أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي شعب واحد في أربع دول — بين الإنكار والمقاومة والبحث عن الذات















المزيد.....

كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي شعب واحد في أربع دول — بين الإنكار والمقاومة والبحث عن الذات


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 16:44
المحور: القضية الكردية
    


"شعب واحد، أربع دول، وأربع سياسات للإنكار —هذه هي المعادلة التي صنعها التقسيم وتعيش تداعياتها كوردستان حتى اليوم."



تمهيد: جغرافيا بلا دولة
لو أمسك المرء بخريطة طبوغرافية للشرق الأوسط وتأمّل تضاريسها بعيداً عن الحدود السياسية المرسومة، لرأى منطقة جبلية شاسعة تمتد من جنوب شرق الأناضول غرباً حتى شمال غرب إيران شرقاً، ومن جبال طوروس شمالاً حتى سهول شمال العراق وشمال شرق سوريا جنوباً. هذه المنطقة التي تتراوح مساحتها بين خمسمئة و خمسمئة وخمسين ألف كيلومتر مربع و أكثر، تحمل في طبيعتها الجغرافية وفي تاريخها البشري اسماً واحداً: كوردستان.
غير أن هذه الجغرافيا الموحّدة في طبيعتها تعيش اليوم مُقطّعة الأوصال بين أربع دول ذات سيادة مستقلة، لكلٍّ منها نظامها السياسي ودستورها وسياستها تجاه الوجود الكوردي على أراضيها. وبين هذا التوحّد الجغرافي والتشتّت السياسي تكمن إحدى أعقد المسائل التي يطرحها التاريخ السياسي للشرق الأوسط: كيف يحافظ شعب على هويته وتماسكه حين تُقطع الروابط السياسية بين أجزائه، وتسعى كل دولة من الدول التي يقطن في كنفها إلى صهره في هويتها الرسمية؟
في هذا الفصل، نتناول كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي بوصفهما نموذجاً كاشفاً لفشل الدولة القومية الأحادية في الشرق الأوسط. ونستعرض السياسات المقارنة لكل دولة من الدول الأربع تجاه الكورد، ثم نقرأ في ضوء ذلك تجارب الأرمن واللاز والأمازيغ…. بوصفها نماذج مقارنة تكشف البنية المشتركة لأزمة الاعتراف في المنطقة.
أولاً: كوردستان ( الشمالية ) تركيا — من الإنكار المطلق إلى الانفتاح المحدود
تُمثّل تركيا الحالة الأكثر تعقيداً في المسألة الكوردية، إذ يشكّل الكورد فيها ما بين خمسة عشر وعشرين بالمئة من إجمالي السكان، أي ما يتراوح بين خمسة عشر وعشرين مليون نسمة "لا يوجد إحصاء فعلي، يَعتقد الكورد ان نسبتهم بتركيا بحدود 43% من السكان"، مما يجعلهم الأقلية الإثنية الأكبر في البلاد بلا منازع. وتتركّز غالبيتهم في المناطق الجنوبية الشرقية من البلاد، أي في ما يُعرف تاريخياً بكوردستان الشمالية أو بكورمانج.
منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، سادت سياسة الإنكار المطلق للهوية الكوردية؛ فلم يُعترف بالكورد بوصفهم مجموعة إثنية متمايزة في أي وثيقة دستورية أو قانونية، وحُظرت اللغة الكوردية في الفضاء العام بما يشمل التعليم والإعلام والمحاكم والحياة السياسية. وقد تعرّض من جاهر باستخدام لغته الأم في الفضاء العام لعقوبات قانونية صارمة. وفي السياق ذاته، شهدت عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته سلسلة من الانتفاضات الكوردية كانتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925 وانتفاضة آرارات إحسان نوري باشا 1930 وانتفاضة درسيم سيد رظا 1937، قابلتها الدولة جميعها بالقمع العسكري الدموي وبسياسات التهجير القسري.
