مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 15:44
المحور:
القضية الكردية
"إعلان 2007 ليس منحةً من المجتمع الدولي للشعوب الأصيلة، بل هو اعتراف متأخر بحقوق كانت قائمة قبل أن توجد الدول التي أنكرتها"
— مروان فلو
تمهيد: ثلاثة وعشرون عاماً من التفاوض
في إيلول /سبتمبر 2007، وبعد مسار تفاوضي مضنٍ امتد ثلاثة وعشرين عاماً متواصلة، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الشعوب الأصلية بموجب القرار 61/295، بأغلبية 144 صوتاً مقابل 4 أصوات معارضة وامتناع 11 دولة عن التصويت. وكانت الدول الأربع المعارضة هي الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وجميعها دول تضم شعوباً أصيلة راسخة، وإن عادت لاحقاً إلى تأييد الإعلان بين عامَي 2009 و2010. أما الدول الممتنعة فضمّت مجموعة من دول آسيا وأفريقيا التي رأت في بعض بنود الإعلان تهديداً محتملاً لوحدتها الإقليمية.
شكّل هذا الإعلان تتويجاً لعقود من النضال الحقوقي الذي خاضته شعوب أصيلة من أمريكا اللاتينية وكندا وأستراليا والمناطق القطبية، إلى جانب منظمات تمثّل شعوباً أصيلة من آسيا وأفريقيا. وكان الكورد حاضرين في هذا المسار عبر منظمات المجتمع المدني الكوردية التي شاركت في جلسات الفريق العامل المعني بالشعوب الأصلية، الذي أعدّ مسودات الإعلان على مدى سنوات.
وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذا الإعلان في كونه أول وثيقة دولية تعالج بصورة شاملة ومتكاملة الحقوق الجماعية للشعوب الأصيلة، متجاوزةً بذلك نموذج المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي اقتصرت على حماية الأفراد المنتمين إلى أقليات. فالإعلان يتحدث صراحةً عن حقوق الشعوب لا عن حقوق الأفراد، ويُقرّ بأن هذه الشعوب ذواتٌ جماعية تمتلك حقوقاً جماعية لا يمكن اختزالها في مجموع حقوق أفرادها.
أولاً: من هم الشعوب الأصيلة؟ إشكالية التعريف وانعكاساتها
من أكثر المسائل إثارةً للجدل في سياق الإعلان مسألة تعريف «الشعوب الأصيلة». فالوثيقة لم تقدّم تعريفاً جامعاً مانعاً، مستعيضةً عن ذلك بمعايير تشغيلية طوّرها الفقه الدولي تدريجياً، أبرزها: الأسبقية التاريخية في السكن قبل الغزو أو الاستعمار، والتمايز الثقافي واللغوي والاجتماعي عن المجتمعات المهيمنة، واستمرارية الوجود رغم تغيّر الحدود والسيادات السياسية، والهوية الذاتية بوصفها شعباً متمايزاً.
وحين تُقاس هذه المعايير على الحالة الكوردية، يتبيّن انطباقها بامتياز؛ إذ يسكن الكورد المنطقة الجغرافية المعروفة بكوردستان منذ آلاف السنين، سابقين بذلك رسم الحدود السياسية الحديثة بمراحل، ويتمتعون بهوية لغوية وثقافية متمايزة ومستمرة، ولم يختاروا الاندراج في الدول التي يقطنونها بل فُرض عليهم ذلك بقرارات دولية لم يشاركوا في صياغتها، ويُعرّفون أنفسهم شعباً متمايزاً في مختلف الاستطلاعات والدراسات الميدانية.
وبالمنطق التحليلي ذاته، ينطبق هذا التوصيف على شعوب أصيلة أخرى، كالأرمن التاريخيين في الأناضول، واللاز في منطقة البحر الأسود، والأمازيغ في شمال أفريقيا. وقد أسهمت بعض هذه الشعوب، ولا سيما الأمازيغ، في النضال من أجل إدراج الشعوب الأصيلة ضمن الوثائق الأممية بتعريف يشملها، غير أن دول المنطقة تُعارض في مجملها تطبيق هذا الإطار القانوني على شعوبها الأصيلة، مستندةً إلى حجتَي السيادة ووحدة الأراضي.
