|
|
بين الاستقلال وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ماذا تقول التجارب الدولية عن مستقبل المشروع الكوردي؟ دراسة مقارنة في الاستقلال والفدرالية والحكم الذاتي واللامركزية
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 08:11
المحور:
القضية الكردية
مقدمة
تطرح القضية الكوردية سؤالاً يتجاوز حدود الموقف الأخلاقي من حق الشعوب في تقرير مصيرها: كيف يمكن تحويل هذا الحق، عندما يُطالب به، إلى نتيجة سياسية قابلة للتحقق والاستمرار؟
فهناك تيار يرى أن الدولة الكوردية المستقلة هي الهدف الطبيعي والمشروع، وهناك تيارات أخرى ترى أن تحقيق الحقوق القومية والسياسية والثقافية يمكن أن يتم، بحسب الظروف، عبر صيغ مختلفة لإعادة تعريف العلاقة مع الدولة المركزية، من الفدرالية إلى الحكم الذاتي واللامركزية وترتيبات تقاسم السلطة.
المشكلة، إذن، ليست في إثبات أن الاستقلال فكرة مشروعة في الوعي السياسي لقسم من الكورد، بل في السؤال الأكثر صعوبة: هل تستطيع استراتيجية سياسية معينة تحويل المطالبة إلى مكسب مستقر؟ وهل تكون لحظة المطالبة نفسها مناسبة؟ وهل تتوافر في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية الشروط التي تسمح بتحويل النتيجة السياسية إلى واقع مؤسسي محمي؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من داخل الحالة الكوردية وحدها. لذلك تستحق تجارب أخرى الدراسة، لا لأنها مطابقة للتجربة الكوردية، وإنما لأنها تكشف عناصر مختلفة من العلاقة بين الإرادة الشعبية، والشرعية القانونية، والمؤسسات، والاعتراف الدولي، والقدرة على حماية النتائج.
ومن هذه الزاوية، تبدو أربع تجارب مفيدة للمقارنة: كاتالونيا، وجنوب السودان، وتيمور الشرقية، وكوردستان العراق عام 2017.
الأولى تُظهر حدود الإرادة الشعبية عندما تصطدم بالبنية الدستورية للدولة وبغياب توافق سياسي على الانفصال. والثانية تُظهر أن الوصول إلى الاستقلال لا يعني تلقائياً بناء دولة مستقرة. والثالثة تُظهر الدور الحاسم للشرعية الدولية وآليات الحماية والانتقال. أما الرابعة فتُظهر كيف يمكن لاستفتاء واسع التأييد أن يفشل في تحويل النتيجة إلى مكسب سياسي عندما لا تتوافر الشروط القانونية والسياسية اللازمة لحمايتها.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فكرة بسيطة، لكنها حاسمة:
ليس السؤال فقط: هل الاستقلال حق؟ بل: كيف ومتى وتحت أي شروط يمكن تحويل هذا الحق إلى نتيجة سياسية قابلة للحياة؟
أولاً: السؤال المركزي - بين عدالة المطالبة وإمكان تحقيقها
قد تكون المطالبة السياسية عادلة، وقد يكون الحق الذي تستند إليه مشروعاً من الناحية الأخلاقية والتاريخية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تحقيقه ممكن في كل لحظة.
فالسياسة الدولية لا تعمل وفق معيار العدالة وحده، وإنما تتداخل فيها القوانين والدساتير، وموازين القوى، والمصالح الإقليمية والدولية، وقدرة الأطراف على التفاوض، ومدى تماسكها الداخلي، وقدرتها على حماية ما تحققه.
ومن هنا يمكن التمييز بين مفهومين كثيراً ما يختلطان:
الحق السياسي، والإمكان السياسي.
قد يكون لشعب ما حق مشروع في تقرير مصيره، لكن تحويل هذا الحق إلى دولة مستقلة يحتاج إلى شروط إضافية.
وهذه الشروط لا تعني التخلي عن الحق، بل تعني امتلاك الأدوات اللازمة لتحقيقه.
