أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - لذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية: حين تصبح الثقافة سلاح البقاء















المزيد.....

لذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية: حين تصبح الثقافة سلاح البقاء


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 08:31
المحور: القضية الكردية
    


ا

ليست الذاكرة الجماعية ترفاً ثقافياً أو مجرد استحضارٍ للماضي، بل تمثل الإطار الذي تحفظ من خلاله الشعوب وجودها التاريخي وهويتها الجمعية عندما تُغلق الدولة جميع منافذ الاعتراف الرسمي. ولهذا فإن الثقافة، في المجتمعات التي تعرضت لسياسات الإنكار أو الإقصاء، تتحول من نشاط رمزي إلى وسيلة من وسائل البقاء، ومن تعبير جمالي إلى شكل من أشكال المقاومة المدنية طويلة الأمد.
لقد أثبت تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن الماضي أن سياسات الصهر القومي، مهما امتلكت من أدوات قانونية وإدارية وأمنية، لم تستطع القضاء على الهويات التاريخية الراسخة. فمنذ نشوء الدولة القومية الحديثة، اعتمدت عدة دول منظومات متكاملة هدفت إلى إعادة تشكيل المجال الثقافي وفق هوية رسمية واحدة، شملت تقييد استخدام اللغات المحلية، وتغيير أسماء المدن والقرى، وإعادة كتابة التاريخ الوطني، وإقصاء الروايات الثقافية البديلة من التعليم والإعلام.
غير أن نتائج هذه السياسات جاءت في كثير من الأحيان معاكسة لما كان مأمولاً منها؛ إذ لم تؤدِّ إلى ذوبان الهويات، بل ساهمت في تعزيزها. ويعود ذلك إلى أن الهوية الجماعية لا تُختزل في المؤسسات الرسمية، وإنما تتجسد في اللغة الشفوية، والأسرة، والذاكرة الشعبية، والأغنية، والأمثال، والطقوس، والأدب، والعلاقات الاجتماعية اليومية. فالذاكرة ليست وثيقة محفوظة في أرشيف الدولة، وإنما خبرة اجتماعية تتناقلها الأجيال باستمرار.
الشعر بوصفه أرشيفاً للهوية
يمثل الشعر الكوردي نموذجاً واضحاً لهذا الدور الثقافي. فقد أدى، عبر قرون طويلة، وظيفة حفظ التاريخ واللغة والوجدان الجمعي في ظل غياب المؤسسات التعليمية الوطنية. ولذلك لم يكن الشعر مجرد إنتاج أدبي، بل تحول إلى وسيلة لنقل الذاكرة الجمعية عندما غابت الصحافة والمدرسة والجامعة باللغة الكوردية.
ويحتل الشاعر أحمد خاني مكانة مركزية في هذا السياق؛ إذ لم تكن ملحمته "مم وزين" مجرد قصة حب، بل حملت رؤية مبكرة حول الوحدة الكوردية وغياب الكيان السياسي الجامع، لتصبح أحد النصوص المؤسسة في الوعي الثقافي الكوردي.
وفي القرن العشرين، واصل شعراء الكورد في العراق وتركيا وإيران وسوريا هذا الدور، رغم اختلاف البيئات السياسية. وفي سوريا تحديداً، برزت أسماء مثل جكرخوين، وعثمان صبري، وقدري جان، وتيريج، الذين حافظوا على اللغة الكوردية في ظروف اتسمت بتضييق المجال الثقافي، لتتحول القصيدة إلى وعاء للذاكرة الوطنية أكثر منها نصاً أدبياً فحسب.
لقد كان الشعر، في هذا السياق، بمثابة "صحيفة سرية" تتناقلها الأجيال، وتحفظ ما عجزت الوثائق الرسمية عن الاعتراف به.
الموسيقى: الذاكرة التي تعبر الحدود
إذا كان الشعر يحفظ المعنى، فإن الموسيقى تحفظ الشعور الجمعي. فالأغنية الشعبية الكوردية أدت دوراً محورياً في صيانة اللغة والذاكرة، خاصة في البيئات التي تعرض فيها التعليم باللغة الأم للتقييد.
ولم تقتصر أهمية الموسيقى على بعدها الفني، بل أصبحت وسيلة لحفظ أسماء القرى والمناطق، ونقل الروايات التاريخية، وترسيخ الإحساس بالانتماء المشترك عبر الحدود السياسية التي قسمت الجغرافيا الكوردية.
وقد لعب فنانون كبار، مثل شفان برور ومحمد شيخو وأخرون، دوراً تجاوز المجال الفني ليصبح جزءاً من بناء الوعي الجمعي، وهو ما يفسر تعرض أعمالهم في فترات مختلفة للمنع أو التضييق، إدراكاً من السلطات للدور الذي تؤديه الثقافة في تشكيل الهوية.
