أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكوردي في سوري















المزيد.....


من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكوردي في سوري


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 15:35
المحور: القضية الكردية
    


ملخص تنفيذي
تتناول هذه الدراسة المقابلة الأخيرة التي أجراها القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي مع شبكة "رووداو" في 15 آب/ أغسطس والتي نشرت في 22 آب/أغسطس 2026، بوصفها لحظة إعلان انتقال تاريخي في مسار المشروع الكوردي بسوريا: من الفعل العسكري إلى الفعل السياسي والدستوري. وتخلص الدراسة إلى أن اكتمال الدمج العسكري لـ"قسد" في الجيش السوري لا يعني نهاية المشروع الكوردي، بل قد يمثل بداية طوره الثاني، الذي ستتحدد ملامحه في ميادين جديدة: الدستور، واللامركزية، والشرعية الشعبية، والعلاقات الإقليمية مع تركيا وإقليم كوردستان العراق. وتخلص إلى أن نجاح هذا التحول مرهون بقدرة القيادة الكوردية على تحويل الشرعية العسكرية المكتسبة خلال الحرب إلى شرعية سياسية قابلة للاستدامة في السلم.

أولاً: مقابلة عند نهاية مرحلة وبداية أخرى
نادراً ما تأتي مقابلة سياسية في لحظة تكون فيها وظيفة الخطاب السياسي قريبة إلى هذا الحد من وظيفة الإعلان عن انتقال تاريخي. ولا تستمد المقابلة التي أجراها مظلوم عبدي أهميتها من شخصية المتحدث وحده، ولا من كون "قسد" أحد أهم الفاعلين في المشهد السوري خلال العقد الماضي، وإنما من توقيتها ومن طبيعة الرسائل التي حملتها.
فقد جاء حديث عبدي في لحظة بات فيها المسار نحو دمج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية أكثر وضوحاً، إذ أعلن أن الدمج العسكري والأمني والإداري قد استُكمل، وتحدث عن خطة لإنهاء عملية انضمام القوات إلى الجيش السوري خلال شهر آب/أغسطس. وفي المقابل، شدد على ضرورة تثبيت الحقوق الكوردية في الدستور، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستستلزم عملاً سياسياً لا يقل أهمية عن العمل العسكري الذي سبقها.
وهنا تكمن أهمية المقابلة: فما يبدو في ظاهره تراجعاً عسكرياً لقوة كوردية راكمت نفوذاً واسعاً خلال سنوات الحرب، يمكن قراءته من زاوية مغايرة، باعتباره محاولة لإعادة تحويل القوة المتراكمة من المجال العسكري إلى المجال السياسي والدستوري. وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال المطروح: ماذا بقي من "قسد"؟ بل: ماذا سيبقى من مشروعها بعد أن تتغير أداته؟ وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من سابقتها، إذ تنتقل المعركة من الأرض إلى شكل الدولة السورية، وموقع الكورد فيها، وحدود اللامركزية، والضمانات الدستورية.

ثانياً: عبدي أمام جمهوره: الاعتراف بالخسارة مدخلاً للشرعية
من أكثر الجوانب دلالة في حديث عبدي أنه لم يقدّم المرحلة الراهنة بوصفها انتصاراً كاملاً، خلافاً لما جرت عليه العادة في الخطاب السياسي عقب الحروب، حيث تميل القيادات إلى إعادة تفسير الخسائر باعتبارها انتصارات مؤجلة. فقد اعترف بأن ما تحقق لم يكن بمستوى التضحيات، وتحدث عن أخطاء ارتكبتها القيادة، بل تحمّل مسؤولية شخصية عن بعضها بقوله إنه ارتكب "أكبر خطأ" في مسيرته.
وقد تكون هذه العبارة، من حيث دلالتها السياسية، أكثر أهمية من كثير مما ورد بشأن الاتفاقات والدمج، لأن الاعتراف بالخطأ يفتح الباب أمام إعادة تقييم استراتيجية كاملة. غير أن الاعتراف القيادي لا يعني تلقائياً أن الجمهور سيقبل النتيجة؛ إذ ينظر جزء من الشارع الكوردي إلى ما وصلت إليه "قسد" باعتباره تراجعاً كبيراً قياساً بحجم التضحيات البشرية والسياسية والعسكرية التي قدّمها المجتمع الكوردي وحلفاؤه. وهذا الشعور لا يُلغى بمجرد القول إن الظروف الدولية تغيّرت، بل يطرح سؤالاً أعمق عن جدوى التضحيات نفسها: هل استهدفت بناء بنية سياسية مستقلة، أم حماية المجتمع الكوردي، أم إرساء نموذج ديمقراطي لا مركزي، أم الوصول إلى تسوية تضمن الحقوق القومية والثقافية والسياسية؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد بعيد قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على شرعيتها الشعبية.