وفي العقود اللاحقة، وتحديداً منذ عام 1984، اندلع النزاع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني PKK، وهو نزاع أودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص على مدى أربعة عقود، وأفرز أزمة إنسانية واسعة النطاق جراء تهجير ملايين الكورد من قراهم في جنوب شرق تركيا. وقد ظل هذا النزاع يُعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل، لأن جذوره السياسية والدستورية لم تُعالَج بصورة جدية.
شهدت تركيا في مطلع الألفية الثالثة انفتاحاً نسبياً في إطار مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ سُمح ببعض البث الإذاعي والتلفزيوني باللغة الكوردية، وأُزيلت بعض القيود القانونية على استخدامها. وبلغ هذا الانفتاح ذروته في ما عُرف بمسيرة السلام بين عامَي 2013 و2015. غير أن انهيار مفاوضات السلام عام 2015 وعودة العمليات العسكرية في جنوب شرق تركيا وشمال سوريا أعادا الملف إلى نقطة البداية تقريباً، مما يكشف أن الانفتاح المرحلي لم يكن مبنياً على إصلاح دستوري هيكلي حقيقي.وما مشروع السلام الذي نادى به أوجلان اخيرا إلا ضمن هذا السياق ،لكن لا يوجد حتى الآن أي شيئ على أرض الواقع.
"تركيا لم تحل مسألة الكورد بالقوة طوال مئة عام، ولن تحلّها بالقوة في المئة عام القادمة. الحل الوحيد هو الاعتراف الدستوري الذي تهرب منه أنقرة منذ تأسيس الجمهورية." — مروان فلو
ثانياً: كوردستان الجنوبية (العراق) — من الإبادة إلى الإقليم الفيدرالي
تُمثّل التجربة الكوردية في العراق الحالة الأكثر تحولاً وتعقيداً على الصعيد السياسي. فمن بين الدول الأربع التي يقطنها الكورد، كان العراق الساحة التي شهدت أشد السياسات قسوةً ضدهم، وفي الوقت ذاته صارت موطن أول كيان كوردي يحقق شكلاً معترفاً به من الحكم الذاتي في التاريخ الحديث.
في ظل الحكم الملكي والجمهوري الأول، ظل الكورد يطالبون بالاعتراف بهويتهم ضمن الدولة العراقية، وقد أُبدي لهم قبول نظري مؤقت في دستور 1958 الذي أقرّ بأن العرب والكورد شركاء في هذا الوطن. غير أن ذلك لم يُترجَم إلى ترتيبات دستورية فعلية، وانتهى اتفاق آذار 1970 الذي كان يعد بالحكم الذاتي إلى الانهيار عام 1974 ليعود النزاع المسلح من جديد.
وبلغ القمع ذروته الكبرى في عهد حزب البعث وصدام حسين؛ إذ نُفّذت حملات الأنفال بين عامَي 1986 و1989، وهي حملات إبادة ممنهجة طالت المناطق الريفية الكوردية، وأسفرت عن مقتل ما بين مئة وثمانين ألف ومئتَي ألف مدني كوردي وفق تقديرات منظمات حقوق الإنسان الدولية. وفي مارس 1988، شنّ النظام هجوماً كيماوياً على مدينة حلبجة أودى بحياة أكثر من خمسة آلاف مدني في ساعات معدودة، وجرح أضعاف هذا العدد، في واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
جاءت نقطة التحوّل الكبرى عام 1991 حين أنشأ التحالف الدولي منطقة حظر طيران شمال العراق إثر حرب الخليج، مما أتاح للكورد فرصة إقامة إدارة ذاتية فعلية لأول مرة في تاريخهم الحديث. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وسقوط نظام البعث، جاء دستور 2005 ليُرسي بصورة رسمية نظاماً فيدرالياً يعترف بإقليم كوردستان كياناً دستورياً له برلمانه وحكومته ومؤسساته. وهو بذلك النموذج الأول والوحيد في الشرق الأوسط الذي يُقرّ دستورياً بالحقوق القومية الكوردية في إطار الدولة الواحدة.
