مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 19:10
المحور:
القضية الكردية
ملخص
يتناول هذا المقال الإشكالية المحورية في نقاش الإصلاح الدستوري بالشرق الأوسط: لماذا يظل التحوّل نحو الاعتراف بالتعدد القومي والإثني — وفي القلب منه القضية الكوردية — متعثراً رغم توفر السند القانوني الدولي والتجارب المقارنة الناجحة؟ يقدّم المقال تحليلاً بنيوياً لأربع طبقات من العقبات: النخبوية، والمؤسسية، والإقليمية، والمجتمعية، ثم ينتقل إلى تحديد الشروط التاريخية والاستراتيجية التي جعلت التحوّل ممكناً في سياقات مقارنة (إسبانيا، جنوب أفريقيا)، قبل أن يختم بمقاربة نقدية لدور المجتمع المدني الكوردي وموقع المتغير السوري الراهن ضمن هذه المعادلة. يخلص المقال إلى أن الواقعية التحليلية لا تعني الاستسلام لحتمية العقبات، بل بناء استراتيجية تغيير تُدرك كلفة الإنكار وتعمل على رفعها بالوسائل المشروعة.
الكلمات المفتاحية: الإصلاح الدستوري، التعددية القومية، القضية الكوردية، الدولة العميقة، الانتقال الديمقراطي، سوريا ما بعد الأسد.
مقدمة: إشكالية تعثّر التغيير
يفترض كثير من الأدبيات الإصلاحية أن كفاية الحجة القانونية والأخلاقية — المدعومة بالقانون الدولي وبتجارب دول أخرى نجحت في إدارة تعددها — كافية لإحداث التحوّل السياسي المنشود. غير أن هذا الافتراض يصطدم بواقع أن دول الشرق الأوسط، وفي مقدمتها تركيا وإيران والعراق وسوريا، ظلت لعقود حبيسة نموذج الدولة القومية الأحادية رغم اتساع الفجوة بين هذا النموذج وحقائق التنوع الإثني والثقافي فيها.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مغايرة: إن فهم عقبات التحوّل ليس فعل تشاؤم أو تبريراً لاستمرار الوضع القائم، بل هو الشرط المعرفي الأول لبناء استراتيجية تغيير قابلة للتطبيق. فالاستراتيجية التي تتجاهل بنية العوائق الفعلية تبقى استراتيجية أمنيات، بينما الاستراتيجية التي تُحلّل هذه العوائق بدقة هي وحدها القادرة على استهداف نقاط الضعف الحقيقية في النظام القائم.
سنعرض في القسمين الأولين البنية الرباعية للعقبات (نخبوية، مؤسسية، إقليمية، مجتمعية)، ثم ننتقل إلى الشروط التاريخية للتحوّل، فدور المجتمع المدني الكوردي، ثم موقع المتغير السوري الراهن كاختبار حي لهذه الفرضيات.
أولاً: العقبة النخبوية — اقتصاد الخوف من تقاسم السلطة
تمثّل النخب الحاكمة العائق الأول والأكثر مباشرة أمام أي إصلاح دستوري جوهري، لسببين متداخلين:
1. أزمة الشرعية: استمدت هذه النخب شرعيتها التاريخية من خطاب قومي أحادي بنى علاقة عضوية بين هوية الدولة وهوية الجماعة المهيمنة. وأي تخلٍّ عن هذا الخطاب يُعرّض شرعيتها التأسيسية ذاتها للتساؤل، لا مجرد سياساتها الجارية.
2. الاقتصاد السياسي للريع: الأعمق من الخوف على الشرعية هو الخوف على الموارد. ففي اقتصادات ريعية كالعراق وإيران، حيث النفط مصدر الثروة الأساسي، يتحوّل الاعتراف بحقوق الشعوب الأصيلة في مواردها الطبيعية إلى تهديد مادي مباشر لبنية نفوذ النخب المركزية — لا إلى مجرد قضية رمزية أو هوياتية.