ثالثاً: من "قسد" إلى الجيش السوري: حلّ القوة أم إعادة تدويرها؟
تحمل المصطلحات هنا دلالة مهمة، إذ لا يقدّم عبدي المسار باعتباره "حلّاً" لـ"قسد"، بل انضماماً ودمجاً في الجيش السوري، مع تشكيل ألوية مرتبطة بالمناطق الكوردية وشمال شرق سوريا. وتكشف التفاصيل المتداولة عن ترتيبات لإنشاء ألوية في ديريك والقامشلي والحسكة وكوباني، إلى جانب العمل على تشكيل لواء خاص بعفرين.
والفرق بين "الحلّ" و"إعادة الهيكلة" ليس شكلياً؛ فإذا اختفت القوة البشرية والتنظيمية والخبرة العسكرية التي راكمتها "قسد"، نكون أمام حلّ حقيقي، أما إذا انتقلت هذه القوة إلى الجيش السوري ضمن ترتيبات جديدة، فإننا أمام إعادة توزيع للقدرة العسكرية داخل مؤسسات الدولة. ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: من يمتلك القرار؟ ومن يحدد انتشار القوات وعقيدتها العملياتية واختيار قياداتها؟ وهل ستحتفظ الألوية الجديدة بطابع محلي فعلي، أم أن ذلك سيكون مرحلة انتقالية تسبق ذوبانها الكامل في المؤسسة العسكرية المركزية؟ وهذه الأسئلة هي التي ستحدد المعنى الحقيقي للدمج، أكثر بكثير مما تحدده البيانات السياسية الرسمية.

رابعاً: من المقاتل إلى السياسي: تحوّل أعمق
ربما كان هذا أهم ما في المقابلة كلها؛ فعبدي لا يتحدث عن نهاية دوره، بل عن تغيير طبيعته، إذ يفتح الباب أمام العودة إلى العمل السياسي، ويتحدث عن تشكيل حركة أو حزب أو مرجعية سياسية كوردية. وهذا يعني أن الرجل الذي بنى شرعيته خلال السنوات الماضية على القيادة العسكرية أساساً، يسعى إلى نقل تلك الشرعية إلى المجال السياسي.

"عندما تنتهي عملية الانضمام إلى الجيش السوري سنعود إلى عملنا السابق"

وينبغي قراءة هذه العبارة في سياق أوسع، فالتحول ليس شخصياً فحسب، بل قد يمثل انتقالاً في طبيعة النضال الكوردي نفسه: من الجبهة العسكرية إلى الجبهة الدستورية والسياسية، ومن السيطرة على الأرض إلى التأثير في شكل الدولة، ومن إدارة منطقة إلى التفاوض على حقوق داخل الدولة السورية. وستختبر المرحلة المقبلة ما إذا كانت القيادة الكوردية قادرة على تحويل الشرعية التي اكتسبتها "قسد" في الحرب إلى شرعية سياسية في السلم.