"يستوفي الكورد كل معايير الشعب الأصيل التي حددها القانون الدولي، لكن الدول التي يقطنونها تُصرّ على التعامل معهم بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية لا شعباً له حقوق جماعية مكفولة دولياً"
— مروان فلو
ثانياً: المضمون الجوهري للإعلان — أبرز المواد
يتضمن الإعلان 46 مادة تغطي طيفاً واسعاً من الحقوق الجماعية. وتنص المادة 3 على حق الشعوب الأصيلة في تقرير مصيرها، وبمقتضاه تحدد بحرية وضعها السياسي وتسعى إلى تحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو نص يتوازى مع المادة الأولى من العهدين الدوليين لعام 1966 لكنه يضيف إليه تخصيصاً بالشعوب الأصيلة يجعله أكثر قابلية للتطبيق على الحالة الكوردية.
وتنص المادة 4 على حق الشعوب الأصيلة في الحكم الذاتي في شؤونها الداخلية والمحلية، وفي التمتع بالوسائل اللازمة لتمويل وظائفها الحكمية الذاتية؛ وهي المرجعية القانونية التي يستند إليها المدافعون عن الحكم الذاتي الكوردي في تركيا وإيران وسوريا، حيث لا يزال هذا الحكم مرفوضاً رسمياً.
كذلك تنص المادة 13 على حق الشعوب الأصيلة في إحياء ممارساتها الثقافية وتقاليدها وتطويرها والمحافظة عليها، بما في ذلك تاريخها ولغاتها وأسمائها الجغرافية، وهو نص شديد الصلة بسياسات تغيير الأسماء الجغرافية الكوردية في تركيا وسوريا وإيران. أما المادة 14 فتُكرّس حق هذه الشعوب في إنشاء مؤسساتها التعليمية والإشراف عليها والتعليم بلغاتها.
وتبرز المادتان 10 و21 بأهمية خاصة في ضوء تاريخ التهجير القسري الذي عاناه الكورد في العراق وسوريا وتركيا؛ إذ تحظر المادة 10 صراحةً الترحيل القسري للشعوب الأصيلة من أراضيها، فيما تُلزم المادة 21 الدول باتخاذ تدابير فعّالة لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بما يعالج الاختلالات التاريخية الناجمة عن سياسات التهميش.
ثالثاً: المادة 29 — الموارد الطبيعية وأرض الأجداد
تستحق المادة 29 وقفةً خاصة لأهميتها الاستراتيجية في السياق الكوردي؛ إذ تنص على حق الشعوب الأصيلة في المحافظة على أراضيها ومواردها الطبيعية وحمايتها، وعلى وجوب التشاور معها والحصول على موافقتها الحرة المسبقة والمستنيرة قبل اعتماد أي مشاريع تؤثر في أراضيها أو مواردها.
ولهذه المادة انعكاسات مباشرة على واقع الكورد في العراق، حيث تتركز ثروات نفطية هائلة في مناطق ذات كثافة كوردية كمحافظة كركوك وإقليم كوردستان؛ فالسيطرة على هذه الثروات كانت ولا تزال أحد أبرز محاور النزاع بين أربيل وبغداد، وأحد العوامل التي تجعل الاعتراف بالحقوق الكوردية مسألة استراتيجية واقتصادية لا ثقافية فحسب. وفي إيران، تتركز الثروات الطبيعية في مناطق كوردية ومناطق عربية في الأحواز دون أن يحظى سكانها بنصيب عادل من عائداتها، وفق ما توثّقه منظمات حقوق الإنسان.