بيد أن هذا الإنجاز لم يخلُ من إشكاليات بنيوية؛ إذ ظلت العلاقة بين أربيل وبغداد مثاراً مستمراً للخلاف، لا سيما في ما يتعلق بالعائدات النفطية والمناطق المتنازع عليها ككركوك وسنجار وخانقين. وقد كشف استفتاء الاستقلال الذي أجراه الإقليم عام 2017 عن عمق الهشاشة في العلاقة بين المركز والإقليم، حين ردّت بغداد بإجراءات عقابية وانسحاب عسكري من المناطق المتنازع عليها.
ثالثاً: كوردستان الغربية ( سوريا) — من انعدام الجنسية إلى الإدارة الذاتية
يُشكّل الكورد ما بين عشرة وخمسة عشر بالمئة من سكان سوريا كحد ادنى وهناك تقديرات تقول ان نسبتهم تفوق 33% إذا احتسبنا كورد المدن الداخلية دمشق ،حماة، اللاذقية ،ادلب …، ويتركّزون بصورة رئيسية في ثلاث مناطق جغرافية : عفرين في الشمال الغربي، وكوباني في الشمال الأوسط، والجزيرة في الشمال الشرقي. ويُضاف إلى هذا التشتت الجغرافي الداخلي وجود تجمعات كوردية كبيرة في دمشق و حلب و إدلب والساحل حمص ودرعا يعني في كل الجغرافيا السورية، نتيجة موجات منذ العهد الأيوبي وما قبله والنزوح الداخلي في الفترات اللاحقة على مرّ العقود.
كانت السياسة السورية تجاه الكورد تسير في خطين متوازيين؛ خط الإنكار الرسمي الذي تجلّى أوضح تجلياته في إحصاء 1962 الاستثنائي الذي جرّد نحو مئة وعشرين ألف كوردي من جنسيتهم السورية بحجة أنهم قدموا من تركيا بصورة غير قانونية، وهو اتهام لم يُثبَت في حق أكثريتهم الساحقة. وقد ترتّب على ذلك أن عاش هؤلاء وأبناؤهم وأحفادهم عقوداً من الزمن دون جنسية، محرومين من حق التعليم والتوظيف في القطاع العام والتنقل والزواج الرسمي.
أما الخط الثاني فكان خط الاستثمار الظرفي؛ إذ لجأ النظام السوري في مراحل عدة إلى توظيف الورقة الكوردية ضغطاً على تركيا، واحتضن قيادة حزب العمال الكوردستاني لسنوات طويلة قبل أن يُسلّمها تحت الضغط التركي عام 1998. وهذا النهج المزدوج يكشف أن المسألة الكوردية لم تُعالَج في سوريا يوماً بوصفها قضية حقوق مواطنة، بل بوصفها ورقة في لعبة التوازنات الإقليمية.
جاء عام 2011 نقطة تحوّل جذرية؛ فمع اندلاع الثورة السورية وانشغال النظام بالنزاع المسلح، انسحبت قوات الجيش والأجهزة الأمنية من المناطق الكوردية في الشمال، مما أتاح لحزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكري وحدات حماية الشعب و وحدات حماية المرأة إرساء إدارة ذاتية فعلية في تلك المناطق. وتوسّعت هذه الإدارة لاحقاً لتشمل مساحات واسعة في شمال شرق سوريا بعد الحرب على تنظيم داعش، لتُعلَن ما بات يُعرف بـ«الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا».
غير أن هذه التجربة تواجه تحديات وجودية متعددة؛ فهي غير معترف بها سياسياً من قِبَل أي دولة في العالم، وتخضع لضغوط عسكرية تركية متكررة أفضت إلى احتلال عفرين عام 2018 وغيرها من المناطق، فضلاً عن غموض مستقبلها في ضوء أي تسوية سياسية للأزمة السورية.
رابعاً: كوردستان الشرقية (إيران) — الجمر تحت الرماد
يقطن الكورد في غرب إيران وشمال غربها، ويُشكّلون ما بين ثمانية وعشرة بالمئة من السكان، أي نحو ثمانية إلى عشرة ملايين نسمة " لا يوجد إحصاء رسمي يعطي الرقم الحقيقي". ويحتلون منطقة جغرافية ذات طابع جبلي واضح تشمل محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام وأجزاء من أذربيجان الغربية.
