أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - ديناميكيات الجيوسياسة والاقتصاد السياسي: الجيوبوليتيك المائي لمرتفعات كوردستان والصراع الصامت في الشرق الأوسط















المزيد.....

ديناميكيات الجيوسياسة والاقتصاد السياسي: الجيوبوليتيك المائي لمرتفعات كوردستان والصراع الصامت في الشرق الأوسط


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 15:31
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة: الجغرافيا بوصفها قدراً مائياً
لطالما دُرست القضية الكوردية من زوايا عرقية، تاريخية، أو عسكرية، غير أن البُعد الأكثر تأثيراً في صياغة مواقف الدول الإقليمية يظل مخفياً في عمق البنى الهيكلية للنظام الدولي، وهو "الجيوبوليتيك المائي" (Hydropolitics). تقع المرتفعات الجبلية التي يقطنها الكورد تاريخياً بمثابة "برج المياه" أو "الخزان الاستراتيجي" الأكبر في الشرق الأوسط؛ حيث تنبع من هذه الجبال الروافد الأساسية والمغذية لنهري دجلة والفرات. بناءً على هذا الواقع الجغرافي، فإن قيام دولة كوردية لا يعني مجرد تغيير في الخارطة السياسية، بل يعني إعادة هيكلة كاملة لموازين القوى المائية في المنطقة، وهو ما يفسر استعصاء الكيان القومي الكوردي تاريخياً.

أولاً: مغالطة "الدولة الحبيسة" ومفهوم الاختناق الجيوسياسي المركّب
صحيح أن هناك عشرات الدول الحبيسة (Landlocked) في العالم التي لا تملك هوامش بحرية لكنها مزدهرة للغاية مثل سويسرا والنمسا، إلا أن إسقاط هذه المقارنة على الواقع الكوردي يغفل مفهوم "عدائية الطوق" (Encirclement Hostility). في أوروبا، تقع الدول الحبيسة في بيئة إقليمية متكاملة ومندمجة مكفولة باتفاقيات دولية مستقرة، بينما يعاني الكورد من اختناق جيوسياسي مركّب.
إن المسافة القصيرة التي تفصل "جبل الأكراد" الملاصق لـ (عفرين) عن البحر المتوسط، والتي تقل عن بضع كيلومتراً، والعي تسعى لتركيا لابعاد الكورد عن البحر من خلال احتلال عفرين و غيرها لتقطيع اوصال كوردستان فتتحول في عالم السياسة الواقعية إلى جدار عازل مطلق. ففي القانون الدولي الحديث، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات الجغرافية، بل بـ "السيادة الوطنية الحذرة" للدول القائمة. إن وجود كيلومتر واحد من أراضٍ تابعة لدولة إقليمية معادية للمشروع الكوردي يعني تقنياً قطع الاتصال بالعالم الخارجي. وبالتالي، فإن المعضلة ليست في جغرافيا كوردستان بذاتها، بل في البنية الأمنية للدول المحيطة بها، والتي ترى في أي منفذ بحري أو بري كوردستاني خطراً وجودياً عليها.

ثانياً: التشريح الهيدرولوجي ومعضلة "انزياح الهيمنة المائية"
لإدراك حجم المعضلة المائية، لا بد من النظر إلى طبيعة الاعتماد المائي المتبادل في حوض الرافدين. تساهم المرتفعات الجبلية في جنوب شرق تركيا (المنطقة الكوردية تاريخياً) بنحو 90% من إجمالي إيرادات نهر الفرات السنوية، في حين تساهم الأراضي السورية بنحو 10% فقط. أما نهر دجلة، فإن الجبال الواقعة في أجزاء كوردستان المختلفة (تركيا، إيران، والعراق) تمدّه بنحو 60% إلى 70% من مياهه وروافده الحيوية كالزابين وديالى.
هذا التوزيع الهيدرولوجي يعني أن جغرافيا كوردستان الطبيعية تتحكم في شريان الحياة الزراعي والسكاني لكل من العراق وسوريا. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "المهيمن المائي" (Riparian Hegemon)؛ إذ تُصنّف تركيا حالياً باعتبارها القوة المهيمنة مائياً بفضل موقعها الجغرافي في أعلى المصب، وتوظف هذه الميزة عبر مشاريع عملاقة مثل مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، الذي يتضمن بناء 22 سداً و19 محطة كهرومائية يقع معظمها في الجغرافيا الكوردية.
إن الأثر المخفي والأكثر خطورة لقيام كيان كوردي مستقل في هذه المناطق هو الانتقال التلقائي والعميق لـ "الهيمنة المائية" من العواصم الإقليمية الكبرى (مثل أنقرة وبغداد) إلى السلطة الكوردية الناشئة. ترفض تركيا تاريخياً وبشكل مطلق القوانين الدولية التي تعتبر دجلة والفرات مجاري مائية دولية، وتصر على تسميتها "مياهاً عابرة للحدود" لتبقي لنفسها السيادة المطلقة في استغلالها. وبناءً على ذلك، فإن نشوء كيان كوردي مستقل على هذه المنابع سيسحب من الدول الإقليمية كارت الضغط المائي الأقوى، ويحيل الدولة الجديدة إلى "حارس البوابة المائية" الفعلي للشرق الأوسط.