خامساً: الدستور: حيث تبدأ المعركة الحقيقية
إذا كانت الحرب قد أنتجت واقعاً جغرافياً وسياسياً جديداً، فإن الدستور هو الحيّز الذي يمكن أن يتحول فيه هذا الواقع إلى حقوق دائمة، وهذا ما يبدو أن عبدي يدركه جيداً حين يركّز على تثبيت الحقوق الكوردية دستورياً، وعلى اللغة الكوردية والتعليم بها، وعلى اللامركزية. وبذلك ينتقل المشروع الكوردي من سؤال "من يسيطر على المنطقة؟" إلى سؤال "كيف تُدار الدولة التي تنتمي إليها المنطقة؟".
وهذا انتقال بالغ الأهمية، ذلك أن الحق في التعليم باللغة الكوردية، والاعتراف بالهوية الكوردية، والتمثيل السياسي، والإدارة المحلية، واللامركزية، ليست قضايا منفصلة، بل أجزاء من سؤال واحد: هل ستكون سوريا دولة مركزية تستوعب مكوناتها ضمن نموذج موحد، أم دولة متعددة المستويات تسمح للمناطق والمكونات بقدر أكبر من إدارة شؤونها؟ وهنا سيظهر الخلاف الحقيقي مع دمشق، إذ قد لا يكون الخلاف على مبدأ وحدة سوريا، بل على معنى هذه الوحدة نفسها.

سادساً: اللامركزية: التسوية الوسطى بين المركزية والفيدرالية
من المهم التمييز بين اللامركزية والفيدرالية؛ إذ يبدو خطاب عبدي في المرحلة الحالية أقرب إلى المطالبة بسوريا لا مركزية، لا إلى طرح فيدرالية كوردية بوصفها مطلباً مباشراً. وقد يكون هذا الاختيار مقصوداً، لأن اللامركزية تشكّل صيغة تتيح لدمشق الحفاظ على مفهوم الدولة الموحدة، وتمنح في الوقت نفسه المناطق الكةردية وغير الكوردية مساحة واسعة من الإدارة الذاتية المحلية. وإذا نجحت هذه الصيغة، فقد تصبح نموذجاً قابلاً للتعميم على سوريا كلها، وينتقل المطلب الكوردي من قضية خاصة بالكورد إلى جزء من الحل السوري العام.
وقد يكون ذلك أحد أذكى التحولات السياسية التي يمكن أن تقوم بها الحركة الكوردية: فبدلاً من القول "نحن نريد وضعاً خاصاً للكورد"، يمكنها القول "سوريا تحتاج إلى نظام لا مركزي يضمن حقوق جميع المناطق والمكونات"، والفارق بين الصيغتين سياسي جوهري.

سابعاً: الشارع الكوردي: الاختبار الأصعب
لن يُحسم نجاح هذه الاستراتيجية في دمشق وحدها، بل في القامشلي والحسكة وكوباني وديريك وعفرين، وفي المزاج العام للمجتمع الكوردي. ويبقى السؤال مطروحاً: هل سيقبل الشارع الكوردي انتقال الحركة من مشروع عسكري ـ إداري واسع إلى دور سياسي داخل الدولة السورية؟ وثمة ثلاثة احتمالات رئيسية في هذا الصدد.
القبول البراغماتي: أن يقتنع الجمهور بأن الظروف الدولية تغيّرت، وأن الحفاظ على المكتسبات المتاحة أفضل من الدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
الانقسام السياسي: أن ترى قطاعات من المجتمع الكوردي أن القيادة قدّمت تنازلات تفوق اللازم، وأن ثمن الدماء لم يتحول إلى مكاسب تتناسب معه، وهو ما قد يفرز قوى سياسية أكثر تشدداً.
إعادة تعريف القضية: بأن يُعاد تعريف المشروع الكوردي نفسه حول حقوق دستورية، وإدارة محلية، ولغة، وتمثيل سياسي، وضمانات دولية، وعلاقة استراتيجية مع إقليم كوردستان، بحيث لا تختفي الحركة بل تتغير أولوياتها.

