مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:29
المحور:
القضية الكردية
ملخص
تنطلق هذه الدراسة من مفارقة مركزية في التفكير السياسي الكوردي المعاصر: اتساع الهوة بين حجم عناصر القوة المتاحة للقضية الكوردية -من الكتلة البشرية والموقع الجغرافي والموارد الطبيعية إلى الخبرة العسكرية والعلاقات الدولية المتراكمة- وبين محدودية التأثير السياسي الفعلي الذي تحققه هذه العناصر على أرض الواقع. وتذهب الدراسة إلى أن جوهر هذه المعضلة لا يكمن في نقص الموارد، بل في ضعف آليات تحويلها إلى قوة منظمة، ثم إلى نفوذ سياسي قابل للتراكم والحماية. وتعتمد الدراسة مقاربة تحليلية-نقدية تستند إلى أدبيات نظرية القوة في العلاقات الدولية، وإلى قراءة في التجربة الكوردية التاريخية والمعاصرة عبر أجزاء كوردستان الأربعة، لتخلص إلى صياغة معادلة تفسيرية تُخضع القوة الكوردية لعشرة عوامل متداخلة: من إشكالية المفهوم، إلى الانقسام السياسي، وغياب المؤسسة الاستراتيجية الجامعة، والارتهان للتحالفات الخارجية، وغلبة التكتيك على الاستراتيجية، وقصور تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي، وضعف استثمار الجغرافيا والاقتصاد، وعدم تراكم المكاسب، وأخيراً الحاجة إلى الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة إدارة القوة.
الكلمات المفتاحية: القضية الكوردية، القوة الاستراتيجية، الأمن القومي الكوردي، الانقسام السياسي، إدارة التحالفات، النفوذ المستدام.
مقدمة
قلّما تجتمع لدى جماعة قومية لا تمتلك دولة قومية جامعة مجموعةٌ من عناصر القوة بالاتساع الذي تمتلكه القضية الكوردية عبر امتدادها الجغرافي والبشري. فهناك الكتلة البشرية التي تُقدَّر بعشرات الملايين، والموقع الجغرافي الذي يتوسط أربع دول إقليمية فاعلة، والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة والمياه، والخبرات العسكرية والأمنية المتراكمة عبر عقود من الصراع، والمؤسسات السياسية والإدارية القائمة في بعض أجزاء كوردستان، فضلاً عن شبكة من العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية بُنيت على مدى نصف قرن على الأقل (McDowall, 2021). ومع ذلك، يظل حجم التأثير السياسي والاستراتيجي الكوردي، في أغلب المحطات التاريخية الحاسمة، أدنى بكثير من حجم هذه الإمكانات المتراكمة.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن المشكلة ليست في غياب عناصر القوة، وإنما في ضعف القدرة على تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى قوة منظمة، ثم تحويل القوة المنظمة إلى نفوذ سياسي مستدام. وهذه المعضلة، كما سنبيّن، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد؛ فهي نتاج تفاعل معقد بين البيئة الإقليمية المعادية، والانقسام الكوردي الداخلي، وطبيعة النظام الدولي القائم على المصالح لا على المبادئ، وأسلوب إدارة العلاقات الخارجية، وضعف المؤسسات المشتركة، وتغليب الحسابات التكتيكية على الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
أولاً: وفرة الموارد لا تعني امتلاك القوة
من الأخطاء المتكررة في التفكير السياسي افتراضُ أن امتلاك الموارد يساوي امتلاك القوة. فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى قوة، والثروة النفطية لا تنقلب بالضرورة إلى نفوذ، والقدرة العسكرية لا تُنتج بالضرورة مكاسب سياسية، والعلاقات الدولية الواسعة لا تعني بالضرورة امتلاك قرار مستقل. وهذا التمييز بين الموارد والقوة ليس جديداً في أدبيات العلوم السياسية؛ فقد نبّه روبرت دال منذ خمسينيات القرن الماضي إلى أن القوة ليست خاصية كامنة في الفاعل، بل هي علاقة قدرة على التأثير في سلوك طرف آخر (Dahl, 1957)، كما ميّز جوزيف ناي لاحقاً بين موارد القوة (Power Resources) وبين القوة الفعلية بوصفها نتيجة استخدام تلك الموارد ضمن سياق واستراتيجية وشرعية (Nye, 2004).