ثالثاً: الاقتصاد السياسي للحسابات الجيومائية للدول المشاطئة
يتوزع التهديد الجيومائي الناتج عن قيام دولة كوردية على ثلاث جبهات إقليمية تتبنى عقائد سياسية متصادمة ولكنها تتفق على تحييد الطموح الكوردي، ويمكن تفصيل مواقفها كالتالي:
بالنسبة لـ "تركيا"، يمثل قيام هذا الكيان في مناطق المنبع فقداناً كاملاً للسيطرة على مشروع (GAP) الاستراتيجي، وتحول منابع المياه العذبة والطاقة الكهرومائية إلى سيادة غير تركية، وهو ما يتصادم مع عقيدتها السياسية القائمة على مبدأ السيادة المطلقة، والتي ترى أن المياه ملكية وطنية للدولة التركية تماماً كبترول العرب، ولها وحدها حق التصرف بها.
أما في "سوريا"، التي تمثل دولة ممر ومصب، فإن الخطر يكمن في وقوع خاصرتها المائية (شمال شرق سوريا ومحيط عفرين) تحت حظر كوردي محتمل، مما يهدد أمنها الغذائي ومشاريع ري الجزيرة؛ لذلك تصر دمشق تاريخياً على عقيدة التقاسم العادل والمطالبة باتفاقيات دولية ملزمة تحدد حصصاً ثابتة ودائمة.
وفي "العراق"، الذي يقع كدولة مصب نهائية، فإن قيام دولة كوردية يعني تصفير السيادة العراقية مائياً بشكل شبه كامل؛ إذ ستصبح مياه دجلة والفرات وروافدهما خاضعة لسيطرة ونفوذ دولتين (تركيا ثم كوردستان) قبل وصولها إلى بغداد، وهو ما يهدد "الحقوق التاريخية المكتسبة" للعراق التي تشكل جوهر عقيدته المائية الممتدة منذ حضارات الري القديمة.

رابعاً: "أمننة" المياه والتحالف الضمني ضد المشروع الكوردي
في العلوم السياسية، تُسمى عملية تحويل ملف طبيعي أو اقتصادي إلى قضية وجودية بـ "الأمننة" (Securitization). وقد نجحت الدول الإقليمية تاريخياً في أمننة ملف المياه وربطه مباشرة بالملف الكوردي لمنع تفكيك الهياكل القائمة. وخلال عقود الصراع، عندما كان يحدث خلاف مائي بين سوريا وتركيا، كانت دمشق تلجأ إلى استخدام "الورقة الكوردية" (مثل استضافة حركة حزب العمال الكوردستاني) كوسيلة ضغط على أنقرة لزيادة الإطلاقات المائية. وفي المقابل، كانت تركيا تستخدم سلاح السدود والقطع المائي لفرض شروط أمنية وسياسية على جيرانها.
هذا التوظيف المتبادل يوضح أن الكورد، من منظور العواصم الإقليمية، يقعون في قلب الصراع على الموارد الحيوية. لذا، تلتقي مصالح بغداد ودمشق وأنقرة وطهران -رغم كل خلافاتها البينية العميقة- على مبدأ عدم السماح للفاعل الكوردي بالتحول من "ورقة ضغط تكتيكية" مؤقتة بيد هذه الدول إلى "لاعب استراتيجي مستقل" يملك قرار المياه وسيادتها، لأن ذلك سيعني تبدلاً جذرياً في أمن المنطقة واستقرارها الداخلي.

خامساً: جبل الأكراد وعقدة الإطلالة على المتوسط
يفسر التحليل الأكاديمي لجغرافيا منطقة عفرين (جبل الأكراد) الأسباب العميقة وراء الاستهداف المستمر لهذه المنطقة بالتحديد؛ إذ إن امتداد الوجود الكوردي من جبال زاغروس وصولاً إلى جبل الأكراد يمثل جغرافيا متصلة كانت تقترب خطوة فخطوة من فرض أمر واقع جيو-سياسي بالغ الخطورة على نظام الدول القائمة. لو قُدّر لهذا الامتداد التاريخي أن يلامس مياه خليج إسكندرونة أو السواحل القريبة للبحر الأبيض المتوسط، لحدثت قفزة نوعية تكسر طوق العزلة التاريخية، وتتحول كوردستان من إقليم مخنوق برياً إلى كيان قادر على التصدير والاستيراد الحر دون الخضوع لإملاءات الجيران.
علاوة على ذلك، كان هذا الاتصال سيخلق ما يُعرف بـ "جيوبوليتيك الأنابيب المزدوج"، أي القدرة على ربط نفط وغاز كوردستان العراق بكوردستان سوريا وصولاً للمتوسط، بالتوازي مع التحكم بروافد المياه الإقليمية. بناءً على ذلك، فإن بتر هذا الرابط الجغرافي لم يكن مجرد صراع محلي عابر، بل كان خطوة استراتيجية مدروسة لمنع اكتمال القوس الجغرافي الكوردي ومنعه من تحقيق أي إطلالة بحرية كانت ستقلب قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط رأساً على عقب.