ثامناً: احتمالات الانشقاق وتداعياتها الإقليمية
لا تنحصر مسألة الانقسام الداخلي في بعدها التنظيمي؛ فإذا حدث انشقاق داخل البيت الكوردي، فقد تجد دمشق وأنقرة وسائر القوى الإقليمية نفسها أمام واقع أكثر سهولة في الإدارة والتفاوض. أما إذا نجحت القيادة في تحويل التعدد السياسي الكوردي إلى تعدد داخل إطار وطني موحد، فقد يتحول هذا التنوع نفسه إلى قوة تفاوضية. ومن هنا تبرز أهمية تشكيل مرجعية سياسية كوردية واسعة، ذلك أن المرحلة العسكرية كانت تستلزم قيادة مركزية، في حين تستلزم المرحلة السياسية توافقاً أوسع؛ ولهذا قد يكون تشكيل مرجعية كوردية جامعة أكثر أهمية من تأسيس حزب جديد يحمل اسم عبدي نفسه.

تاسعاً: ملف داعش: وظيفة أمنية مهمة لكنها غير كافية
يصر عبدي على أن تنظيم داعش لم ينتهِ، وأنه أعاد تنظيم صفوفه. ومن الناحية الأمنية، ليست هذه نقطة هامشية، إذ لا يزال ملف داعش يوفر سبباً مهماً للتعاون الدولي مع القوى المحلية في شمال وشرق سوريا. غير أن السؤال الاستراتيجي الأعمق هو: هل يمكن أن يستمر الدعم الدولي على أساس مكافحة داعش وحدها؟ والراجح أن الجواب سلبي، فالدول الكبرى تعيد تعريف مصالحها باستمرار، وعندما تنخفض أولوية داعش، تنخفض معها قيمة الشريك المحلي الذي يقوم بوظيفة واحدة.
لذلك تحتاج القيادة الكوردية إلى بناء وظيفة استراتيجية جديدة، لا تقتصر على مقاتلة داعش، بل تجعل من البنية الكوردية الجديدة جزءاً من منظومة إقليمية للاستقرار، تشمل عدة محاور:
مكافحة الإرهاب
وأمن الحدود
ومنع عودة التنظيمات الجهادية.
مكافحة التهريب
والجريمة المنظمة،
وحماية منشآت الطاقة.
المساهمة في استقرار شمال شرق سوريا
والتعاون في ملف المعتقلين ومخيمات داعش.
المشاركة في بناء مؤسسات أمنية سورية أكثر احترافاً.
وإذا نجحت القيادة في ذلك، فلن تكون مجرد طرف يطلب الدعم من الغرب، بل طرفاً يقدّم وظيفة يحتاجها الغرب والمنطقة على حد سواء، وهو تحول بالغ الأهمية في ميزان التفاوض.

عاشراً: تركيا: من المواجهة إلى اختبار التسوية
يمثل التحول في خطاب عبدي تجاه تركيا أحد أبرز مؤشرات المرحلة الجديدة؛ فالعلاقة التي كانت تقوم على التهديد المتبادل والعمليات العسكرية دخلت مرحلة اتصالات وحوار ووقف إطلاق نار، وأعرب عبدي عن رغبته في تطوير هذه العلاقة إلى ما يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. غير أنه لا ينبغي المبالغة في تفسير هذا التحول، فالخلافات الاستراتيجية لم تختفِ؛ إذ تسعى تركيا إلى منع قيام بنية عسكرية كوردية مستقلة على حدودها، بينما تسعى القيادة الكوردية إلى ضمان حقوقها السياسية والأمنية.
وثمة تقاطع في مصلحة الطرفين في إنهاء الحرب، لكن الخلاف حول شكل التسوية النهائية ما زال قائماً، وستؤدي دمشق دوراً محورياً فيه؛ فإذا أصبحت "قسد" جزءاً من الجيش السوري، فقد ترى أنقرة أن جزءاً من المشكلة الأمنية قد جرى احتواؤه، أما إذا احتفظت الألوية الجديدة بخصوصية واسعة أو برزت قيادة سياسية كوردية قوية داخل سوريا، فقد تعتبر أنقرة أن المشكلة انتقلت من المجال العسكري إلى المجال السياسي.