الأدب بوصفه أرشيفاً موازياً للتاريخ
شهد الأدب الكوردي خلال العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً، خاصة في الرواية والقصة والمسرح، وأصبح وسيلة لإعادة قراءة التاريخ من منظور المجتمع نفسه.
تناولت الأعمال الأدبية أحداثاً كبرى مثل الأنفال وحلبجة، ودرسيم، ومهاباد، وإحصاء عام 1962 في سوريا، وغيرها من المحطات التي بقيت خارج السرديات الرسمية. وهكذا أدى الأدب وظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة وثيقة ثقافية، ومن جهة أخرى أرشيف اجتماعي يحفظ الذاكرة عندما تغيب العدالة أو يتعذر الاعتراف الرسمي.
ويبرز في هذا السياق الروائي الكوردي بختيار علي، الذي أسهمت أعماله المترجمة إلى لغات متعددة في تعريف العالم بالثقافة الكوردية بعيداً عن الخطاب السياسي المباشر، مؤكداً أن الأدب يمتلك قدرة على بناء التعاطف الإنساني تتجاوز كثيراً قدرة الخطاب الأيديولوجي.
الطقوس الجماعية واستمرارية الزمن الثقافي
تمثل الأعياد والطقوس الشعبية أحد أهم عناصر استمرارية الهوية. ويأتي عيد نوروز في مقدمة هذه الرموز، إذ تحول من مناسبة موسمية إلى تعبير عن الاستمرار التاريخي والإصرار على الوجود.
وقد أظهرت التجربة أن محاولات تقييد الاحتفال بهذا العيد في بعض الفترات لم تؤدِّ إلى تراجعه، بل أسهمت في تعميق رمزيته، ليصبح الاحتفال به فعلاً ثقافياً يحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية في آن واحد.
وينطبق الأمر ذاته على الرقصات الشعبية واللباس التقليدي والمناسبات الاجتماعية، التي تؤدي جميعها وظيفة إعادة إنتاج الهوية بصورة دورية داخل المجتمع.
الفضاء الرقمي وإعادة تشكيل الهوية
أحدثت الثورة الرقمية تحولاً نوعياً في علاقة الشعوب بهويتها. فقد أتاح الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للمجتمعات الكوردية، ولغيرها من الشعوب الأصيلة، تجاوز القيود الجغرافية والإدارية، وإعادة بناء فضاء ثقافي مشترك عابر للحدود.
أصبح بإمكان الشباب في آمد ( ديار بكر)، وقامشلو، ومهاباد، والسليمانية التواصل بلغتهم الأم، وتبادل الإنتاج الثقافي، ومناقشة قضاياهم بصورة مباشرة، الأمر الذي أسهم في نشوء وعي جمعي أكثر ترابطاً مما كان متاحاً للأجيال السابقة.
وفي المقابل، دفعت هذه التحولات بعض الدول إلى تشديد الرقابة الرقمية وملاحقة الناشطين الإلكترونيين، في مؤشر على إدراكها المتزايد للدور الذي أصبح يؤديه الفضاء الرقمي في إعادة إنتاج الهوية.
تجارب مقارنة
لا تقتصر ظاهرة المقاومة الثقافية على الكورد وحدهم، بل تمتد إلى العديد من الشعوب الأصيلة في المنطقة.
فالأرمن حافظوا على هويتهم بعد إبادة عام 1915 من خلال الكنائس والمدارس والجاليات المنتشرة في المهجر، بينما واصل اللاز حماية لغتهم وموسيقاهم رغم تقلص المجال العام لاستخدامها، في حين نجح الأمازيغ، عبر نضال ثقافي طويل، في تحويل المطالب اللغوية والثقافية إلى إصلاحات دستورية و مؤسساتية في عدد من الدول.
وتؤكد هذه التجارب أن الثقافة ليست هامشاً للعمل السياسي، بل قد تكون في كثير من الأحيان مقدمة له.
بين الذاكرة وسياسات الإنكار
تكشف الخبرات المقارنة أن العلاقة بين الدولة المركزية والذاكرة الجماعية ليست علاقة ثابتة، وإنما هي علاقة جدلية. فكلما ازداد الضغط على الهوية، ازدادت المجتمعات تمسكاً بعناصرها الثقافية.
وتنسجم هذه النتيجة مع ما تشير إليه دراسات علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي، التي ترى أن محاولات محو الهوية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يتحول القمع إلى عامل تعبئة، وتتحول الثقافة إلى وسيلة مقاومة.