يضاف إلى هذين العاملين ما يمكن تسميته "فخ الانتصار القومي": النخب التي بنت شرعيتها التاريخية على رواية الكفاح ضد التفتيت والدفاع عن الوحدة الوطنية تجد في أي تراجع عن هذا الموقف ما يبدو خيانةً لإرثها التأسيسي. وهو فخ لا يُكسر إلا بقيادة سياسية استثنائية قادرة على إعادة تأطير الاعتراف بالتعدد بوصفه استكمالاً للمشروع الوطني، لا تراجعاً عنه.
"النخب التي بنت شرعيتها على الوحدة القسرية تجد في الاعتراف بالتعدد تهديداً وجودياً لها. التغيير لن يأتي منها بل سيأتي رغمها أو حين تجد أن تكلفة الاستمرار أعلى من تكلفة التحوّل." — مروان فلو
ثانياً: العقبة المؤسسية — الدولة العميقة كمقاومة بنيوية
حتى حين تتوفر إرادة سياسية نخبوية صادقة للإصلاح، تصطدم بمقاومة مؤسسات تأسست وتطوّرت في إطار الدولة القومية الأحادية. الجيوش والأجهزة الأمنية والقضاء والبيروقراطية تُشكّل معاً ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" ذات المصلحة المؤسسية الراسخة في استمرار النموذج القائم، بصرف النظر عن توجهات الحكومة المنتخبة.
الحالة التركية: أثبتت محاولات الانفتاح المتكررة على الملف الكوردي أن المؤسسة العسكرية والأمنية تمتلك قدرة فعلية على عرقلة أي تسوية سياسية تراها تهديداً لمفهومها عن وحدة الدولة.
الحالة الإيرانية: يُشكّل الحرس الثوري قوة مؤسسية تتجاوز سلطة الحكومة المنتخبة، وترفض بصورة منهجية أي اعتراف بالخصوصية الكوردية باعتباره تهديداً لمبدأ ولاية الفقيه.
النقطة المنهجية الأهم هنا: "الدولة العميقة" لا تعمل دوماً في الظل، بل غالباً ما تمتلك خطاباً علنياً مقبولاً اجتماعياً يستند إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة التدخل الأجنبي. وهذا يفرض على أي استراتيجية إصلاح جادة أن تُعالج إصلاح المؤسسات الأمنية ومنظومتها المفاهيمية بالتوازي مع الإصلاح الدستوري، لا أن تفترض تبعية تلقائية للمؤسسات للإرادة السياسية المعلنة.
ثالثاً: العقبة الإقليمية — تضامن دول الإنكار وانتقائية الحلفاء
تواجه أي محاولة إصلاح داخلي ضغطاً إقليمياً متبادلاً من دول الجوار التي ترى في الاعتراف بالهوية الكوردية سابقةً خطيرة تهدد استقرارها الداخلي. تشترك تركيا وإيران وسوريا في مصلحة استراتيجية موضوعية — رغم اختلاف أنظمتها وأيديولوجياتها — في منع ظهور أي نموذج ناجح للحقوق الكوردية، خشية أن يُقوّي الحجة الكوردية داخل حدودها.
تجلّى هذا التضامن بوضوح في المواقف المشتركة تجاه تجربة الإدارة الذاتية في شمال سوريا، حيث اجتمعت تركيا والحكومة السورية وإيران والعراق على رفضها أو التحفظ عليها، رغم تباين مواقف هذه الأطراف من بعضها البعض في كل ملف آخر تقريباً.
يزيد من تعقيد هذا البعد توظيف القضية الكوردية ورقةً في التوازنات الجيوسياسية الدولية؛ فالقوى الكبرى — الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية — تتعامل مع الكورد بانتقائية واضحة تخضع لحسابات المصلحة الاستراتيجية اللحظية لا لمبدأ ثابت في حقوق الإنسان. وهذا يُضعف الثقة الكوردية بالضمانات الدولية ويُرسّخ الشعور بأن مصير القضية مرهون بتوازنات جيوسياسية متقلبة أكثر من ارتكازه على أساس حقوقي صلب.