وتشير التجارب التي سنبحثها إلى مجموعة من العوامل المتكررة:
الشرعية القانونية أو التسوية السياسية، الوحدة الداخلية، المؤسسات، القدرة على حماية المكاسب، البيئة الإقليمية، والقبول أو الحماية الدولية.
وبقدر ما تتوافر هذه العناصر، يصبح الانتقال من المطالبة إلى النتيجة أكثر واقعية.
ثانياً: كاتالونيا - عندما تصطدم الإرادة الشعبية بالبنية الدستورية
تمثل كاتالونيا واحدة من أبرز الحالات التي تكشف الفرق بين وجود تأييد شعبي للاستقلال وبين القدرة على تحويل هذا التأييد إلى انفصال فعلي.
في 6 سبتمبر 2017 أقر برلمان كاتالونيا القانون رقم 19/2017 الخاص باستفتاء تقرير المصير. وفي 17 أكتوبر 2017 أصدرت المحكمة الدستورية الإسبانية حكمها رقم 114/2017، وقضت بعدم دستورية القانون وبطلانه. وتكشف وثيقة المحكمة نفسها أن القانون كان قد أقر في 6 سبتمبر، وأن الطعن الدستوري جاء ضمن مسار قانوني سابق على الأحداث اللاحقة.
ومع ذلك أُجري التصويت في 1 أكتوبر 2017، وسط مواجهة حادة مع الحكومة الإسبانية والمؤسسات القضائية.
ووفق البيانات التي أعلنتها السلطات الكاتالونية، صوّتت أغلبية كبيرة من الأصوات المحتسبة لمصلحة الاستقلال. لكن قراءة هذه النتيجة تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن العملية نفسها لم تكن استفتاءً دستورياً متوافقاً عليه بين حكومة كاتالونيا والحكومة المركزية، كما أن المحكمة الدستورية الإسبانية كانت قد اعتبرت الأساس القانوني للاستفتاء غير دستوري. لذلك لا يمكن التعامل مع النتيجة بمعزل عن النزاع القانوني والسياسي الذي أحاط بها.
ثم انتقلت الأزمة في 27 أكتوبر 2017 إلى مستوى مؤسسي أكثر حدة، عندما اتخذت الحكومة الإسبانية إجراءات بموجب المادة 155 من الدستور، وأُقيلت حكومة كاتالونيا واتُّخذت إجراءات لإعادة تنظيم إدارة الإقليم.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
لم تكن المشكلة في غياب الإرادة الشعبية بالضرورة، وإنما في أن الإرادة الشعبية لم تجد المسار القانوني والسياسي الذي يحولها إلى دولة مستقلة.
فالدولة الإسبانية لم توافق على الاستفتاء، والمحكمة الدستورية اعتبرت أساسه القانوني غير دستوري، ولم يتشكل توافق سياسي داخلي أو دولي قادر على حماية عملية الانفصال.
لذلك بقيت النتيجة السياسية للتصويت محدودة، ولم تتحول إلى استقلال فعلي أو اعتراف دولي.
والدرس هنا ليس أن الإرادة الشعبية لا قيمة لها.
بل العكس تماماً.
الدرس هو أن الإرادة الشعبية وحدها لا تكفي عندما لا تمتلك قناة سياسية وقانونية تستطيع تحويلها إلى نتيجة قابلة للتنفيذ.
ولهذا فإن تجربة كاتالونيا لا ينبغي اختزالها في عبارة "فشل الاستفتاء"، وإنما ينبغي فهمها بوصفها مثالاً على اصطدام مشروع انفصالي بإرادة شعبية مؤيدة له، من جهة، وبنية دستورية ودولة مركزية رافضة له، من جهة أخرى.
ثالثاً: جنوب السودان - عندما يتحقق الاستقلال ولا تنتهي المشكلة
تقدم تجربة جنوب السودان حالة مختلفة جذرياً.
ففي هذه الحالة لم يكن الاستفتاء مبادرة منفصلة عن الدولة المركزية، بل كان جزءاً من اتفاق سياسي شامل.
فقد نصت اتفاقية السلام الشامل الموقعة في يناير 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان على فترة انتقالية ومسار واضح لتقرير المصير.