في الذاكرة الكوردية الجماعية، يحتل عام 1946 مكانة استثنائية؛ فقد قامت في مهاباد جمهورية كوردية مستقلة بقيادة القاضي محمد، وهي الدولة الكوردية الوحيدة التي قامت في التاريخ الحديث، وإن كانت حياتها لم تتجاوز أحد عشر شهراً. فما إن انسحبت القوات السوفيتية التي كانت توفّر غطاءً ضمنياً لقيامها حتى تقدّمت القوات الإيرانية وأسقطتها، وأُعدم القاضي محمد شنقاً في ميدان مهاباد عام 1947، ولا تزال ذكراه حاضرة بقوة في الوجدان الكوردي حتى اليوم.
ولم تختلف سياسة الجمهورية الإسلامية التي قامت عام 1979 عن سياسة الشاه في جوهرها تجاه الكورد؛ فقد رفض الخميني منح الكورد الحكم الذاتي الذي طالبوا به، وأُعلنت الحرب على المقاومة الكوردية في مطلع الثمانينيات. وفي حين أن الدستور الإيراني يُقرّ نظرياً باللغات القومية الأخرى، فإن التطبيق الفعلي ظل بعيداً عن أي اعتراف حقيقي بالخصوصية الكوردية.
تتميّز الحالة الإيرانية عن نظيراتها بأنها تجمع بين التهميش السياسي والبُعد الاقتصادي الحاد؛ إذ تُعدّ المحافظات الكوردية الإيرانية من أفقر المناطق في البلاد وأقلها نصيباً من الاستثمار الحكومي، مما يُضيف إلى أزمة الهوية أزمةً اقتصادية تجعل الشعور بالإقصاء مضاعفاً. ويتجلى هذا في ظاهرة الكولبار، أي حاملي البضائع على الظهر عبر الحدود الجبلية، وهي ظاهرة باتت شاهداً إنسانياً صارخاً على التهميش الاقتصادي للمنطقة الكوردية في إيران.
"الكوردي في إيران يعيش مواطناً من الدرجة الثانية في دولة تُقرّ دستورياً بتعدد لغاتها، لكنها لا تُجسّد هذا الإقرار في سياسات فعلية تُغيّر حياة الناس." — مروان فلو
خامساً: الشعوب الأصيلة الأخرى — نماذج مقارنة
إن المأزق الذي يعيشه الكورد في علاقتهم مع الدول القومية الأحادية في الشرق الأوسط ليس حالة فريدة من نوعها، بل هو تجلٍّ لأزمة بنيوية أعمق تطال شعوباً أصيلة أخرى في المنطقة، وإن تفاوتت حدّتها وأشكالها. ولفهم هذه الأزمة في سياقها الأشمل، لا بد من استعراض ثلاثة نماذج مقارنة: الأرمن واللاز والأمازيغ.
يُمثّل الأرمن في الشرق الأوسط حالةً مأساوية بامتياز؛ فبعد الإبادة الجماعية عام 1915 التي أودت بحياة ما بين مليون ومليون وخمسمئة ألف أرمني على يد الدولة العثمانية والقوات القومية التركية، تشتّت الناجون في أصقاع الأرض. وما تبقّى منهم في الشرق الأوسط توزّع بين لبنان وسوريا والعراق ومناطق أخرى، يحملون ذاكرة مجروحة لم يُعترف بها رسمياً من الدولة التركية حتى الآن. وتظل قضية الاعتراف بالإبادة الأرمنية من أكثر القضايا حساسيةً في العلاقات الدولية في المنطقة، وهي في جوهرها قضية اعتراف بالتاريخ قبل أن تكون قضية سياسية.