حادي عشر: إسرائيل وتركيا: التناقض الغائب عن المقابلة
من أكثر النقاط التي تستحق التوقف غياب هذا الملف عن حديث عبدي؛ فالساحة السورية الجديدة لا تتحرك وفق خط واحد بين دمشق والكورد وتركيا، بل تحضر فيها إسرائيل بوصفها فاعلاً إضافياً. وقد برزت خلال المرحلة الماضية قراءات متزايدة للعلاقة بين إسرائيل و"قسد"، في وقت تنظر فيه تركيا بقلق إلى أي انفتاح إسرائيلي على القوى الكوردية السورية، فيما تتعارض بعض الحسابات التركية والإسرائيلية بشأن شكل الدولة السورية وترتيبات الأمن فيها.
غير أنه من الخطأ بناء الاستراتيجية الكوردية على افتراض أن التناقض التركي ـ الإسرائيلي سيؤدي تلقائياً إلى مكاسب كوردية. والأكثر واقعية أن يُستنتج ما يلي: كلما ازدادت التناقضات بين القوى الإقليمية حول سوريا، ازدادت القيمة التفاوضية للموقع الكوردي، شريطة ألا يتحول الكورد إلى أداة في صراع الآخرين؛ ذلك أن السياسة الكوردية الناجحة يجب أن تستفيد من التناقضات، لا أن تتحول إلى طرف تابع لأحدها.

ثاني عشر: إقليم كردستان العراق: الجسر الاستراتيجي
في هذا السياق، تبرز أهمية إقليم كوردستان باشور (العراق) بصورة أكبر؛ إذ يصف عبدي العلاقة مع الإقليم بأنها في أفضل مراحلها، ويرى أن الحاجة إليه أصبحت أكبر من ذي قبل. وليست هذه عبارة بروتوكولية، فباشور كردستان يمكن أن يشكّل أحد أهم الجسور بين روجآفا وكل من بغداد ودمشق وأنقرة وواشنطن وأوروبا، كما يمتلك الإقليم خبرة واسعة في إدارة التناقضات الإقليمية. وهنا يمكن أن تنتقل العلاقة بين الطرفين من التضامن القومي إلى التكامل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وإذا حدث ذلك، فقد يصبح إقليم كوردستان أحد أهم عناصر الاستقرار في المرحلة الكوردية السورية الجديدة.

ثالث عشر: عبدي بين الجنرال والسياسي
إذا اكتمل الدمج فعلاً، فسيواجه مظلوم عبدي سؤالاً شخصياً وسياسياً بالغ الأهمية: ما موقعه بعد انتهاء وظيفته العسكرية؟ والجواب المحتمل، وفق حديثه، هو السياسة. غير أن الانتقال من الجنرال إلى السياسي ليس انتقالاً سهلاً؛ فالقائد العسكري يستطيع إصدار الأوامر، أما السياسي فعليه أن يقنع، ويتحالف، ويتفاوض، ويقبل التنازلات، ويدير الخصوم، ويتعامل مع اختلافات الرأي داخل بيته السياسي نفسه. وقد يكون هذا الاختبار أكبر من الاختبار العسكري؛ فقد نجح عبدي في بناء قيادة عسكرية متماسكة في ظروف بالغة الصعوبة، لكن المرحلة الجديدة تتطلب بناء مؤسسة سياسية لا تعتمد على شخصية القائد وحدها.

