مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 19:56
المحور:
القضية الكردية
تمهيد: من التشخيص إلى الوصفة
يطرح هذا المقال محاولةً للانتقال من تشخيص أزمة الاعتراف بالتعدد القومي في دول الشرق الأوسط — وتحديداً في تركيا وسوريا والعراق وإيران — إلى صياغة خارطة طريق عملية نحو ما يمكن تسميته "المواطنة التعددية". وهذه الخارطة ليست وصفة جاهزة تُستنسخ في كل سياق، بل منظومة مبادئ وأدوات مرتبة في تسلسل منطقي، قابلة للتكييف مع الخصوصية التاريخية والسياسية لكل دولة.
تقوم هذه الرؤية على أربعة مسارات متوازية، لا متعاقبة: المسار الدستوري والتشريعي الذي يُرسي الإطار القانوني، والمسار السياسي والمؤسسي الذي يُجسّده في بنى الحكم، والمسار التعليمي والثقافي الذي يُرسّخه في الوجدان الجماعي، والمسار الاقتصادي الذي يُترجمه إلى عدالة توزيعية فعلية. وغياب أي من هذه المسارات يُفرغ المشروع من مضمونه ويُعرّضه لخطر الانهيار أو التحول إلى شعارات بلا أثر.
أولاً: المسار الدستوري — إعادة كتابة العقد التأسيسي
يبدأ الإصلاح الدستوري بمراجعة الديباجة والمواد التعريفية بحيث تعكس الطابع التعددي للدولة، عبر استبدال الصيغ التي تُعرّف الدولة بهوية أحادية — كـ"الدولة العربية" أو "الدولة التركية" — بصيغ تُعرّفها بمواطنيها جميعاً، أسوةً بالنموذج الجنوب أفريقي الذي عرّف الدولة بقيمها الجامعة لا بإثنية بعينها.
وعلى الصعيد اللغوي، تقترح هذه الرؤية اعتماد الكوردية لغةً رسمية ثانية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية في كل دولة من الدول الأربع، مع ضمان استخدامها في التعليم والقضاء والإدارة المحلية. ولا يعني هذا الاعتراف إلغاء اللغة الرسمية الأولى، بل إضافة لغة رسمية ثانية على غرار تجارب كندا وسويسرا وجنوب أفريقيا.
كما تقترح إدراج مادة دستورية صريحة تحظر التمييز على أساس الانتماء الإثني أو اللغوي، وإنشاء آلية دستورية للتشاور مع ممثلي المكوّنات التاريخية في أي تعديل يمسّ حقوقهم، إلى جانب مادة تُقرّ صراحةً بالحقوق الجماعية للشعوب الأصيلة انسجاماً مع إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية لعام 2007.
"الدستور التعددي لا يُضعف الدولة بل يُوسّع قاعدة ولائها؛ فحين يرى كل مواطن نفسه في نص الدستور، يُصبح الدستور ملكه لا وثيقة فُرضت عليه."
ثانياً: المسار التشريعي — قوانين تُجسّد الاعتراف
لا يكفي الاعتراف الدستوري ما لم يُترجَم إلى منظومة تشريعية تفصيلية. وأبرز ما تقترحه هذه الرؤية هو قانون للغات الرسمية يُحدد آليات استخدام الكوردية في مؤسسات الدولة، وقانون للتعليم متعدد اللغات يُلزم بتوفير التعليم باللغة الأم في المراحل الابتدائية على الأقل، وقانون للإعلام العام يُخصّص نسبةً من وقت البث الحكومي للمحتوى الكوردي.
وعلى الصعيد الإداري، يُقترح قانون للإدارة المحلية الموسّعة يمنح المجالس المحلية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية صلاحيات فعلية في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والأمن المحلي، مع حصة عادلة من الموازنة العامة وفق معيار ديموغرافي شفاف — وهو ما يُشكّل خطوة وسطى بين المركزية المطلقة والفيدرالية الكاملة، قابلة للتطبيق حتى في الدول التي ترفض مبدأ الفيدرالية.
كما تقترح هذه الخارطة تشريعاً لمعالجة إرث التمييز التاريخي، يشمل إلغاء المراسيم التمييزية كمرسوم نزع الجنسية السوري لعام 1962، وإعادة الأسماء الجغرافية الكوردية الأصلية إلى المدن والقرى التي غُيّرت أسماؤها، وإنشاء لجنة وطنية للحقيقة والمصالحة لتوثيق الانتهاكات وتقديم توصيات بالتعويض.