أما اللاز، فهم شعب قوقازي أصيل يقطن منطقة لازستان على امتداد الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأسود في تركيا وأجزاء من جورجيا. وقد تعرّضت هويتهم اللغوية والثقافية لضغوط تتريك شديدة منذ تأسيس الجمهورية التركية، مما أفضى إلى تراجع حاد في عدد المتحدثين باللازية. وبينما كان اللاز يُشكّلون مجتمعاً لغوياً متمايزاً في مطلع القرن العشرين، باتت اللغة اللازية اليوم مهددة بالانقراض في مواجهة ضغط التجانس الثقافي القسري. والمفارقة أن عدداً من كبار المسؤولين الأتراك من أصول لازية لا يتحدثون لغة أجدادهم، وهو تجسيد حيّ لمدى نجاح سياسة الصهر القسري في قطع الجيل عن جذوره.
وفي شمال أفريقيا، يُمثّل الأمازيغ — السكان الأصليون للمنطقة قبل الفتح العربي الإسلامي — نموذجاً آخر لأزمة الاعتراف. ففي المغرب والجزائر وتونس وليبيا، خاض الأمازيغ نضالاً طويلاً من أجل الاعتراف بلغتهم الأمازيغية ثقافتهم التيفيناغية. وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات نسبية؛ إذ اعترف دستور المغرب عام 2011 بالأمازيغية لغةً رسمية إلى جانب العربية، كما اعترفت الجزائر بها رسمياً في دستور 2016. غير أن هذا الاعتراف الدستوري لم يُترجَم بعد إلى سياسات تعليمية وثقافية فعلية تُنصف الهوية الأمازيغية في الواقع المعاش.
"الأرمن والكورد واللاز والأمازيغ — كلهم يحملون روايةً تاريخية مختلفة عن رواية الدولة الرسمية. والفارق بينهم وبين غيرهم هو أنهم لا يزالون يقاومون محو تلك الرواية." — مروان فلو
سادساً: التشابه البنيوي — منطق واحد في أربع دول
على الرغم من اختلاف الأنظمة السياسية في تركيا والعراق وسوريا وإيران، وتباين خلفياتها الأيديولوجية بين القومية العلمانية والقومية البعثية والجمهورية الإسلامية والجمهورية الإسلامية المتشددة، فإن سياساتها تجاه الوجود الكوردي تتقاطع في بنيتها العميقة حول منطق مشترك: رفض الاعتراف الدستوري بالكورد بوصفهم مكوّناً قومياً متمايزاً يستحق تمثيلاً سياسياً وثقافياً ولغوياً خاصاً به.
وينبثق هذا المنطق المشترك من الفلسفة ذاتها التي ناقشناها في مقالات اخرى: فلسفة الدولة القومية الأحادية التي ترى في التعدد تهديداً لا ثروة. ولذلك، فإن العابر للحدود الأربع يجد أنه ينتقل من دولة إلى أخرى، لكنه يجد في كل منها نسخة مختلفة من المعادلة ذاتها: كوردي مطلوب منه أن يتخلى عن لغته وهويته وذاكرته الجماعية مقابل قبوله مواطناً كامل الحقوق.
غير أن ما يكشفه استعراض التجارب الأربع هو أن هذا المنطق لم ينجح في تحقيق هدفه. فلا تركيا التي أنفقت مئة عام وأربعين ألف قتيل في مواجهة الهوية الكوردية تمكّنت من إزالتها، ولا العراق الذي ارتكب الإبادة استطاع قمعها، ولا سوريا التي جرّدتهم من جنسيتهم أفلحت في محوهم، ولا إيران التي أعدمت قيادتهم أسكتت صوتهم. وهذا بحد ذاته دليل تاريخي دامغ على أن الهوية الإنسانية لا تُمحى بالقرارات الإدارية ولا تُقمع بالقوة العسكرية، بل تصمد وتتجدد مهما اشتدّ الضغط عليها.
سابعاً: الخلاصة — الجرح الذي ينتظر العلاج
يتوقف بنا هذا هنا ليُلقي نظرة تأملية على المسار الذي قطعناه. فقد رأينا كيف رسمت اتفاقية سايكس-بيكو خرائط الشرق الأوسط الحديث متجاهلةً التركيب البشري والتاريخي للمنطقة، وكيف تسلّمت النخب الوطنية هذا الإرث فلم تُصلحه بل كرّسته بمشروع الدولة القومية الأحادية. ثم رأينا كيف ترجمت الدول الأربع هذا المشروع إلى سياسات إنكار وقمع بحق الكورد، مع ما رافق ذلك من مصائر مماثلة للأرمن واللاز والأمازيغ.