وبالإسقاط على الحالة الكوردية، يمكن النظر إلى القوة الاستراتيجية باعتبارها حصيلة تفاعل عدة عناصر: الموارد × التنظيم × المؤسسة × الاستراتيجية × الشرعية × القدرة على التوظيف السياسي. فإذا كان أحد هذه العناصر ضعيفاً، فإن القيمة النهائية للقوة تتراجع بصرف النظر عن وفرة العناصر الأخرى. وهذا يفسر كيف يمكن لطرف كوردي أن يمتلك قدرات عسكرية مهمة لكنه يخسر سياسياً على طاولة التفاوض، أو أن يمتلك موارد اقتصادية كبيرة لكنه يبقى عرضة للضغط والحصار، أو أن يمتلك علاقات دولية واسعة لكنه يجد نفسه عاجزاً عن التأثير في القرارات الكبرى التي تحدد مصيره.
ثانياً: الانقسام الكوردي - من خلاف سياسي إلى مشكلة أمن قومي
لا يمثّل التعدد السياسي بحد ذاته مشكلة؛ بل يمكن للتعددية أن تكون مصدر قوة حين تُنتج تنافساً إيجابياً وتنوعاً في الأفكار والخيارات. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول التنافس السياسي إلى تنافس على احتكار القرار الكوردي، أو حين تتقدم المصلحة الحزبية على المصلحة القومية العليا، أو حين يستخدم طرف كوردي دولة إقليمية للضغط على طرف كوردي آخر. وقد وثّقت الأدبيات التاريخية للقضية الكوردية كيف تحوّلت الانقسامات الداخلية، منذ منتصف القرن العشرين وحتى اقتتال منتصف التسعينيات في إقليم كوردستان العراق، إلى ثغرات استراتيجية استثمرتها القوى الإقليمية لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية الكوردية لصالحها (McDowall, 2021).
عند هذه النقطة لا يعود الانقسام مجرد مسألة داخلية، بل يتحول إلى ثغرة استراتيجية يستطيع الخصوم الخارجيون استثمارها؛ فالانقسام يجعل القوة الكوردية مجزأة، ويحول دون تراكم الخبرات والموارد، ويضعف الموقف التفاوضي، ويجعل كل جزء أكثر اعتماداً على داعم خارجي مختلف. والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى نتيجة استراتيجية شديدة الخطورة: أن تصبح القوى الكوردية أدوات في استراتيجيات الآخرين بدلاً من أن تكون هي صاحبة الاستراتيجية. ومن هنا ينبغي أن يكون أحد المبادئ المؤسِّسة للأمن القومي الكوردي أن التعددية السياسية مقبولة، أما تحويل الخلاف الكوردي إلى صراع يُستخدم فيه النفوذ الخارجي ضد الكورد أنفسهم فليس مقبولاً من منظور الأمن القومي؛ وهذا لا يتطلب إلغاء الأحزاب أو توحيدها قسراً، وإنما وضع حدود واضحة للمنافسة عندما تمس المصالح العليا المشتركة.
ثالثاً: غياب المستوى الاستراتيجي المشترك
توجد مؤسسات وأحزاب وحركات كوردية قوية في مناطق مختلفة، لكن لا توجد، بالمعنى الاستراتيجي الدقيق، منظومة مؤسساتية جامعة قادرة على أن تحدد بصورة مستمرة: ما هي المصالح الكوردية العليا؟ وما التهديدات المشتركة؟ وما الخطوط الحمراء؟ وما القضايا القابلة للتفاوض، وما ينبغي أن يبقى خارج المساومة؟ وكيف تُدار الأزمات بين الأجزاء المختلفة؟ وكيف تُنسَّق العلاقات الدولية؟ وقد أشارت أدبيات متخصصة، من بينها ما جمعه غونتر في مرجعه الموسوعي عن الدراسات الكوردية، إلى أن هذا التشتت المؤسسي بين أربعة أجزاء جغرافية-سياسية مختلفة يظل أحد أكثر معوقات بناء استراتيجية كوردية موحدة صعوبة (Gunter, 2019).
