياسية.
شكّل هذا الإعلان التتويج القانوني الأبرز لعقود من النضال الحقوقي المستمر الذي خاضته شعوب أصلية من مختلف قارات العالم، من أمريكا اللاتينية والمناطق القطبية إلى آسيا وأفريقيا. ولم تكن شعوب الشرق الأوسط بمعزل عن هذا الحراك؛ إذ سجل الكورد حضورهم الفاعل في هذا المسار التفاوضي عبر منظمات المجتمع المدني الكوردية التي شاركت بانتظام في جلسات الفريق العامل المعني بالشعوب الأصلية، والمسؤول عن صياغة مسودات الإعلان الأولى.
تكمن الأهمية الاستثنائية والفريدة لهذه الوثيقة الدولية في كونها الانتقالة النوعية الأولى من حماية الأفراد المنتمين للأقليات — كما صاغتها المادة 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية — إلى المعالجة الشاملة والمتكاملة لـ " الحقوق الجماعية ". فالإعلان يقرّ صراحةً بأن هذه الشعوب تمثّل ذواتاً جماعية مستقلة تمتلك حقوقاً لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في مجرد مجموع الحقوق الفردية للمواطنين.
أولاً: إشكالية التعريف الفقهي وانعكاساتها على خريطة الشرق الأوسط
تجنب الإعلان عن قصد تقديم تعريف جامد ومغلق لمفهوم «الشعوب الأصلية»، مستعيضاً عنه بمعايير تشغيلية مرنة طورها الفقه الدولي وتتمحور حول أربعة ركائز أساسية:
الأسبقية التاريخية في استيطان الأرض قبل رسم الحدود الحديثة أو حدوث الغزو والاستعمار.
التمايز الثقافي واللغوي والاجتماعي الجليّ عن المجتمعات والنخب السياسية المهيمنة.
استمرارية الوجود التاريخي والارتباط بالأرض رغم تغير السيادات والحدود السياسية المفتعلة.
الهوية الذاتية والوعي الجمعي بالانتماء لشعب متمايز.
وعند إسقاط هذه المعايير القانونية الدولية على الواقع الجغرافي والديمغرافي لمنطقة الشرق الأوسط، نجد أنها تنطبق بامتياز وموضوعية على الحالة الكوردية. فالكورد يقطنون منطقتهم التاريخية (كوردستان) منذ آلاف السنين، متقدمين تاريخياً على رسم الحدود السياسية الحديثة بنشوء الدول المعاصرة. كما أنهم يحملون هوية لغوية وثقافية متمايزة ومستمرة، ولم يختاروا طوعاً الاندراج في الدول الحالية بل فُرض عليهم ذلك بقرارات وإرادات دولية متعاقبة.
وبالمنطق الفقهي والتشريعي ذاته، يمتد هذا التوصيف القانوني ليشمل الأرمن التاريخيين في الأناضول، واللاز في منطقة البحر الأسود، والأمازيغ في شمال أفريقيا الذين أسهموا بقوة في النضال الحقوقي لإدراج الشعوب الأصلية في المنظومة الأممية.
"إن الكورد يستوفون كل معايير الشعب الأصيل التي حددها وقنّنها القانون الدولي، لكن الحكومات والدول التي يقطنونها لا تزال تُصرّ على التعامل معهم وفق مقاربة إنكارية بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وتتحاشى الاعتراف بهم كشعب ذي حقوق جماعية مكفولة دولياً".
ثانياً: البنية الحقوقية للإعلان والمضامين الجوهرية (46 مادة)
يحتوي إعلان عام 2007 على ست وأربعين مادة تشريعية تغطي طيفاً واسعاً من الحقوق الجماعية. وتكتسب بعض هذه المواد أهمية حيوية قصوى عند تفكيك الحالة الكوردية وشعوب المنطقة:
حق تقرير المصير (المادة الثالثة): تمنح الشعوب الأصلية الحق في تحديد وضعها السياسي بحرية، والسعي لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو نص يُخرج المفهوم من طابعه الفردي العام ليخصصه كميكانيزم قانوني للشعوب الأصلية.
الحكم الذاتي (المادة الرابعة): تكفل حق هذه الشعوب في الحكم الذاتي لإدارة شؤونها الداخلية والمحلية، وتوفير وسائل تمويل هذه الوظائف، وهو ما يمثّل السند المرجعي الأساسي للمدافعين عن الإدارات الذاتية الكوردية المرفوضة رسمياً في تركيا وإيران وسوريا.