وتؤكد الأمم المتحدة أن اتفاقية السلام الشامل أنهت أكثر من عشرين عاماً من الحرب، وأن الاستفتاء على وضع جنوب السودان كان جزءاً من الاتفاقية.
وفي يناير 2011 أُجري الاستفتاء، وصوّت 98.83% من المشاركين لمصلحة الاستقلال. واعتبرت الأمم المتحدة أن العملية كانت سلمية وذات مصداقية وأن النتيجة عكست إرادة شعب جنوب السودان.
ثم أصبحت جمهورية جنوب السودان دولة مستقلة في 9 يوليو 2011.
وهنا يبدو أن المشروع قد حقق هدفه النهائي.
لكن تجربة جنوب السودان تكشف أن الوصول إلى الاستقلال لا يعني انتهاء الصراع.
فالدولة الجديدة واجهت تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، واندلع في ديسمبر 2013 صراع داخلي واسع أدى إلى أزمة إنسانية وأمنية خطيرة، واضطرت الأمم المتحدة إلى تعزيز دور بعثتها في حماية المدنيين ودعم الاستقرار.
وهنا يظهر درس بالغ الأهمية:
هناك فرق بين القدرة على الوصول إلى الاستقلال والقدرة على إدارة الاستقلال.
فالحركة السياسية قد تنجح في الحصول على دولة، لكنها قد تواجه بعد ذلك الأسئلة الأصعب:
كيف ستبني مؤسسات الدولة؟ كيف ستدير التعدد السياسي والاجتماعي؟ كيف ستوزع الموارد؟ كيف ستمنع تحول التنافس السياسي إلى صراع مسلح؟ وكيف ستضمن أن الدولة الجديدة ستكون أكثر استقراراً من المرحلة التي سبقتها؟
لذلك فإن جنوب السودان يقدم درساً مهماً للمشاريع القومية:
الاستقلال ليس نهاية المشروع، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.
فالقدرة على إنشاء الدولة شيء، والقدرة على بناء دولة مستقرة وقابلة للحياة شيء آخر.
رابعاً: تيمور الشرقية - عندما تصبح الشرعية الدولية قوة حماية
تقدم تيمور الشرقية نموذجاً مختلفاً في العلاقة بين الإرادة الشعبية والشرعية الدولية.
في 5 مايو 1999 أبرمت إندونيسيا والبرتغال، برعاية الأمم المتحدة، اتفاقات فتحت الطريق أمام استشارة شعبية بشأن قبول أو رفض وضع الحكم الذاتي الخاص داخل جمهورية إندونيسيا.
وفي 11 يونيو 1999 أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في تيمور الشرقية UNAMET لتنظيم الاستشارة الشعبية والإشراف عليها. وكان التصويت مباشراً وسرياً وعاماً، ضمن إطار دولي واضح.
وفي 30 أغسطس 1999 صوّت الناخبون.
وسجلت الأمم المتحدة 451,792 ناخباً، وبلغت نسبة المشاركة نحو 98% من المسجلين.
وجاءت النتيجة:
78.5% رفضوا الحكم الذاتي الخاص، و21.5% قبلوه.
وأعلنت الأمم المتحدة أن النتيجة عبّرت عن إرادة التيموريين في بدء عملية انتقال نحو الاستقلال.
لكن التصويت لم يكن كافياً وحده.
فبعد إعلان النتيجة اندلعت أعمال عنف واسعة من ميليشيات مؤيدة للاندماج، وحدثت عمليات قتل ونزوح واسعة.
وهنا ظهر العنصر الذي يجعل تجربة تيمور الشرقية مختلفة.
تحولت الشرعية الدولية إلى قوة حماية.
فقد أذن مجلس الأمن بقوة INTERFET لاستعادة النظام، ثم أُنشئت الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة UNTAET في 25 أكتوبر 1999.
ولم تكن مهمة UNTAET رمزية؛ فقد تولت مسؤوليات واسعة شملت الأمن والنظام العام، والإدارة، والخدمات المدنية والاجتماعية، والمساعدة الإنسانية، وبناء القدرات اللازمة للحكم الذاتي.
وبعد مرحلة انتقالية طويلة، انتقلت تيمور الشرقية إلى الاستقلال في مايو 2002.