رابعاً: هل ينطبق الإعلان على الكورد؟ الجدل القانوني
يثير تطبيق الإعلان على الكورد جدلاً قانونياً حقيقياً تجدر الإشارة إليه بأمانة أكاديمية؛ فبعض الفقهاء يرون أن الإعلان صُمّم أساساً لسياق الاستعمار الاستيطاني كما في أمريكا وأستراليا ونيوزيلندا، وهو سياق مختلف عن الحالة الكوردية التي نشأت ضمن تفكك إمبراطوريات إقليمية لا غزو استيطاني أوروبي.
في المقابل، يرى فريق آخر أن الإعلان أوسع في نطاقه من السياق الاستعماري الغربي، وأن معايير الشعوب الأصيلة الواردة فيه تنطبق على الكورد بصرف النظر عن طبيعة العملية التاريخية التي أفضت إلى وضعهم الراهن، وقد أيّد هذا الرأي عدد من المقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بحقوق الشعوب الأصيلة.
وأبعد من هذا الجدل النظري، يبقى السؤال العملي هو الأهم: ماذا يعني الإعلان للكورد في واقعهم اليومي؟ إنه يوفّر لهم خطاباً حقوقياً دولياً معتمداً يمكن توظيفه في مناهضة سياسات الإنكار، ويتيح لمنظمات المجتمع المدني الكوردية حضوراً في المنتديات الأممية، ويشكّل مرجعية قانونية يمكن الاستناد إليها في أي تسوية سياسية مستقبلية، لا سيما في العراق وسوريا اللتين تمران بمرحلتَي إعادة بناء دستوري.
"الإعلان لا يمنح الكورد دولة، لكنه يمنحهم شيئاً لا يقل أهمية: شرعية دولية لهويتهم الجماعية لا تستطيع أي حكومة إلغاؤها بقرار إداري"
— مروان فلو
خامساً: مواقف دول الشرق الأوسط من الإعلان
صوّتت معظم دول الشرق الأوسط لصالح الإعلان أو امتنعت عن التصويت، وهو موقف يكشف تناقضاً لافتاً: مصادقة على وثيقة دولية تكرّس حقوقاً لشعوب أصيلة، مع رفضٍ متزامن لتطبيق هذه الحقوق على مكوّناتها الأصيلة كالكورد و الأمازيغ و اللاز.
وتستند هذه الدول في تبرير هذا التناقض إلى ثلاث حجج رئيسية: أن الإعلان غير ملزم قانونياً فلا يوجب تغيير السياسات الداخلية، وأن مفهوم «الشعوب الأصيلة» لا ينطبق على واقعها لأن جميع سكانها «مواطنون متساوون»، وأن تطبيق مبادئ الإعلان قد يهدد وحدتها الإقليمية. وتجسّد هذه الحجج الثلاث في جوهرها منطق المواطنة المجردة: الادعاء بالمساواة الفردية حجةً لرفض الاعتراف الجماعي.
وعلى صعيد الموقف التفصيلي، امتنعت تركيا وإيران وسوريا والعراق، في مراحل مختلفة، عن الانخراط الجدي في تطبيق مبادئ الإعلان بما يخص مكوّناتها الكوردية. وفي المغرب والجزائر، أُثيرت تساؤلات مماثلة حول الأمازيغ، لكن الحكومتين أبدتا مرونة نسبية أكبر مقارنةً بدول الشرق الأوسط، خصوصاً في ضوء الاعترافات الدستورية اللاحقة.
سادساً: الآليات الأممية المعنية بالشعوب الأصيلة
أفرز إعلان 2007 وما سبقه من مسار تفاوضي منظومةً من الآليات الأممية المتخصصة يمكن للكورد وغيرهم توظيفها في نضالهم الحقوقي؛ أبرزها المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصيلة الذي أُنشئ عام 2000 ويعقد دوراته السنوية في نيويورك وجنيف، وقد استضاف ممثلين عن منظمات كوردية متعددة على مر السنين.