ويجب هنا التفريق بين التنسيق السياسي الظرفي والاستراتيجية المشتركة؛ فالتنسيق يحدث عادة عند وقوع أزمة، أما الاستراتيجية فتحدد مسبقاً: ماذا نريد؟ وما الذي نرفضه؟ وما الذي نستطيع تقديمه؟ وما الذي لا يمكن التنازل عنه؟ وكيف نتصرف عندما تتغير موازين القوى؟ وهذا هو المستوى الذي ما زال يحتاج إلى بناء مؤسساتي حقيقي يتجاوز ردود الأفعال الآنية إلى تخطيط بعيد المدى.
رابعاً: الارتهان للخارج وتبدّل التحالفات
ليس من الواقعية السياسية أن يُعتقد أن الكورد يستطيعون تحقيق أهدافهم من دون علاقات مع القوى الإقليمية والدولية؛ بل إن العلاقات الخارجية تمثل أحد أهم مصادر القوة الكوردية. غير أن المشكلة ليست في التحالفات بحد ذاتها، وإنما في كيفية إدارتها. فالتحالف الناجح هو الذي يوسّع الخيارات، أما العلاقة التي تجعل الطرف الكوردي عاجزاً عن الحركة خارج إرادة حليفه فإنها تتحول تدريجياً إلى تبعية. وقد فصّلت دنيز ناتالي في دراستها عن ما أسمته "شبه الدولة الكوردية" كيف أن الاعتماد المفرط على شبكة محدودة من الشركاء الخارجيين والداخليين، لا سيما في الملفين الاقتصادي والأمني، أنتج بنية اعتماد هيكلي حدّت من هامش المناورة الكوردي حتى في أوج توسع صلاحيات الإقليم (Natali, 2010).
وقد أظهرت التجارب التاريخية أن الدول الكبرى والإقليمية لا تتعامل مع الحركات الكوردية باعتبارها قضايا ثابتة خارج حسابات المصالح، وإنما بوصفها أطرافاً يمكن التعاون معها حين تتقاطع المصالح ثم التخلي عنها حين تتبدل هذه المصالح. ومن ثم فإن الاعتماد على التعاطف السياسي أو الوعود أو التحالفات المؤقتة لا يمكن أن يكون أساساً لاستراتيجية أمن قومي. والدرس الاستراتيجي هنا ليس رفض التعاون الخارجي، بل عدم تحويل الحليف إلى بديل عن الاستراتيجية الذاتية؛ ويجب أن تكون القاعدة الحاكمة أن كل شراكة خارجية ينبغي أن تزيد القدرة الكوردية على المناورة، لا أن تقلّصها.
خامساً: غلبة التكتيك على الاستراتيجية
ربما يكون هذا من أعمق أسباب الضعف. فقد تضطر القوى الكوردية، بحكم طبيعة الصراعات المحيطة بها، إلى اتخاذ قرارات تكتيكية ضرورية للبقاء الآني. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التكتيك هو الاستراتيجية ذاتها. فالقرار الذي يحقق مكسباً فورياً قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية بعيدة المدى، والتحالف الذي يحل أزمة آنية قد يُنتج تبعية مستقبلية، والتنازل الذي يمنع حرباً اليوم قد يخلق وضعاً أكثر خطورة غداً إذا لم يرتبط بضمانات سياسية وقانونية راسخة.
ولهذا تحتاج الاستراتيجية الكوردية الجديدة إلى الفصل الواعي بين مستويين من التفكير: التكتيك الذي يسأل كيف نتعامل مع الأزمة الحالية؟ والاستراتيجية التي تسأل كيف تؤثر هذه الخطوة في موقع الكورد بعد خمس أو عشر سنوات؟ وهذا يعني أن كل قرار كبير يجب أن يخضع لسؤال إضافي وحاسم: هل يزيد هذا القرار من القدرة الاستراتيجية الكوردية أم يستهلكها؟
سادساً: القوة العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية
يمتلك الكورد خبرة عسكرية وأمنية تراكمية كبيرة، وقد أثبتت القوات الكوردية في مراحل مختلفة قدرتها على القتال والدفاع ومواجهة التنظيمات المسلحة، وهو ما توثقه أغلب الدراسات المتخصصة في الشأن الكوردي المعاصر. لكن القوة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى مكسب سياسي؛ فالانتصار العسكري يحتاج إلى ترجمة سياسية، والسيطرة الميدانية تحتاج إلى ترتيبات قانونية ومؤسساتية، والتضحيات تحتاج إلى ضمانات سياسية، والدعم العسكري الخارجي يحتاج إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد. وتقدّم تجربة انهيار حركة الملا مصطفى البارزاني عقب اتفاقية الجزائر عام 1975 مثالاً كلاسيكياً على كيفية تبخر إنجاز عسكري وميداني كامل بمجرد تغيّر حسابات الراعي الإقليمي (McDowall, 2021).