الهوية الثقافية والجغرافيا التاريخية (المادة الثالثة عشرة): تحمي حق الشعوب في إحياء تقاليدها، وعاداتها، ولغاتها، وأسمائها الجغرافية التاريخية، مما يمثّل رداً قانونياً على سياسات صهر الهوية وتغيير أسماء المدن والقرى الكوردية في دول الجوار.
التعليم القومي (المادة الرابعة عشرة): تكرّس حق إنشاء مؤسسات تعليمية مستقلة توفر التعليم باللغات الأم للشعوب الأصلية وبطرق تتوافق مع ثقافتها.
مناهضة التهجير القسري والتهميش (المادتان العاشرة والحادية والعشرون): تحظر المادة العاشرة قطعياً الترحيل القسري للشعوب من أراضيها، بينما تلزم المادة الحادية والعشرون الدول باتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين الأوضاع الاقتصادية لمعالجة الاختلالات التاريخية الناتجة عن سياسات التهميش الممنهج.
ثالثاً: الموارد الطبيعية وأرض الأجداد (المادة 29 كنموذج استراتيجي)
تشكّل المادة التاسعة والعشرون حجر الزاوية الاستراتيجي في هذا الإعلان؛ إذ تنص على حق الشعوب الأصلية في حماية أراضيها وأقاليمها ومواردها الطبيعية، وتلزم الدول بإجراء مشاورات حقيقية معها للحصول على موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل اعتماد أي مشاريع استثمارية أو تنموية تؤثر في أراضيها.
تنعكس هذه المادة بشكل مباشر على الجغرافيا السياسية والاقتصادية للكورد؛ ففي العراق، حيث تتركز الثروات النفطية الهائلة في مناطق ذات كثافة كوردية كركوك وإقليم كردستان، تبدو السيطرة على الموارد محوراً دائماً للنزاع والشد والجذب بين أربيل وبغداد، مما يحول الاعتراف بالحقوق الكوردية من مسألة ثقافية مجردة إلى قضية اقتصادية وسيادية استراتيجية. وفي إيران، يتكرر المشهد ذاته؛ إذ تتركز الموارد والثروات في المناطق الكوردية والمناطق العربية في الأحواز دون أن يحظى السكان المحليون بنصيب عادل من عوائد أرضهم.
رابعاً: جدلية الانطباق القانوني والسياق التاريخي
يثير تطبيق إعلان 2007 على الحالة الكوردية نقاشاً فقهياً في أروقة القانون الدولي؛ حيث يرى فريق من الحقوقيين والفقهاء أن الإعلان صُمم جغرافياً وسياقياً ليخاطب واقع الشعوب الأصلية في منظومة الاستعمار الاستيطاني الغربي (مثل الأمريكتين وأستراليا)، وهو سياق يختلف بنيوياً عن واقع الكورد الذي تبلور إثر تفكك الإمبراطوريات الإقليمية وتوزيع أراضيهم بين دول الجوار وليس نتيجة غزو استيطاني أوروبي.
في المقابل، يتبنى فريق عريض من الفقهاء والمقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بحقوق الشعوب الأصلية قراءة أوسع تتجاوز النموذج الاستعماري الكلاسيكي، مؤكدين أن معايير الإعلان تنطبق على الحالات الإقليمية المتعددة ومنها الحالة الكوردية بصرف النظر عن الطبيعة التاريخية للعملية السياسية التي أدت لواقعهم الراهن.
وبعيداً عن الترف النظري للجدل الفقهي، فإن القيمة العملية للإعلان تكمن في ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. صياغة خطاب حقوقي وسياسي دولي معتمد يناهض سياسات الإنكار والتعريب والصهر الثقافي.
2. توفير منصة قانونية تضمن لمنظمات المجتمع المدني الكوردية الحضور الفاعل في المنتديات الأممية.
3. تقديم مرجعية دستورية وقانونية جاهزة للتطبيق في أي تسويات سياسية أو دستورية مستقبلية، لاسيما في العراق وسوريا اللذين يعيشان مخاض إعادة صياغة العقود الاجتماعية.