ثالثاً: المسار المؤسسي — هياكل حكم تعكس التعدد
يُعالج هذا المسار البنى المؤسسية التي تُجسّد التعدد في الحياة السياسية اليومية، وأبرز مقترحاته إنشاء مجلس قومي أعلى للشعوب الأصيلة يُمثّل الكورد والأرمن واللاز والأمازيغ وغيرهم، بصلاحيات استشارية ملزمة في القرارات التي تمسّهم مباشرة.
وعلى صعيد القضاء، يُقترح إصلاح آلية تعيين قضاة المحكمة الدستورية بحيث تعكس تركيبتها التعدد القومي، وإنشاء دوائر قضائية متخصصة بقضايا انتهاك الحقوق اللغوية والثقافية، إلى جانب مفوضية مستقلة لحقوق المكوّنات تتولى رصد التطبيق وإصدار تقارير دورية علنية.
أما فيما يخص المؤسسة الأمنية، بوصفها عقبة مؤسسية محورية، فيُقترح إصلاح تدريجي يشمل إدراج التدريب على مفاهيم التعددية الثقافية والحقوق الجماعية في مناهج الأكاديميات الأمنية والعسكرية، وزيادة التمثيل الكوردي في الأجهزة الأمنية المحلية بالمناطق ذات الأغلبية الكوردية.
رابعاً: المسار التعليمي والثقافي — إعادة بناء الوجدان الجماعي
هذا المسار هو الأطول أمداً والأعمق أثراً. فتغيير البنى الدستورية والمؤسسية ضروري، لكنه غير كافٍ ما لم يُرافقه تحوّل في الوعي الجماعي يُكسب الجيل الجديد ثقافة الاعتراف المتبادل بدلاً من ثقافة الإنكار.
وتشمل مقترحاته مراجعة شاملة للمناهج الدراسية بحيث تُدرج تاريخ الكورد وحضارتهم وإسهاماتهم بوصفها جزءاً أصيلاً من الرواية الوطنية لا هامشاً طارئاً عليها، وتأسيس مراكز بحثية وأقسام جامعية متخصصة في الدراسات الكوردية في الجامعات الحكومية، أسوةً بما أُنجز في بعض الجامعات الأوروبية وجامعات إقليم كردستان.
وعلى الصعيد الثقافي، يُقترح دعم الإنتاج الثقافي الكوردي — الأدب والسينما والمسرح والموسيقى — من الميزانيات الحكومية على قدم المساواة مع الإنتاج باللغات الرسمية الأخرى، والاحتفاء بالأعياد الكوردية كالنوروز في التقويم الوطني الرسمي بوصفها إرثاً مشتركاً لجميع المواطنين.
"الجيل الذي يتعلم في المدرسة أن الكورد شركاء في تاريخ وطنه لا تهديد لوحدته، هو الجيل الذي سيُصوّت لصالح الاعتراف ويحمي الدستور التعددي من التراجع."
خامساً: المسار الاقتصادي — العدالة التوزيعية شرط الاستقرار
لا تكتمل هذه الخارطة دون مسار اقتصادي يُعالج الفوارق التنموية التاريخية الناتجة عن عقود من التهميش المتعمد. ويُقترح اعتماد معيار ديموغرافي شفاف لتوزيع الاستثمار العام، بحيث تحصل المناطق الكوردية على نصيبها العادل وفق عدد سكانها لا وفق معيار الولاء السياسي.
وفي الدول النفطية كالعراق وإيران، يُشكّل توزيع عائدات الموارد الطبيعية مسألةً محورية في أي عقد اجتماعي عادل، إذ يُقترح إقرار حق الشعوب الأصيلة في نسبة عادلة من عائدات الموارد المستخرجة من أراضيها التاريخية، أسوةً بما أقرّه دستور العراق لعام 2005 لإقليم كردستان، مع توسيع هذا المبدأ ليشمل المناطق الكوردية خارج حدود الإقليم الرسمي.
كما يُقترح إنشاء صندوق تنمية خاص للمناطق التي عانت من التهجير القسري وسياسات التعريب والتفريغ الديموغرافي، لتمويل إعادة الإعمار وبرامج عودة المهجّرين وتعويض المتضررين من مصادرة الأراضي.
سادساً: دور الكورد أنفسهم في صياغة النموذج البديل
لا تُوجَّه هذه الخارطة إلى الدول المعنية بالاعتراف وحدها، بل إلى الحركة السياسية والمدنية الكوردية بوصفها فاعلاً محورياً في صياغة النموذج البديل لا متلقياً سلبياً لقرارات الآخرين.