وهنا تظهر نقطة جوهرية:
لم تكن قوة تجربة تيمور الشرقية في وجود أغلبية شعبية مؤيدة للاستقلال فقط.
بل في أن الإرادة الشعبية كانت جزءاً من اتفاق دولي، وترافقت مع آلية أممية لتنظيم العملية، ثم آلية دولية لحماية نتيجتها، ثم إدارة انتقالية لبناء مؤسسات الدولة.
وهذا يوضح أن الشرعية الدولية ليست مجرد اعتراف دبلوماسي.
في بعض الظروف يمكن أن تصبح الشرعية الدولية أداة لحماية النتيجة نفسها.
خامساً: كوردستان العراق 2017 - عندما لا تتحول الإرادة الشعبية إلى نتيجة سياسية
في 25 سبتمبر 2017 أُجري الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان العراق، وشمل التصويت أيضاً مناطق متنازعاً عليها.
وكان الاستفتاء تعبيراً واضحاً عن اتجاه شعبي واسع نحو الاستقلال.
لكن منذ البداية واجه المشروع مشكلة أساسية تتعلق بالإطار الدستوري والسياسي العراقي، فضلاً عن معارضة الحكومة الاتحادية ومواقف إقليمية ودولية رافضة.
والنقطة الأهم هنا هي أن نتيجة التصويت لم تجد مساراً سياسياً متفقاً عليه لتحويلها إلى استقلال.
وجاء الحسم القانوني من المحكمة الاتحادية العليا في العراق.
ففي قرارها المتعلق باستفتاء 25 سبتمبر 2017، اعتبرت المحكمة أن الاستفتاء والهدف الذي أُجري من أجله لا يستندان إلى أساس دستوري، وقضت بإلغاء جميع الآثار والنتائج المترتبة عليه.
وهذا القرار أصبح لاحقاً أساساً رسمياً للتعامل مع نتيجة الاستفتاء من جانب مؤسسات الدولة العراقية.
ومن هنا يجب التمييز بين أمرين:
الاستفتاء بوصفه تعبيراً عن إرادة شعبية، والاستفتاء بوصفه أداة قادرة على إنشاء دولة.
الأول تحقق بدرجة واضحة.
أما الثاني فلم يتحقق.
وهذا هو جوهر التجربة.
فالمشكلة لم تكن في صندوق الاقتراع وحده، وإنما في العلاقة بين الصندوق والدولة القائمة، وبين القرار السياسي وموازين القوى، وبين النتيجة والقدرة على حمايتها.
وتكشف هذه الحالة أن الاستفتاء يمكن أن يكون قوياً جداً من الناحية الرمزية والسياسية، لكنه قد لا يؤدي إلى تغيير الوضع القانوني والسياسي إذا لم يترافق مع:
تسوية مع الدولة المركزية، أو إطار دستوري مناسب، أو دعم دولي كافٍ، أو قدرة سياسية ومؤسساتية على حماية النتيجة.
وهذا يجعل تجربة 2017 درساً في التوقيت والأداة أكثر مما هي حكم نهائي على مشروعية الطموح الكوردي بالاستقلال.
سادساً: ماذا تقول التجارب الدولية عن التيارين الكورديين؟
إذا انتقلنا الآن من الحالات الأربع إلى السؤال الكوردي، تظهر أمامنا صورتان سياسيتان أساسيتان.
الصورة الأولى هي التي تجعل الدولة الكوردية المستقلة الهدف النهائي.
والصورة الثانية هي التي ترى أن إعادة تعريف العلاقة مع الدولة المركزية، من خلال الفدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية أو غيرها من الصيغ السياسية، قد تكون الطريق الأكثر واقعية في مرحلة معينة.
والتجارب الدولية لا تعطينا جواباً بسيطاً يقول إن أحد الخيارين صحيح والآخر خاطئ.
بل تعطينا شيئاً أكثر أهمية:
توضح لنا متى يصبح كل خيار قابلاً للحياة.
فالاستقلال يحتاج إلى أكثر من أغلبية شعبية.