خامساً: ازدواجية المواقف الإقليمية والآليات الأممية
تكشف قراءة مواقف دول الشرق الأوسط تجاه الإعلان عن مفارقة وازدواجية لافتين؛ فمعظم هذه الدول صوّتت لصالح الإعلان أو امتنعت عن التصويت في المحافل الدولية، لكنها ترفض بشكل قاطع إسقاط هذه المبادئ أو تطبيقها داخلياً على مكوّناتها كالكورد والأمازيغ واللاز. وتتحصن النخب الحاكمة في المنطقة خلف ثلاث حجج تقليدية:
أن الإعلان يمثّل وثيقة أدبية وسياسية غير ملزمة قانونياً، وبالتالي لا يترتب عليها أي التزامات دستورية داخلية.
التذرع بـ «المواطنة المجردة»، والادعاء بأن جميع السكان متساوون أمام القانون كمواطنين أفراد، وهي الحجة النموذجية للهروب من الاعتراف بالحقوق الجماعية.
الخوف التقليدي من أن إقرار هذه الحقوق يهدد الأمن القومي، والتماسك الوطني، والوحدة الإقليمية للدول.
ونتيجة لهذا التوجس، امتنعت قوى إقليمية رئيسية كتركيا، إيران، سوريا، والعراق عن الانخراط الجدي في آليات التطبيق. وفي المقابل، أظهرت دول كالمغرب والجزائر مرونة نسبية أكبر تجاه المكون الأمازيغي تُرجمت لاحقاً في اعترافات دستورية جزئية.
ولمواجهة هذا التمنع الإقليمي، أفرز الإعلان مسارات وآليات أممية متخصصة تتيح للكورد وللشعوب الأصلية إسماع صوتهم للعالم، ومن أبرزها:
المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية (تأسس عام 2000): الذي يمثّل منصة سنوية في نيويورك وجنيف شهدت مشاركة مستمرة لمنظمات مدنية كوردية.
المقرر الخاص المعني بحقوق الشعوب الأصلية: الذي يملك صلاحية الزيارات القطرية وإصدار التقارير الرقابية، والتي تضمنت في عدة مناسبات توثيقاً لأوضاع الكورد.
آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية: التي ترفد هيئات الأمم المتحدة بالدراسات المتخصصة.
رغم افتقار هذه الآليات لسلطة الإنفاذ الإلزامية القهرية، إلا أنها تظل أدوات بالغة الأهمية لترسيخ الاعتراف الدولي الضمني بالوضع القانوني للكورد كشعب أصيل.
سادساً: استشراف المستقبل: الإعلان كفرصة لإعادة بناء سوريا والعراق
يوفّر الإعلان إطاراً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه في سياق ترتيبات الهندسة الدستورية المستقبلية للمنطقة. ففي العراق، يمثّل الإعلان سنداً قانونياً دولياً لتعزيز الحقوق الكوردية المكتسبة بدستور 2005، لاسيما في ملف إدارة الموارد في المناطق المتنازع عليها، ومعالجة تركة التهجير وسياسات التعريب البعثية السابقة.
وفي سوريا، التي تعيش أزمة بنيوية ممتدة، يمنح الإعلان المطالب الكوردية بالاعتراف الدستوري والحكم الذاتي — والتي تتبناها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في جوهرها دون الاستناد الصريح للإعلان — غطاءً شرعياً دولياً هماً، حتى وإن ظلت الحسابات والتوازنات السياسية الإقليمية والدولية هي المحرك الفعلي على الأرض.
"إن إعادة بناء دول مثل سوريا والعراق على أسس دستورية عادلة ومستدامة يستلزم بالضرورة تبني وتفعيل مبادئ إعلان 2007 كمرجعية بنيوية لا تجاهله؛ فالشعب الكوردي، كغيره من الشعوب الأصيلة، لن يكون شريكاً حقيقياً في بناء دول مستقبلية لا تعترف بوجوده التاريخي وحقوقه الجماعية".
ختاماً، يبقى إعلان عام 2007 خطوة تأسيسية في مسار طويل. وإن ما يحوّل هذه النصوص من حبر على ورق المنظومة الأممية إلى واقع ملموس ليس الآليات الدولية وحدها، بل توليفة متكاملة تجمع بين الضغط السياسي الداخلي للشعوب الأصلية، والتراكم القانوني في المحاكم الإقليمية، والدعم الدولي من الدول الديمقراطية، لاستثمار التحولات الإقليمية باتجاه إعادة صياغة العقود الاجتماعية وبناء دول المواطنة التعددية.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