أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - كوردستان بين وحدة الجغرافيا وتجزئة الدولة من انهيار الدولة العثمانية إلى روج آفا: كيف تحولت قوة جيوسياسية إلى -ورقة- في توازنات المنطقة















المزيد.....


كوردستان بين وحدة الجغرافيا وتجزئة الدولة من انهيار الدولة العثمانية إلى روج آفا: كيف تحولت قوة جيوسياسية إلى -ورقة- في توازنات المنطقة


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 07:57
المحور: القضية الكردية
    


؟

مقدمة: السؤال الذي لم يُطرح بالشكل الصحيح

تُطرح القضية الكوردية في كثير من الأحيان باعتبارها مجموعة من القضايا المنفصلة: كورد باكور ( تركيا )، وكورد باشور (العراق )، وكورد روژ ءڤا ( سوريا )، و كورد روژ هلات ( إيران ). وهذه الطريقة مفهومة من ناحية القانون الدولي المعاصر، لأن الكورد أصبحوا يعيشون داخل حدود دول متعددة.

لكنها تصبح إشكالية عندما نستخدمها لتفسير كيف نشأ هذا الواقع أصلاً.

فإذا بدأنا من الحدود الحالية، فإننا نفترض مسبقاً ما ينبغي أن نفسره.

السؤال الأصح هو العكس:

كيف كان المجال الجغرافي والبشري الكوردي قبل تثبيت حدود الشرق الأوسط الحديثة، وكيف جرى تحويل هذا المجال المتصل بدرجات مختلفة إلى وحدات سياسية متعددة، وما المصالح التي جعلت هذا الخيار أكثر قبولاً لدى القوى الإقليمية والدولية من قيام كيان كوردي موحد؟

وهنا لا نتحدث عن "مؤامرة" بالمعنى البسيط، ولا نفترض أن كل القوى الدولية اتفقت في غرفة واحدة على مشروع واحد. بل نبحث في تلاقي مصالح مختلفة أنتج نتيجة واحدة تقريباً: عدم قيام دولة كوردية موحدة، وتحول الكورد من شعب ذي مجال جغرافي واسع إلى جماعات سياسية موزعة بين عدة دول.

وهذا التحول هو، في حد ذاته، أحد أهم أحداث تشكيل الشرق الأوسط الحديث.

أولاً: كوردستان قبل الحدود الحديثة

لم تكن الجغرافيا التي ارتبطت بالكورد في أواخر العهد العثماني دولة قومية بالمعنى الأوروبي الحديث. ولم تكن كل منطقة جبلية أو كل جماعة سكانية فيها كوردية.

كانت المنطقة فضاءً شديد التنوع، تعاقبت فيه شعوب ولغات وديانات وسلالات سياسية مختلفة، وتداخلت فيه الجماعات الكوردية مع الأرمن والآشوريين والكلدان والسريان والعرب والفرس والتركمان واللور وغيرهم. رغم ان الكورد كانت لهم الغلبة السكانية.

لكن هذا التنوع لا يعني غياب المجال الكوردي.

فخلال القرون الأخيرة من الدولة العثمانية، كانت هناك مناطق واسعة ذات كثافة سكانية كوردية، وإمارات ومشيخات وقوى محلية كوردية، ومراكز حضرية كوردية، وشبكات قبلية واجتماعية امتدت عبر ما أصبح لاحقاً حدود تركيا والعراق وإيران وسوريا.

كما أن المجال الكوردي لم يكن محصوراً في الخطوط التي رسمتها الدول الحديثة لاحقاً. فقد امتد المجال السكاني والقبلي الكوردي في أجزاء واسعة من زاغروس وشرقي الأناضول وشمال بلاد الرافدين، ووجدت جماعات كوردية أيضاً في مناطق أبعد جنوباً وشرقاً.

وتكشف المصادر العثمانية والتقارير القنصلية والدراسات الديموغرافية عن وجود كوردي كبير في عدد من المدن والمناطق خارج ما يُتصور اليوم باعتباره "قلب كوردستان". وتبقى الأرقام التفصيلية موضع نقاش، لأن الإحصاءات العثمانية لم تكن دائماً تصنف السكان وفق القومية بالمعنى الحديث، لكن هذا لا يلغي قيمتها في إعادة بناء التوزيع السكاني.

ولهذا ينبغي التعامل مع أعداد الكورد في أواخر العهد العثماني باعتبارها تقديرات ونطاقات، لا رقماً واحداً نهائياً.