"الكورد يُحاصَرون بتضامن الدول التي تُنكرهم، ويُخذلون بانتقائية الدول التي تدّعي دعمهم. هذا هو الواقع الجيوسياسي الذي لا تنفع معه الأوهام." — مروان فلو
رابعاً: العقبة المجتمعية — الخوف الصادق والهويات المتداخلة
لا تكتمل صورة العقبات دون البعد المجتمعي، الذي كثيراً ما يُختزل في النقاش السياسي إلى مجرد "تعبئة نخبوية". فجزء واسع من المقاومة المجتمعية لأي إصلاح دستوري تعددي يصدر عن مخاوف صادقة، لا عن نفاق أو تلاعب مقصود، وهي في جوهرها استجابة عاطفية لهويات وطنية تشكّلت عبر عقود من التنشئة القومية.
في تركيا، أنتج الخطاب القومي أجيالاً من المواطنين يعتقدون بصدق أن الاعتراف بالهوية الكوردية يُهدد وحدة بلادهم.
في سوريا والعراق، أنتجت عقود من التعليم القومي العروبي مواطنين يرون في الفيدرالية الكوردية مشروع تقسيم.
هذه القناعات، وإن كانت مبنية على سردية تاريخية أحادية، تُشكّل قيداً ديمقراطياً حقيقياً على أي نخبة مُصلحة، لا مجرد عقبة دعائية يمكن تجاوزها بالتوعية وحدها.
يُضاف إلى ذلك تحدٍّ بنيوي آخر: ظاهرة الهويات المتداخلة. فالكوردي الذي نشأ في مدينة عربية، وتزوّج بعربية، ويُتقن العربية أكثر من الكوردية، يجد نفسه في وضع هوياتي مركّب لا تستوعبه جيداً نماذج الاعتراف القائمة على حدود إثنية صارمة. وهذا يفرض على أي نموذج مقترح للاعتراف بالتعدد مرونةً كافية لاستيعاب التداخل والانتماء المزدوج، بدل فرض تصنيفات هوياتية جامدة.
خامساً: شروط التحوّل — متى يصبح الإصلاح ممكناً؟
رغم ثقل هذه العقبات الأربع، تُثبت التجارب المقارنة أن التحوّل نحو الاعتراف بالتعدد حدث في سياقات بالغة الصعوبة، حين توفرت أربعة شروط مجتمعة أو متتابعة:
لحظة الأزمة التأسيسية: أكثر التحولات الدستورية الجذرية تاريخياً وقعت في أعقاب أزمات كبرى — انهيار الديكتاتورية في إسبانيا، نهاية الحرب الأهلية في جنوب أفريقيا، انهيار النظام الاستبدادي في العراق بعد 2003. والشرق الأوسط اليوم، في حالة اضطراب مزمن، قد يُتيح في مراحل معينة فرصاً مماثلة لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي.
نخبة إصلاحية شجاعة: الزعماء الذين أنجحوا تحولات كبرى — من مانديلا إلى سواريس — امتلكوا قدرة على إقناع مجتمعاتهم بأن الاعتراف بالآخر يُقوّي الوطن لا يُضعفه. هذا النوع من القيادة نادر لكنه ليس مستحيلاً.
الضغط المجتمعي المنظّم والمستدام: التغيير التاريخي لم يأتِ يوماً كهبة من فوق، بل جاء دائماً استجابة لضغط من الأسفل. الحركات المدنية الكوردية والأمازيغية واللازية، رغم القمع، تُراكم رصيداً ضاغطاً يصعب تجاهله على المدى الطويل.
الضغط الدولي المتسق وغير الانتقائي: أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن العزل الدولي المنتظم — لا المتذبذب بحسابات جيوسياسية — يمكن أن يُعجّل التحوّل. وتحقيق هذا الاتساق يستلزم عملاً دبلوماسياً منظّماً من منظمات المجتمع المدني الكوردية وحلفائها الدوليين.
"التغيير لا يأتي حين تصبح النخب طيّبة، بل حين يصبح الاستمرار في الإنكار أكثر كلفةً من الاعتراف. مهمة حركات الحقوق هي رفع هذه الكلفة باستمرار." — مروان فلو
سادساً: المجتمع المدني الكوردي — من انتظار التغيير إلى صناعة شروطه
في ضوء التحليل السابق، يبرز دور المجتمع المدني الكوردي — منظمات حقوق الإنسان، المؤسسات الثقافية، الأكاديميون، المثقفون، الناشطون الرقميون — باعتباره فاعلاً استراتيجياً لا ينتظر التغيير من الدولة، بل يعمل على صناعة شروطه المسبقة.