ومن هنا تبدو سياسات الصهر القومي محدودة الفاعلية على المدى الطويل؛ لأنها تتعامل مع الهوية باعتبارها ظاهرة يمكن إلغاؤها بالقانون، بينما هي في حقيقتها منظومة اجتماعية وثقافية تعيد إنتاج نفسها باستمرار.
خاتمة
إن التجربة التاريخية لشعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، تؤكد أن الثقافة ليست بديلاً عن السياسة، لكنها الشرط الضروري لاستمرار المجتمع عندما تتعطل السياسة. فاللغة، والأدب، والشعر، والموسيقى، والذاكرة، والطقوس الجماعية، ليست مجرد موروثات رمزية، وإنما أدوات تحفظ الاستمرارية التاريخية للشعوب.
ومن ثم، فإن الاعتراف بالتعددية الثقافية لا ينبغي النظر إليه باعتباره تنازلاً سياسياً، بل بوصفه استثماراً في الاستقرار الوطني. فالدول التي تستوعب تنوعها الثقافي تمتلك فرصاً أكبر لبناء مواطنة جامعة، بينما تؤدي سياسات الإنكار إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
لقد أثبت التاريخ أن الهوية لا تُمحى بالقوة، وأن الذاكرة لا تُلغى بالقرارات الإدارية، وأن الثقافة، حين تُحاصر، تتحول إلى أكثر وسائل البقاء فاعلية. ولذلك فإن مستقبل المجتمعات المتعددة لا يُبنى على إنكار اختلافاتها، وإنما على الاعتراف بها وإدماجها في مشروع وطني جامع، يكون فيه التنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدستور بوصفه ساحة صراع: النص الدستوري بين ميثاق العدالة وأد ...
- تشريح مفهوم المواطنة المجردة
- كوردستان الجغرافية والتقسيم السياسي شعب واحد في أربع دول — ب ...
- النخب الوطنية وتكريس الخطيئة التأسيسية حين تستعير الدولة الم ...
- الذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- مفهوم المواطنة المجردة الحقوق الفردية بلا اعتراف جماعي — حدو ...
- الخريطة التي غيّرت التاريخ
- مأزق المواطنة المجردة: الدولة القومية في الشرق الأوسط بين ال ...
- الثابت والمتغيّر في تكوين الشعوب: الجينات في مواجهة اللغة وا ...
- أكرم بك جميل باشا الآمدي المناضل القومي الكردي بين السيف وال ...
- قدري جميل باشا بين المنفى والذاكرة: سيرة مناضل كوردي في ضوء ...
- ممدوح سليم وانلي (1897–1976): أحد رواد الحركة القومية الكردي ...
- هل يتجه الصراع الإسرائيلي التركي نحو الانفجار بعد الملف الإي ...
- الكورد في التوراة من ماداي إلى منّي: قراءة في الحضور الكوردي ...
- حين تكلّمت باريس بالكردية مقابلة 1962: باربرو كارابودا وكامر ...
- رسائل أوجلان والمسألة الكردية بين أصالة الخطاب السياسي وإشكا ...
- كوردستان ساحة المعارك أم صانعة المصير؟
- البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت
- إعادة تصنيف حزب العمال الكردستاني: قراءة في توقيت شهادة مايك ...
- السلام الدائم لا يُبنى بالوصاية: قراءة تحليلية في مسارات تحر ...


المزيد.....




- -هند رجب- تطالب باعتقال بن غفير فور وصوله إلى نيويورك
- العراق.. توقيف 67 متهما بحملة أمنية والزيدي يؤكد المضي في مك ...
- تساقطوا مثل قطع الدومينو.. ماذا بعد اعتقال حيتان الفساد في ا ...
- تونس وإيطاليا تواجهان ليبيا أمام الأمم المتحدة بشأن المنطقة ...
- سوريا تدين الاعتداءات الإسرائيلية وتدعو الأمم المتحدة لوقف خ ...
- -السكوت لم يعد ممكنًا-.. رئيس وزراء العراق يتوعد بعد -اعتقال ...
- سوريا تدين الاعتداءات الإسرائيلية وتدعو الأمم المتحدة لوقف خ ...
- الأمم المتحدة: دعم القضاء العراقي في مكافحة الفساد واسترداد ...
- رسائل مشفرة.. هل تستهدف اعتقالات العراق تفكيك شبكات التهريب ...
- صحفي يروي فصول التعذيب بعد نجاته من سجون الإحتلال!


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - لذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية: حين تصبح الثقافة سلاح البقاء