خاتمة واستشراف
في النهاية، يتضح أن غياب الدولة الكوردية ليس نتاج مصادفات تاريخية أو عقوبة سياسية غامضة، بل هو ضرورة هيكلية صلبة فرضتها "معمارية النظام الدولي" والقوانين الباردة للاقتصاد السياسي وعلم الجيوبوليتيك المائي. إن المرتفعات الكوردية، بكونها صمام الأمان المائي لمنطقة تعاني من شح شديد وجفاف متزايد، تجعل من السيطرة عليها مسألة حياة أو موت للدول المحيطة بها. وبالتالي، فإن بقاء الكورد بلا دولة موحدة في هذه البقعة بالتحديد يمثل -من منظور القوى الإقليمية والدولية- ضمانة أساسية للحفاظ على استقرار موازين القوى الراهنة وتأمين تدفقات الموارد الحيوية في أكثر أقاليم العالم حساسية.
++++++++++++++++&&&
المراجع (References)
(1) Al-Ansari, N. (2019). *Hydro Geopolitics of the Tigris and Euphrates*. Recent Researches in Earth and Environmental Sciences, Springer Proceedings in Earth and Environmental Sciences, 35-70.
(2) Harris, L., & Alatout, S. (2013). *Negotiating hydro-scales, forging states: Comparison of the upper Tigris/Euphrates and Jordan River basins*. Department of Community & Environmental Sociology, University of Wisconsin-Madison.
(3) Al Nakhlah (2007). *The Tigris-Euphrates River Basin: Mediating a Path Towards Regional Water Stability*. Tufts University, Fletcher School of Law and Diplomacy.
(4) Bilgen, A. (2018) / Issa, R. et al. (2014). *Turkey s Water Politics and Its Ramifications for Riparian States*. Institute for Security and Analysis (Rep. 2024).



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية: حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- الدستور بوصفه ساحة صراع: النص الدستوري بين ميثاق العدالة وأد ...
- تشريح مفهوم المواطنة المجردة
- كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي شعب واحد في أربع دول — ب ...
- النخب الوطنية وتكريس الخطيئة التأسيسية حين تستعير الدولة الم ...
- الذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- مفهوم المواطنة المجردة الحقوق الفردية بلا اعتراف جماعي — حدو ...
- الخريطة التي غيّرت التاريخ
- مأزق المواطنة المجردة: الدولة القومية في الشرق الأوسط بين ال ...
- الثابت والمتغيّر في تكوين الشعوب: الجينات في مواجهة اللغة وا ...
- أكرم بك جميل باشا الآمدي المناضل القومي الكردي بين السيف وال ...
- قدري جميل باشا بين المنفى والذاكرة: سيرة مناضل كوردي في ضوء ...
- ممدوح سليم وانلي (1897–1976): أحد رواد الحركة القومية الكردي ...
- هل يتجه الصراع الإسرائيلي التركي نحو الانفجار بعد الملف الإي ...
- الكورد في التوراة من ماداي إلى منّي: قراءة في الحضور الكوردي ...
- حين تكلّمت باريس بالكردية مقابلة 1962: باربرو كارابودا وكامر ...
- رسائل أوجلان والمسألة الكردية بين أصالة الخطاب السياسي وإشكا ...
- كوردستان ساحة المعارك أم صانعة المصير؟
- البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت
- إعادة تصنيف حزب العمال الكردستاني: قراءة في توقيت شهادة مايك ...


المزيد.....




- دمشق تعلن اعتقال أحد أبرز ضباط النظام السابق وتكشف علاقته بـ ...
- الأمم المتحدة تحذر من كارثة جديدة تتكشف في مدينة الأبيض السو ...
- دعوات لتوسيع حملة مكافحة الفساد وتطبيق -من أين لك هذا؟-
- جنوب أفريقيا: احتجاجات مناهضة للمهاجرين
- السودان: الأمم المتحدة تنذر بـ-كارثة- تحدق بمدينة الأبيض إحد ...
- وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر ...
- العراق: آلاف من أتباع الصدر يتظاهرون دعما لمسيرة الحكومة في ...
- السودان.. مفوضية اللاجئين تأسف لاستهداف شاحنة تحمل موادا إغا ...
- أزمة المهاجرين في جنوب أفريقيا.. ارتدادات داخلية وإجلاء نيجي ...
- الصدر يدعو إلى دعم حملة الزيدي لمكافحة الفساد ويؤكد: أرعبت ا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - ديناميكيات الجيوسياسة والاقتصاد السياسي: الجيوبوليتيك المائي لمرتفعات كوردستان والصراع الصامت في الشرق الأوسط