يحتاج الخطاب الكوردي الموجَّه للرأي العام الدولي والإقليمي إلى استراتيجية واضحة تُميّز بدقة بين المطالب الحقوقية المشروعة وأي ارتباط بخطاب عنفي أو انفصالي يمنح الدول ذريعة جاهزة للرفض. كما أن بناء تحالفات ثلاثية المسار — مع حركات حقوق الإنسان العالمية، ومع الجاليات الكوردية في المهجر ذات التأثير السياسي في الدول الغربية، ومع أكاديميين ومثقفين من داخل دول الإنكار ذاتها يرفضون الخطاب القومي الأحادي — يُشكّل استراتيجية ضغط متعددة المسارات ومُركّبة.
ويمثّل الفضاء الرقمي أداة غير مسبوقة تاريخياً: القدرة على توحيد الخطاب الكوردي عبر الحدود الأربع، والوصول المباشر إلى الرأي العام العالمي متجاوزاً الفلاتر الإعلامية للدول المعنية. وتوظيف هذه الأداة باحترافية وانضباط سردي يُمثّل فرصة استراتيجية لا ينبغي إهدارها.
سابعاً: المتغير السوري — فرصة أم مأزق إضافي؟
يستحق المتغير السوري وقفة خاصة لما يمثّله من حالة انتقالية بالغة التعقيد، يتشابك فيها السؤال الكوردي مع إعادة بناء الدولة السورية برمّتها. فانهيار النظام البعثي بعد عقود من الإنكار الكوردي المنهجي فتح فضاءً سياسياً جديداً، لكنه فتح في الوقت ذاته مساحة تنافس بين مشاريع متعددة تتصارع على تعريف سوريا ما بعد الأسد.
تمثّل تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، رغم هشاشتها وعدم اعترافها الدولي، نموذجاً حياً لما يمكن أن يكون عليه الاعتراف بالتعدد في سياق سوري. غير أن الضغوط التركية، والمخاوف العربية من نموذج فيدرالي كوردي، والتوترات الداخلية داخل الإدارة الذاتية نفسها، تجعل مصير هذه التجربة رهيناً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة أكثر من ارتكازه على منطقه الداخلي الخاص.
يبقى السؤال الاستراتيجي المركزي مفتوحاً: هل يمكن توظيف هذه اللحظة الانتقالية لبناء توافق وطني سوري على دستور تعددي يعترف بالكورد شريكاً مؤسّساً لا ضيفاً مقبولاً؟ الإجابة تتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين الكورد على بناء تحالفات مع شركاء سوريين آخرين يُدركون أن سوريا المستقرة لا يمكن أن تُبنى على إقصاء خُمس سكانها.
خاتمة: التفاؤل الواقعي لا الوهم
عقبات التحوّل نحو الاعتراف بالتعدد في الشرق الأوسط حقيقية وثقيلة على أربعة مستويات متداخلة، وأي رؤية إصلاحية تتجاهلها تبني على وهم. غير أن الواقعية التحليلية لا تعني الاستسلام لهذه العقبات بوصفها قدراً حتمياً، بل تعني بناء استراتيجيات تغيير تأخذها بعين الاعتبار وتعمل ضمن حدودها لا خارجها.
وما يُبرّر التفاؤل الواقعي — لا المتفائل بالأماني، بل المتفائل بتحليل الواقع — هو أن المنطق ذاته الذي جعل التحوّل ممكناً في إسبانيا وجنوب أفريقيا والمغرب لا يغيب عن الشرق الأوسط: حين تصبح كلفة الإنكار أعلى من كلفة الاعتراف، يحدث التغيير. ومهمة كل من يؤمن بعدالة هذه القضية هي المساهمة في رفع هذه الكلفة بكل الوسائل المشروعة المتاحة.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