رابع عشر: سيناريوهات المرحلة المقبلة
استناداً إلى الاتجاهات الراهنة، يمكن طرح خمسة توقعات تحليلية، مع التأكيد على أنها سيناريوهات احتمالية لا تنبؤات قطعية:
اكتمال الشكل العسكري للدمج: من المرجح استكمال الخطوات التنظيمية الأخيرة لضم قوات "قسد" إلى الجيش السوري رسمياً، وفق الإطار الزمني الذي حدده عبدي (آب/أغسطس)، على أن يكون الدمج القانوني أسرع من الدمج الفعلي في العقيدة والقيادة والقرار.
بداية معركة سياسية حول الدستور: إذ ستنتقل الطاقة السياسية بعد انحسار الملف العسكري إلى قضايا اللغة والإدارة المحلية والتمثيل والحقوق القومية واللامركزية، حيث ستظهر الخلافات الحقيقية مع دمشق.
محاولة بناء مرجعية سياسية كوردية: إذ لا يمكن أن يبقى فارغاً الحيّز الذي يتركه انتهاء الدور العسكري المستقل؛ فإن لم تملأه قيادة سياسية منظمة، ستملؤه أحزاب وشخصيات متنافسة.
إعادة تعريف العلاقة مع تركيا: مع ترجيح استمرار مسار الحوار، لكن في مواجهة اختبار صعب يتعلق بالحد المقبول من الخصوصية الكوردية داخل سوريا بالنسبة لأنقرة، وستكون دمشق فيه الوسيط والساحة معاً.
تصاعد دور إقليم كوردستان: عبر توسّع دور أربيل في الوساطة والعلاقات السياسية والاستثمار وإعادة الإعمار، وربط القوى الكوردية السورية بمحيطها الإقليمي والدولي.

خامس عشر: السيناريو الأسوأ والسيناريو الأفضل
ثمة سيناريو لا ينبغي إغفاله، وهو أن يُفكَّك التنظيم العسكري من دون إنتاج بديل سياسي مكافئ، وهو ما قد يفضي إلى تنامي شعور لدى الشارع الكوردي بأن التضحيات لم تحقق ما تستحقه، وإلى بروز تيارات سياسية أكثر تشدداً، وتحوّل الخلاف الداخلي إلى صراع على شرعية تمثيل الكورد؛ وعندئذٍ قد تصبح المرحلة الجديدة أكثر اضطراباً من سابقتها. ومن هنا فإن نجاح عبدي لن يُقاس بقدرته على إنهاء الدمج فحسب، بل بقدرته على إدارة ما بعد الدمج.
أما السيناريو الأكثر إيجابية، فيتمثل في تحوّل الدمج العسكري إلى صفقة سياسية أوسع، تجمع بين العناصر التالية:
جيش سوري موحد.
إدارة محلية حقيقية.
حقوق كوردية مثبتة دستورياً.
تعليم باللغة الكوردية وتمثيل سياسي.
ضمانات أمنية وعلاقة مستقرة مع تركيا.
دور إقليمي فاعل لإقليم كوردستان، واستمرار التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والاستقرار.
وإذا تحقق هذا المسار، فإن ما يبدو اليوم تراجعاً في القوة العسكرية يمكن أن يُعاد تفسيره بعد سنوات باعتباره انتقالاً تاريخياً من مرحلة القوة المسلحة إلى مرحلة المؤسسات السياسية. غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب إرادة من دمشق أيضاً، فالعملية ليست مسؤولية عبدي وحده.

خاتمة: هل يخسر الكورد "قسد" أم يربحون ما بعدها؟
قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي، غير أن ثمة حقيقة باتت واضحة: "قسد" كما عرفناها خلال السنوات الماضية لن تكون هي "قسد" المستقبل. ولم يعد السؤال إن كانت ستتغير، بل إلى ماذا ستتحول؟ فقد تتحول إلى مجرد فصل منتهٍ في التاريخ الكوردي في سوريا، أو تتحول، على العكس، إلى مرحلة تأسيسية أنتجت قوة تفاوضية أعادت تشكيل موقع الكورد داخل سوريا. والفرق بين الاحتمالين سيُحسم في حقل السياسة لا في حقل السلاح.