وأبرز ما تحتاجه هذه الحركة هو توحيد الخطاب السياسي عبر الحدود الأربع حول مطالب الحد الأدنى الجامع: الاعتراف الدستوري باللغة والهوية والحقوق الثقافية، والحكم الذاتي المحلي في مناطق الأغلبية الكوردية، والعدالة الاقتصادية في توزيع الموارد. وهذه المطالب الثلاثة تُشكّل قاسماً مشتركاً بين مختلف التوجهات السياسية الكوردية، وتُفرز خطاباً أقل قابليةً للتفكيك من الخطابات القصوى.
كما تحتاج الحركة الكوردية إلى بناء تحالفات استراتيجية مع الشركاء الذين يُدركون أن استقرار الشرق الأوسط مشروط بمعالجة السؤال الكوردي: الليبراليون العرب الرافضون لنموذج الدولة القومية الأحادية، والحركات الديمقراطية في تركيا وإيران التي تُدرك أن الديمقراطية لا تقوم على إقصاء خُمس المواطنين، والمجتمعات الأكاديمية والحقوقية الدولية التي تضطلع بتوثيق الانتهاكات وتعزيز شرعية المطالب.
"الكورد ليسوا ضحايا ينتظرون الإنقاذ، بل فاعلون يصنعون مستقبلهم. والمطالبة بالحقوق لا تكون فعّالة إلا حين تكون مُنظَّمة وذات خطاب واضح وتحالفات استراتيجية حقيقية."
سابعاً: التسلسل الزمني المقترح — مراحل لا قفزات
تطبيق جميع هذه المقترحات دفعةً واحدة أمر غير واقعي؛ فاستراتيجية التغيير الناجحة تقوم على تسلسل زمني منطقي يُراكم المكاسب ويُعزّز الثقة تدريجياً، عبر ثلاث مراحل متعاقبة:
المرحلة الأولى (سنة إلى ثلاث سنوات) — الاعتراف المبدئي: إلغاء القوانين والمراسيم التمييزية الصريحة، الاعتراف الرسمي بالأعياد الثقافية الكوردية، السماح بالتعليم الكوردي الخاص، وفتح حوار وطني رسمي حول الإصلاح الدستوري.
المرحلة الثانية (ثلاث إلى سبع سنوات) — التجسيد الدستوري والمؤسسي: تعديل الدستور لإدراج الاعترافات اللغوية والحقوقية، إصدار التشريعات التفصيلية، وإنشاء المؤسسات الجديدة كمفوضية حقوق المكوّنات والمجلس القومي الأعلى.
المرحلة الثالثة (المدى البعيد) — الترسيخ والتقييم: تقييم التطبيق، تعديل الصيغ غير الفعّالة، وبناء ثقافة مؤسسية جديدة تجعل التعددية قيمةً راسخة لا ترتيباً مؤقتاً.
ثامناً: المواطنة الكاملة — رسالة ختامية
تصل هذه الرؤية إلى خلاصة واحدة: المواطنة لا تكون كاملة حين تمنح الفرد حقوقه القانونية وتُنكر الجماعةَ التي ينتمي إليها. فالكوردي الذي يحمل جواز سفر تركياً أو سورياً أو إيرانياً أو عراقياً، لكن لا يرى لغته في مدرسته ولا تاريخه في كتبه ولا هويته في دستور دولته، يحمل مواطنة ناقصة ترسم بالقانون ما تنكره بالواقع.
وهذه الخارطة لا تطالب بإعادة رسم الخرائط ولا بتفكيك الدول القائمة، بل تطالب بشيء أبسط وأعمق في آن واحد: أن تصبح هذه الدول فعلاً ما تدّعيه شكلاً — دولاً لجميع مواطنيها. وحين يتحقق ذلك، لن يحتاج الكوردي إلى الاختيار بين هويته الكوردية وانتمائه الوطني، لأن الاثنين سيكونان وجهَي مواطنة واحدة متكاملة.
وهذا هو جوهر المواطنة التعددية: ليست بديلاً عن الوحدة الوطنية بل أساسها الوحيد المستدام، لأن الوحدة المبنية على الإنكار وحدةٌ هشّة تشتري الوقت بينما تُراكم الاحتقان، أما الوحدة المبنية على الاعتراف فهي وحدة تُنتج الولاء الحقيقي الذي لا يحتاج إلى قمع ليستمر.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