ومن هنا فإن الاستراتيجية الكوردية الجديدة يجب ألا تسأل فقط: كيف ننتصر في المعركة؟ بل: كيف نضمن أن يتحول الانتصار العسكري إلى مكسب سياسي واقتصادي ومؤسساتي مستدام؟ وهذا لا يعني إهمال القوة العسكرية، بل وضعها في مكانها الصحيح ضمن منظومة أشمل للأمن القومي.
سابعاً: ضعف استثمار الجغرافيا كأداة قوة
تمثل جغرافيا كوردستان أحد أهم عناصر القوة الكوردية، لكنها في الوقت نفسه مصدر مستمر للصراع؛ فوجود المناطق الكوردية على تماس مباشر مع تركيا وإيران والعراق وسوريا يجعلها منطقة ذات أهمية أمنية واقتصادية كبرى، وهو ما تناولته دراسة ستانسفيلد ولاو الصادرة عن تشاتام هاوس حول ما أسمياه "حتمية السياسة الكوردية" في الإقليم (Stansfield & Lowe, 2010). غير أن الجغرافيا لا تتحول إلى ورقة قوة بمجرد وجودها؛ بل تحتاج إلى بنية تحتية، ومؤسسات مستقرة، وطرق نقل وطاقة، ومعابر فعالة، واقتصاد منتج، وعلاقات متوازنة مع دول الجوار.
عندها يمكن أن تتحول الجغرافيا من عامل يجعل الكورد عرضة لتدخلات الدول إلى عامل يجعل استقرارهم مصلحة لهذه الدول ذاتها. وهذا تحوّل جوهري في التفكير الاستراتيجي: فبدلاً من النظر إلى الموقع الجغرافي باعتباره سبباً دائماً للتهديد، ينبغي التفكير في كيفية تحويله إلى شبكة مصالح إقليمية متبادلة تجعل من استقرار كوردستان ركيزة لاستقرار الجوار لا تهديداً له.
ثامناً: الاقتصاد والطاقة والمياه - منظومة قوة لم تُوظَّف بعد
تمتلك أجزاء من كوردستان موارد طبيعية واقتصادية مهمة، لكن الموارد التي لا تُدار ضمن استراتيجية طويلة الأمد يمكن أن تتحول إلى مصدر ضعف بدلاً من القوة. فالاعتماد الاقتصادي المفرط على مورد واحد -كالنفط في تجربة إقليم كوردستان العراق- يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للضغط السياسي، كما بيّنت ناتالي في تحليلها لبنية الاعتماد الاقتصادي لما بعد حرب الخليج (Natali, 2010). والاعتماد على منفذ واحد للطاقة يجعل القرار السياسي مرتبطاً بموقف الطرف المسيطر على هذا المنفذ، كما أن الافتقار إلى تنويع الأسواق يُضعف القدرة التفاوضية بنيوياً.
لذلك يجب أن ينظر الأمن القومي الكوردي إلى النفط والغاز والمياه والزراعة والنقل والطاقة المتجددة والتجارة والمعابر باعتبارها أجزاء من منظومة أمن اقتصادي واحدة متكاملة، لا قطاعات منفصلة. وهذا يعني أن السياسة الاقتصادية ليست مجالاً منفصلاً عن الأمن القومي، وإنما إحدى أدواته الأساسية التي ينبغي إدماجها ضمن التخطيط الاستراتيجي الشامل.
تاسعاً: عدم تراكم المكاسب
من أخطر المشكلات الاستراتيجية أن المكاسب لا تتحول دائماً إلى تراكم؛ فقد يحقق الكورد إنجازاً سياسياً أو عسكرياً أو دبلوماسياً في مرحلة معينة، ثم تتراجع قيمته حين تتغير الظروف. والسبب أن هذا المكسب لم يتحول إلى مؤسسة، أو قانون، أو اتفاق دولي، أو ترتيب اقتصادي، أو شبكة مصالح تجعل التراجع عنه مكلفاً لجميع الأطراف المعنية.