"من يحمل السلاح يستطيع أن يفرض نفسه على طاولة المفاوضات، لكن من يجلس إلى الطاولة يحتاج إلى مشروع سياسي كي يحافظ على ما حققه السلاح"

فقد امتلك الكورد خلال المرحلة السابقة القوة العسكرية، أما المرحلة المقبلة فستختبر امتلاكهم القوة السياسية، وهذه الأخيرة لا تُقاس بعدد المقاتلين، بل بقدرة الحركة على تحويل التضحيات إلى حقوق، والحقوق إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ضمانات، والضمانات إلى استقرار طويل الأمد.
قد تكون مقابلة مظلوم عبدي الأخيرة من آخر المقابلات التي نتعامل فيها معه بوصفه "قائد قسد" بالمعنى الذي عرفناه خلال العقد الماضي؛ فالرجل نفسه يقرّ بأن البزة العسكرية تقترب من نهايتها، وأن العودة إلى العمل السياسي تلوح في الأفق. وهنا تبدأ المفارقة التاريخية: فقد تكون نهاية "قسد" العسكرية هي اللحظة التي يبدأ فيها مشروع عبدي السياسي. غير أن نجاح هذه المرحلة لن يتوقف على عبدي وحده، بل على دمشق وتركيا وواشنطن وأوروبا وإسرائيل وإقليم كوردستان، وعلى توازنات المنطقة، وقبل كل شيء على قدرة الكورد أنفسهم على إنتاج توافق سياسي جديد.
ولعل أهم ما ينبغي أن تدركه القيادة الكوردية أن التاريخ لا يمنح التضحيات قيمتها تلقائياً؛ فالسياسة هي التي تحوّل التضحيات إلى حقوق. وإذا نجحت القيادة في هذه المهمة، فإن سنوات القتال ضد داعش وحماية المناطق والامتناع عن مشروع الانفصال الكامل، قد تجد معناها في بناء صيغة سورية جديدة. أما إذا فشلت، فقد يبقى السؤال الذي يردده جزء من الشارع الكوردي: لماذا كانت كل تلك التضحيات إذا كانت النهاية مجرد تراجع؟ وبين هذين الاحتمالين تقع المرحلة المقبلة كلها.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لمظلوم عبدي لم يبدأ بانتصارات "قسد" العسكرية، ولن ينتهي بدمجها في الجيش السوري؛ فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل يستطيع الجنرال الذي عرف كيف يقود حرباً أن يصبح السياسي الذي يعرف كيف يصنع سلاماً؟ وقد تكون هذه، في النهاية، أهم معركة سياسية في تاريخ الكرد السوري الحديث.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...
- من إنهاء الحرب إلى بناء السلام تركيا والكورد أمام الاختبار ا ...
- حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد قراءة في «جوانب من تراث الكورد ...
- الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية ...
- من الأخفاق الىالقوة: أخلاقيات العمل والمسؤولية الفردية في بن ...
- سلام الأوهام- وتجارة -الفتات-: تفكيك المناورة التركية وتغييب ...
- الشخصية الكوردستانية
- من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الك ...
- الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع ...
- هل تكره الشعوب بعضها بالفطرة؟ العداء الأهلي بين البنية السيا ...
- الانتماء الحي نحو تأسيس دينامي لشرعية الجماعة السياسية بين ح ...
- بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في ال ...
- قراءة في التوازن الإقليمي والاستراتيجية المستقلة: رد على أطر ...
- أسطورة التجانس القومي: التعددية الفلسفية والدستورية في بنية ...
- تشكُّل القومية الآشورية المعاصرة: بين الهندسة الاستعمارية وا ...
- دراسة أكاديمية موسعة: كورد خراسان (التاريخ، الديموغرافيا، ال ...


المزيد.....




- استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة ...
- ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا ...
- ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
- مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع ...
- الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية ...
- منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال ...
- لبنان.. اعتقال -دكتور فود- بعد ساعات من احتفال -شروق صن شاين ...
- الأمم المتحدة تحذر من عودة الفظائع إلى جنوب السودان قبيل الا ...
- -ثقب أسود- على الحدود.. مخاوف من توسع صلاحيات الجيش الأمريكي ...
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات واعتقالات وبؤرة استيطانية جديدة ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكوردي في سوري