يحتاج إلى مسار سياسي أو قانوني يسمح به، وإلى وحدة داخلية، ومؤسسات قادرة على إدارة الدولة، وبيئة إقليمية تسمح به، ودرجة كافية من القبول أو الحماية الدولية.
وفي المقابل، فإن الفدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة على أنها تراجع عن المشروع القومي.
فقد تكون في بعض المراحل وسيلة لبناء:
المؤسسات، والاقتصاد، والشرعية السياسية، والإدارة الذاتية، والخبرة في الحكم، والعلاقات الدولية.
وبذلك يمكن أن تصبح الصيغة المرحلية وسيلة لبناء القدرة، وليس بالضرورة بديلاً نهائياً عن الهدف التاريخي.
سابعاً: الاستراتيجية قبل الشعار
المشكلة الأساسية في المشاريع القومية ليست دائماً في اختيار الهدف، وإنما في الخلط بين الهدف والأداة.
يمكن أن يكون الاستقلال هدفاً تاريخياً مشروعاً، لكن ذلك لا يعني أن إعلان الاستقلال أو إجراء الاستفتاء هو بالضرورة أفضل خطوة في كل مرحلة.
وبالمقابل، يمكن أن تكون الفدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية مرحلة استراتيجية، وليست بالضرورة بديلاً نهائياً عن الطموح القومي.
فالقيمة السياسية لأي صيغة لا تُقاس باسمها، وإنما بحجم الحقوق التي توفرها، وبمدى قابليتها للحماية، وبقدرتها على بناء مؤسسات ومجتمع سياسي واقتصادي قوي.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر واقعية:
ما الذي يمكن تحقيقه الآن، وما الذي يجب الاحتفاظ به كهدف استراتيجي للمستقبل؟
هذه المقاربة لا تعني التخلي عن الاستقلال.
كما لا تعني الالتزام المسبق بالفدرالية أو الحكم الذاتي.
إنها تعني ببساطة ترتيب الأهداف والأدوات وفق ميزان القوى والظروف، بدلاً من تحويل كل مرحلة إلى معركة نهائية.
ثامناً: الاستفتاء ليس نهاية الطريق
تُظهر الحالات الأربع أن الاستفتاء أداة، وليس دولة ولا ضماناً للانتصار.
في جنوب السودان كان الاستفتاء جزءاً من اتفاق سلام شامل، ولذلك كانت له طريق سياسية واضحة.
وفي تيمور الشرقية كان جزءاً من اتفاق دولي وإشراف أممي، ثم تبعته آليات حماية وإدارة انتقالية.
أما في كاتالونيا وكوردستان العراق، فلم تتحول نتيجة التصويت إلى استقلال لأن الإطار القانوني والسياسي المحيط بالاستفتاء لم يسمح بتحويل النتيجة إلى دولة.
لذلك، قبل أي استفتاء، يجب أن يكون السؤال:
ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ من سيعترف بالنتيجة؟ من سيحميها؟ من سيدير المؤسسات؟ كيف ستُدار الحدود؟ كيف ستُدار الموارد؟ كيف سيجري الانتقال الأمني؟ ما الخطة إذا رفض المركز النتيجة؟ وما الموقف إذا لم تعترف القوى الدولية بها؟
إذا لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فقد يتحول الاستفتاء إلى لحظة تعبئة جماهيرية قوية، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى مكسب سياسي مستدام.
تاسعاً: العامل الذي لا يجوز تجاهله - الوحدة الداخلية
تكشف التجارب المقارنة أهمية الوحدة الداخلية.
فالمشروع السياسي الذي يطالب بتغيير حدود الدولة أو بنيتها يحتاج إلى درجة عالية من التماسك الداخلي، لأن تكلفة الانقسام تكون أكبر عندما تدخل القضية مرحلة صراع مفتوح مع الدولة المركزية أو القوى الإقليمية.
لكن الوحدة لا تعني التطابق.
يمكن للأحزاب والحركات أن تختلف حول:
توقيت الاستقلال، وشكل الدولة، والعلاقة مع المركز، وطبيعة النظام السياسي، وحدود التفاوض.
المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل وجود حد أدنى من الاتفاق على المصالح الأساسية وعلى إدارة الخلاف.