كذلك يضطلع المقرر الخاص المعني بحقوق الشعوب الأصيلة بدور رقابي مهم يشمل زيارات قُطرية وتقارير توصياتية، وقد أشار المقررون المتعاقبون في هذا المنصب إلى أوضاع الكورد في مناسبات عدة، وإن ظل الانخراط الرسمي مع الدول المعنية محدوداً. وثمة أيضاً آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصيلة التي تقدّم دراسات متخصصة لهيئات الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الآليات أهميتها من كونها توفّر منبراً دولياً تستطيع فيه منظمات المجتمع المدني الكوردية توثيق انتهاكاتها بصدى دولي، وإن ظلت قدرتها على الإلزام محدودة؛ والأهم أن حضور الكورد في هذه المنتديات يرسّخ اعترافاً ضمنياً بوضعهم شعباً أصيلاً يستحق التمثيل في المحافل الدولية.
سابعاً: الإعلان وإعادة بناء سوريا والعراق — فرصة استراتيجية
يكتسب الإعلان أهمية استراتيجية خاصة في ضوء المراحل التي تمر بها سوريا والعراق من إعادة بناء دستوري وسياسي. ففي العراق، حيث أرسى دستور 2005 نظاماً فيدرالياً يعترف بإقليم كردستان، يوفّر الإعلان إطاراً دولياً يمكن الاستناد إليه لتعزيز الحقوق الكوردية في المناطق المتنازع عليها وفي الإدارة العامة خارج حدود الإقليم، كما يوفّر مرجعية لمعالجة إرث التهجير القسري وسياسات التعريب التي نفّذها النظام السابق.
وفي سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية بالغة الهشاشة، يشكّل الإعلان رافداً قانونياً دولياً لمطالب الكورد بالاعتراف الدستوري بهويتهم وحقوقهم في أي ترتيب سياسي مقبل. وقد رفعت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مطالب تنسجم في جوهرها مع مبادئ الإعلان، وإن لم تستند إليه صراحةً في خطابها السياسي. ويبقى التحدي الأكبر أن أي تسوية سياسية سورية ستكون رهينة التوازنات الإقليمية والدولية أكثر من كونها رهينة المرجعيات القانونية الدولية.
"إعادة بناء سوريا والعراق على أسس دستورية عادلة تستلزم الاستناد إلى إعلان 2007 لا تجاهله؛ فالشعب الكوردي لن يكون شريكاً في بناء دولة لا تعترف بوجوده"
— مروان فلو
خاتمة: ما وراء الإعلان — نحو آليات إنفاذ فعّالة
يظل الإعلان، على أهميته التاريخية والمعيارية، وثيقةً غير ملزمة قانونياً في غياب معاهدة دولية خاصة بالشعوب الأصيلة تتضمن آليات رقابة وإنفاذ فعّالة. وقد انطلقت مساعٍ أممية للتفكير في معاهدة من هذا القبيل، غير أن التوافق السياسي الدولي اللازم لإنجازها لا يزال بعيد المنال في ظل مقاومة كثير من الدول التي تضم شعوباً أصيلة.
ومن الناحية العملية، فإن ما يحوّل مبادئ الإعلان إلى واقع ملموس ليس آليات الأمم المتحدة وحدها، بل منظومة متكاملة تضم: الضغط السياسي الداخلي من منظمات المجتمع المدني والأحزاب الكوردية والشعوب الأصيلة الأخرى، والدعم الدولي من الدول الديمقراطية التي تُدرج ملف حقوق الشعوب الأصيلة في أجنداتها، والتحولات الإقليمية التي تتيح فرص إعادة صياغة العقود الاجتماعية كما هو حاصل في سوريا والعراق، إضافةً إلى التراكم القانوني في المحاكم الدولية والإقليمية.
وهذا ما يستدعي، في مقاربة لاحقة، مناقشة التمييز الدقيق بين تقرير المصير الداخلي والخارجي؛ وهو التمييز الذي يفصل بين مطالب الاعتراف المشروعة وبين مطالب الانفصال التي تتذرع بها بعض الحكومات لرفض أي حوار حقيقي حول الحقوق الكوردية.
مرجع أساسي: الجمعية العامة للأمم المتحدة، إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، القرار 61/295 (13 أيلول/سبتمبر 2007).
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