والخلاصة التي يخلص إليها هي أن الجرح التأسيسي الذي نشأ مع سايكس-بيكو لم يُعالَج بعد مئة عام من تاريخه. لكن الجرح لا يختفي بتجاهله؛ بل يتحوّل إلى بؤرة مزمنة للتوتر السياسي والاجتماعي تُضعف بنية الدولة وتُفقدها شرعيتها في عيون مكوّناتها التي تُنكرها.
ومن هنا، يتبيّن أن السؤال المطروح على الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين ليس سؤال الخرائط وإعادة رسم الحدود، بل هو سؤال الفلسفة السياسية: هل تستطيع دول المنطقة أن تتجاوز نموذج الدولة القومية الأحادية إلى نموذج الدولة التعددية التي تعترف بجميع مكوّناتها وتبني شرعيتها على المساواة الدستورية الحقيقية؟ هذا هو السؤال ؟



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النخب الوطنية وتكريس الخطيئة التأسيسية حين تستعير الدولة الم ...
- الذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- مفهوم المواطنة المجردة الحقوق الفردية بلا اعتراف جماعي — حدو ...
- الخريطة التي غيّرت التاريخ
- مأزق المواطنة المجردة: الدولة القومية في الشرق الأوسط بين ال ...
- الثابت والمتغيّر في تكوين الشعوب: الجينات في مواجهة اللغة وا ...
- أكرم بك جميل باشا الآمدي المناضل القومي الكردي بين السيف وال ...
- قدري جميل باشا بين المنفى والذاكرة: سيرة مناضل كوردي في ضوء ...
- ممدوح سليم وانلي (1897–1976): أحد رواد الحركة القومية الكردي ...
- هل يتجه الصراع الإسرائيلي التركي نحو الانفجار بعد الملف الإي ...
- الكورد في التوراة من ماداي إلى منّي: قراءة في الحضور الكوردي ...
- حين تكلّمت باريس بالكردية مقابلة 1962: باربرو كارابودا وكامر ...
- رسائل أوجلان والمسألة الكردية بين أصالة الخطاب السياسي وإشكا ...
- كوردستان ساحة المعارك أم صانعة المصير؟
- البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت
- إعادة تصنيف حزب العمال الكردستاني: قراءة في توقيت شهادة مايك ...
- السلام الدائم لا يُبنى بالوصاية: قراءة تحليلية في مسارات تحر ...
- وقف النار الوهمي: عندما تكون الهدنة مجرد استراحة المحارب
- الكرد وحضارات الشرق القديم: إعادة قراءة التاريخ المُهمَّش در ...
- الدولة العميقة ومنطق المؤسسات: كيف تُدار الصراعات الدولية بع ...


المزيد.....




- وكالة تابعة للأمم المتحدة توقف عمليات الإجلاء في مضيق هرمز ب ...
- المحكمة العليا الأميركية تؤيد إنهاء الحماية المؤقتة لمهاجرين ...
- مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: إسرائيل كانت تخشى التغيير في ...
- أبناء لا يعرفون آباءهم.. عائلات الأسرى في غزة تعاني فصلا من ...
- قانون لجوء الأجانب في مصر.. كيف ينعكس على وضع اللاجئين؟
- مجلس حقوق الإنسان الروسي يصف إزالة تطبيق VK من App Store بأن ...
- ميلوني: روما وباريس اتفقتا على دعم لبنان بعد انتهاء مهمة بعث ...
- تركوه ينزف ساعتين.. عائلة فلسطينية تروي تفاصيل إعدام الاحتلا ...
- فلسطينيو النقب يتظاهرون ضد الهدم وبن غفير يتوعد
- قانون لجوء الأجانب في مصر.. كيف بنعكس على وضع اللاجئين؟


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي شعب واحد في أربع دول — بين الإنكار والمقاومة والبحث عن الذات