فإذا تحول التنافس الداخلي إلى صراع يستفيد منه الخصوم الخارجيون، تصبح القضية القومية نفسها أكثر هشاشة.
ومن هنا يصبح بناء مؤسسة سياسية جامعة أحياناً أهم من رفع سقف الخطاب.
فالمجتمع الذي يستطيع التفاوض موحداً، وإدارة موارده، وبناء مؤسساته، وتوزيع السلطة داخلياً، يكون أكثر قدرة على تحويل أي فرصة دولية إلى مكسب حقيقي.
عاشراً: بناء القدرة قبل رفع سقف المطالب
تكشف التجارب المقارنة أن القوة السياسية لا تبدأ عند لحظة إعلان الاستقلال، بل قبلها بسنوات.
تبدأ من:
بناء المؤسسات، وتطوير الإدارة، وتعزيز الاقتصاد، وتوسيع الشرعية الداخلية، وتطوير التعليم، وبناء علاقات دولية، وتحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق المجتمعي.
وهذا لا يعني أن الحقوق السياسية تُكتسب فقط عبر التنمية والإدارة الجيدة.
بل يعني أن القدرة على حماية الحقوق تحتاج إلى قاعدة مؤسسية واقتصادية وسياسية.
فكلما زادت قدرة المجتمع السياسي على إدارة نفسه، زادت الخيارات المتاحة أمامه.
يمكنه أن يفاوض على فدرالية. ويمكنه أن يطالب بحكم ذاتي أوسع. ويمكنه أن يدفع نحو لامركزية عميقة. ويمكنه، عندما تتغير الظروف التاريخية والإقليمية والدولية، أن يدفع باتجاه مشروع الاستقلال.
وهنا يظهر الفرق بين الهدف الاستراتيجي والأداة المرحلية. فالهدف قد يبقى ثابتاً، بينما تتغير الأدوات.
الحادي عشر: ماذا تقول المقارنة بصورة مباشرة؟
يمكن تلخيص الحالات الأربع دون استخدام جدول تقليدي، وبصيغة يمكن نقلها مباشرة إلى ملف Word:
كاتالونيا
الإرادة الشعبية: موجودة، لكن ضمن عملية متنازع على شرعيتها القانونية.
النتيجة: لم يتحول التصويت إلى استقلال.
العامل الحاسم: غياب المسار الدستوري والتوافق السياسي اللازم للانفصال. وقد أكدت المحكمة الدستورية الإسبانية عدم دستورية قانون الاستفتاء.
جنوب السودان
الإرادة الشعبية: واضحة جداً.
الإطار: اتفاق سلام شامل ومسار سياسي معترف به.
النتيجة: استقلال.
العامل الحاسم: وجود اتفاق سياسي وضع الاستفتاء ضمن عملية انتقالية واضحة، مع بقاء تحديات كبيرة أمام بناء الدولة بعد الاستقلال.
تيمور الشرقية
الإرادة الشعبية: واضحة.
الإطار: اتفاق دولي وإشراف أممي.
النتيجة: استقلال.
العامل الحاسم: الشرعية الدولية، ثم الحماية الدولية، ثم الإدارة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة.
كوردستان العراق 2017
الإرادة الشعبية: تأييد واسع للاستقلال.
الإطار: استفتاء لم يكن جزءاً من اتفاق مع الحكومة الاتحادية.
النتيجة: لم يتحول إلى استقلال.
العامل الحاسم: غياب التوافق الدستوري والسياسي، ثم عدم وجود قدرة سياسية ودولية كافية لتثبيت النتيجة.
والدرس المشترك بين الحالات الأربع هو أن نتيجة الاقتراع ليست النتيجة السياسية النهائية بالضرورة.
فالاقتراع يحتاج إلى إطار. والإطار يحتاج إلى شرعية. والشرعية تحتاج إلى قدرة على الحماية. والحماية تحتاج إلى مؤسسات وموازين قوى مناسبة.
الثاني عشر: ما الذي يعنيه ذلك للمشروع الكوردي؟
إذا أسقطنا هذه الدروس على النقاش الكوردي، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
هل نريد الاستقلال أم لا؟
بل:
ما الاستراتيجية التي تزيد قدرتنا على تحقيق حقوقنا في هذه المرحلة؟
وهنا يمكن النظر إلى المسألة على مستويين.