وهنا يجب أن يصبح أحد المبادئ الأساسية للاستراتيجية الجديدة أن كل مكسب تكتيكي يجب أن يتحول، قدر الإمكان، إلى أصل استراتيجي قابل للتراكم. فالمكسب الذي لا يتراكم يصبح مجرد لحظة تاريخية عابرة، أما المكسب الذي يتحول إلى مؤسسة ومصلحة وشراكة وضمانة فإنه يصبح جزءاً أصيلاً من القوة الوطنية الدائمة.
عاشراً: من إدارة الأزمات إلى إدارة القوة
تُظهر هذه العناصر مجتمعةً أن جزءاً كبيراً من السياسة الكوردية كان مضطراً إلى إدارة الأزمات أكثر من بناء منظومة لإدارة القوة. فإدارة الأزمة تسأل: كيف نتجاوز الخطر الحالي؟ أما إدارة القوة فتسأل: كيف نستثمر الأزمة الحالية لبناء وضع أفضل في المستقبل؟ والفرق بينهما هو الفرق الجوهري بين الاستجابة والاستراتيجية.
والمطلوب في المرحلة المقبلة ليس التخلي عن إدارة الأزمات؛ فهذا أمر لا يمكن تجنبه في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وإنما إضافة مستوى أعلى من التفكير يشمل: إدارة الموارد، وإدارة القوة، وإدارة النفوذ، وإدارة العلاقات الخارجية، وإدارة المخاطر، وإدارة المصالح المشتركة بين أجزاء كوردستان. وبذلك يصبح لكل قرار أمني أو سياسي أو اقتصادي بُعدان متلازمان: بُعد تكتيكي لمعالجة الوضع الراهن، وبُعد استراتيجي لبناء المستقبل.
خاتمة: نحو معادلة تفسيرية للقوة الكوردية
إن تشخيص المعضلة الكوردية لا ينبغي أن ينتهي إلى القول إن الكورد ضعفاء؛ فالأدق هو القول إن الكورد يمتلكون عناصر قوة كبيرة، لكن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى منظومة قوة استراتيجية متماسكة ومتراكمة. وهذا فرق جوهري بين تشخيصين مختلفين تماماً في نتائجهما العملية: فإذا كانت المشكلة هي غياب الموارد، فإن الحل يحتاج إلى موارد جديدة؛ أما إذا كانت المشكلة هي تحويل الموارد الموجودة أصلاً إلى قوة، فإن الحل يكمن في التنظيم والمؤسسات والاستراتيجية والتنسيق والقدرة على التوظيف السياسي.
ومن هنا يمكن صياغة المعادلة التفسيرية التي تختصر حجج هذه الدراسة: الموارد لا تكفي لصناعة القوة؛ والقوة لا تكفي لصناعة النفوذ؛ والنفوذ لا يصبح مكسباً مستداماً إلا إذا امتلك مؤسسات تحميه وتراكمه. وعلى هذا الأساس، فإن السؤال المحوري لم يعد: هل يمتلك الكورد عناصر القوة؟ بل: كيف يمكن تحويل هذه العناصر إلى قوة وظيفية استراتيجية تجعل الكورد شريكاً لا يمكن تجاوز مصالحه في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي؟ وهذا السؤال هو ما ستتناوله دراسة لاحقة تخصص لبناء النظرية الاستراتيجية القابلة للتطبيق انطلاقاً من التشخيص الذي قدّمته هذه الدراسة.
++++++++++++++++++++&&&
قائمة المصادر والمراجع
Dahl, Robert A. "The Concept of Power." Behavioral Science 2, no. 3 (1957): 201-215.
Gunter, Michael M. The Kurds: A Modern History. Princeton: Markus Wiener Publishers, 2016.
Gunter, Michael M., ed. Routledge Handbook on the Kurds. London: Routledge, 2019.
McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 4th ed. London: I.B. Tauris / Bloomsbury, 2021.
Natali, Denise. The Kurds and the State: Evolving National Identity in Iraq, Turkey, and Iran. Syracuse: Syracuse University Press, 2005.
Natali, Denise. The Kurdish Quasi-State: Development and Dependency in Post-Gulf War Iraq. Syracuse: Syracuse University Press, 2010.
Nye, Joseph S., Jr. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs, 2004.
Stansfield, Gareth, and Robert Lowe. The Kurdish Policy Imperative. London: Chatham House, 2010.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