المستوى الأول هو الهدف التاريخي.
وقد يرى جزء من الحركة السياسية الكوردية أن الدولة المستقلة تمثل الشكل الكامل لتقرير المصير.
أما المستوى الثاني فهو الاستراتيجية السياسية المرحلية.
وهنا يمكن أن تدخل الفدرالية، والحكم الذاتي، واللامركزية، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية، وتقاسم السلطة، وضمانات دستورية، وغيرها من الصيغ.
والفرق بين المستويين مهم للغاية.
فليس من الضروري أن يكون قبول صيغة سياسية أقل من الاستقلال في مرحلة معينة إعلاناً بالتخلي عن الطموح القومي.
وفي المقابل، ليس من الحكمة اعتبار الاستقلال مضموناً لمجرد أن هناك أغلبية شعبية تؤيده.
فالاستقلال مشروع يحتاج إلى بناء القدرة التي تحميه.
الخاتمة
تقول التجارب الدولية إن السؤال حول مستقبل أي مشروع قومي لا ينبغي أن يبدأ فقط من سؤال:
هل الاستقلال حق؟
بل يجب أن يتبعه مباشرة سؤال آخر:
كيف ومتى وتحت أي شروط يمكن تحويل هذا الحق إلى واقع سياسي قابل للحياة؟
فالاستقلال قد يكون هدفاً مشروعاً، لكن شرعيته السياسية لا تعني تلقائياً قابليته للتحقق في كل ظرف.
والفدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية ليست بالضرورة تنازلاً عن الهوية القومية؛ فقد تكون، في بعض المراحل، أدوات لبناء القوة والمؤسسات والشرعية التي تجعل المشروع القومي أكثر قدرة على الاستمرار.
وتوضح كاتالونيا أن الإرادة الشعبية يمكن أن تصطدم بالبنية الدستورية إذا لم يوجد اتفاق سياسي على الانفصال.
ويوضح جنوب السودان أن الوصول إلى الدولة لا يعني انتهاء الصراع، بل يفتح مرحلة بناء الدولة وإدارة التعدد والتنافس.
وتوضح تيمور الشرقية أن الشرعية الدولية يمكن أن تتحول من مجرد اعتراف سياسي إلى آلية لحماية الانتقال وبناء المؤسسات.
أما تجربة كوردستان العراق عام 2017 فتؤكد أن الاستفتاء، مهما كان حجم التأييد له، لا يكفي وحده لتغيير الوضع القانوني والسياسي.
وعليه، فإن الدرس الأهم ليس اختيار الاستقلال أو الفدرالية أو الحكم الذاتي أو اللامركزية بصورة مجردة.
بل بناء استراتيجية قادرة على الانتقال من مرحلة إلى أخرى وفقاً للظروف.
فالهدف قد يبقى ثابتاً، لكن الأدوات والتوقيت يمكن أن تتغير.
وقد يكون من الحكمة أحياناً أن يكون السقف السياسي مرتفعاً، بينما تكون الخطوة العملية أكثر واقعية.
وقد يكون من الخطأ أحياناً تحويل الهدف النهائي إلى معركة فورية، إذا كانت الظروف لا تسمح بحمايته.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي تكشفها التجارب المقارنة:
لا يكفي أن تكون القضية عادلة؛ فالقضايا العادلة قد تخسر عندما تفتقر إلى الشرعية السياسية، أو تنقسم من الداخل، أو تدخل المعركة قبل أن تمتلك المؤسسات والقدرة على حماية مكاسبها.
والاستقلال الناجح لا يبدأ يوم إعلان الاستقلال.
بل يبدأ ببناء القدرة التي تجعل الاستقلال، عندما تصبح الظروف مواتية، خياراً ممكناً وقابلاً للحياة. ++++++++++++++++&&&
المصادر والمراجع الأساسية
1. المحكمة الدستورية الإسبانية، الحكم STC 114/2017، 17 أكتوبر 2017. يتعلق بقانون برلمان كاتالونيا رقم 19/2017 الخاص باستفتاء تقرير المصير.
2. الجريدة الرسمية الإسبانية BOE، الإجراءات المتخذة بموجب المادة 155 من الدستور الإسباني في أكتوبر 2017.
3. الأمم المتحدة، UNMIS، Referendum in Southern Sudan. يوثق اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واستفتاء يناير 2011، ونسبة 98.83% للاستقلال.
4. الأمم المتحدة، UN Peacemaker، Comprehensive Peace Agreement، 2005.
5. الأمم المتحدة، وثائق مجلس الأمن المتعلقة بتيمور الشرقية وUNAMET. قرار إنشاء بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستشارة الشعبية ضمن الاتفاقات الموقعة بين إندونيسيا والبرتغال.
6. الأمم المتحدة، بيان الأمين العام بشأن نتيجة الاستشارة الشعبية في تيمور الشرقية، 3 سبتمبر 1999. يوثق نسبة 78.5% الرافضة للحكم الذاتي و21.5% المؤيدة له.
7. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، وثائق INTERFET وUNTAET. توثق العنف الذي أعقب إعلان النتائج، والتدخل الدولي، وإنشاء الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة ومهامها في الأمن والإدارة وبناء المؤسسات.
8. المحكمة الاتحادية العليا في العراق، قرار استفتاء إقليم كوردستان والمناطق المشمولة به، 20 نوفمبر 2017.
9. بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق UNAMI، بيان المحكمة الاتحادية العليا بشأن استفتاء إقليم كوردستان.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من يمثل الكورد؟ ومن يملك حق صياغة سوريا الجديدة؟ اتفاقات الق
...
-
الكورد السوريون في زمن الصراع التركي-الإسرائيلي من قضية قابل
...
-
بناء التوافق الكوردي: من تعدد المشاريع إلى استراتيجية المصال
...
-
الكورد في مفترق القرن: من ثورة السلاح إلى ثورة السياسة
-
من الربيع الإيراني إلى الربيع التركي: هل يُعاد تشكيل الشرق ا
...
-
كوردستان بين وحدة الجغرافيا وتجزئة الدولة من انهيار الدولة ا
...
-
كوردستان كأصل جيوسياسي: من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا المصال
...
-
من -قسد- إلى الدولة: نحو هندسة أمنية سورية جديدة قراءة تحليل
...
-
من روج آفا إلى السويداء: حين تصبح الحماية الخارجية اختباراً
...
-
روج آفا بعد نهاية -قسد- كقوة مستقلة: من معركة الجغرافيا إلى
...
-
ما بعد -قسد-: هل كان الاندماج قدراً مفروضاً أم فاتحة نضال كو
...
-
من الحاجة العابرة إلى الشراكة الدائمة كيف يتحوّل الكورد من أ
...
-
القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة
...
-
من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا
...
-
معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى
...
-
معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى
...
-
الأمن القومي الكوردي: من فلسفة البقاء إلى استراتيجية التأثير
...
-
هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات د
...
-
الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس
...
-
كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا
...
المزيد.....
-
سوريا.. القبض على 9 طيارين بتهم جرائم حرب خلال عهد الأسد ونش
...
-
العقيد موريس يحدثكم عن غوانتانامو.. العناية بضيوف بوش والأدل
...
-
اعتقال 9 طيارين باللاذقية بتهم ارتكاب جرائم في عهد النظام ال
...
-
سوريا: توقيف 9 طيارين سابقين بتهمة ارتكاب جرائم حرب وقصف مدن
...
-
فلوريدا تنفذ حكم الإعدام الـ15 هذا العام بحق رجل أدين بالقتل
...
-
-لن نكون كبش فداء-.. المغرب يرفض اتهامات التورط في أزمة المه
...
-
رسائل نارية من رئيس المجلس الرئاسي الليبي للأمم المتحدة
-
العفو الدولية تطالب بالإفراج الفوري عن الغنوشي وتندد باعتقال
...
-
اليابان تطالب الأمم المتحدة بمراجعة خريطة العالم الجديدة
-
مصر توجه رسالة صارمة لأوروبا بشأن معسكرات اللاجئين
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|