والأهم أن السؤال الديموغرافي لا ينبغي أن يكون:

"كم كان عدد الكورد بالضبط؟"

بل:

"ما الوزن الديموغرافي والجغرافي والسياسي الذي كان يمثله المجال الكوردي قبل تثبيت الحدود الحديثة؟"

و إن الاعتراف بوجود مجال كوردي واسع لا يعني أن المنطقة كانت متجانسة سكانياً أو خالية من جماعات أخرى. فقد عاش الآشوريون والكلدان والسريان والأرمن والعرب والتركمان وغيرهم في مناطق متداخلة، وكانت لهم مراكز وقرى وأقاليم ذات حضور تاريخي واضح. غير أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود هذه الجماعات، بل بحجمها النسبي وانتشارها الجغرافي وطبيعة تمركزها.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الجماعات الآشورية والكلدانية والسريانية كانت ذات أهمية تاريخية وثقافية وسياسية كبيرة، لكنها لم تكن، في مجموعها، كتلة سكانية تضاهي الكورد من حيث العدد أو الامتداد الجغرافي المتصل في عموم المجال الذي يُنسب عادة إلى كوردستان. وهذا لا يبرر بأي شكل إنكار حقوقها أو التقليل من شأنها، لأن الحقوق لا تُقاس بالعدد وحده، ولا يشترط امتلاك جماعة ما فضاءً جغرافياً واسعاً حتى تستحق الحماية والمساواة والاعتراف.

كما أن هذه الجماعات لم تكن كتلة واحدة متجانسة؛ فالفروق بين الآشوريين والكلدان والسريان تتصل بالكنائس واللغات والتقاليد والوعي السياسي، حتى مع وجود تداخلات في الذاكرة التاريخية والهويات المعاصرة. لذلك ينبغي تجنب تصوير المنطقة باعتبارها صراعاً بين كتلتين صافيتين، كما ينبغي في الوقت نفسه عدم استخدام التنوع لنفي حقيقة وجود مجال سكاني كوردي واسع.

وأن كوردستان التاريخية كانت مجالاً ذا غالبية كوردية في أجزاء واسعة منه، لكنه لم يكن مجالاً حصرياً أو متجانساً، بل فضاءً متعدد الجماعات والهويات، تتجاور فيه مناطق ذات كثافة كوردية مع جيوب ومراكز تاريخية لآشوريين وكلدان وسريان وأرمن وعرب وتركمان وغيرهم.

ثانياً: الهوية ليست مسألة جينات

تزداد أهمية هذه النقطة عندما نصل إلى مناطق مثل إيلام وزاغروس.

فقد يكون تاريخ المنطقة قد شهد عيلاميين (لور ) وميديين وفرساً وكورداً وجماعات أخرى، ولا يعني ذلك أن سكان المنطقة اليوم ملزمون بهوية أسلافهم البعيدة.

فالهوية القومية الحديثة تقوم أساساً على الانتماء والوعي الجمعي واللغة والثقافة والذاكرة والتاريخ المشترك، وليس على اختبار جيني.

إذا أعلن إيلامين اليوم أنهم كورد، فهذه حقيقة تتعلق بهويته وانتمائه القومي المعاصر، ولا يمكن نفيها بمجرد القول إن سكان المنطقة في العصور القديمة حملوا هوية مختلفة.

وهذا التمييز ضروري: يمكن دراسة الاستمرارية الجغرافية والتاريخية للسكان والثقافات دون اختراع استمرارية عرقية أو لغوية مطلقة.

فكوردستان التي نعنيها في هذا البحث هي بالأساس مجال جغرافي-بشري وقومي تشكل تاريخياً، وليست ادعاءً بأن كل من عاش في هذه المنطقة منذ آلاف السنين كان كوردي الهوية.

ثالثاً: الحرب العالمية الأولى لم تخلق المسألة الكوردية، لكنها غيرت طبيعتها

عند انهيار الدولة العثمانية، لم يكن الكورد شعباً بلا وجود سياسي أو جغرافي.

لكنهم لم يمتلكوا دولة قومية حديثة موحدة.

وهنا دخلت المنطقة مرحلة مختلفة تماماً.

أصبحت أراضي الدولة العثمانية السابقة موضوعاً لإعادة تنظيم دولية. وكانت بريطانيا وفرنسا وتركيا الجديدة وإيران والقوى الأخرى تتفاوض حول الحدود والنفوذ والأمن والموارد.

وفي هذه المرحلة ظهرت مسألة تقرير المصير الكوردي في الوثائق الدولية.

معاهدة سيفر لعام 1920 لم تتجاهل الكورد. فقد تضمنت المواد 62-64 تصوراً لحكم ذاتي محلي في المناطق الكوردية، مع إمكانية الوصول لاحقاً إلى الاستقلال في ظل شروط وإجراءات محددة.

وهذه الحقيقة مهمة جداً.

فهي تعني أن السؤال في البداية لم يكن:

"هل يوجد كورد يستحقون الاعتراف؟"

بل كان:

"ما الشكل السياسي الذي ينبغي أن تتخذه المناطق الكوردية داخل النظام الجديد؟"

لكن سيفر لم تتحول إلى النظام النهائي للمنطقة.

أدت الحرب التركية-اليونانية وصعود الحركة القومية التركية وإعادة التفاوض مع القوى الكبرى إلى انهيار الترتيب الذي مثلته سيفر، ثم جاءت لوزان سنة 1923 لتثبت إطاراً مختلفاً للعلاقات والحدود.

ومن هنا انتقل الكورد من احتمال وجود ترتيبات دولية خاصة بهم إلى واقع الدول الجديدة التي تضم مناطق كوردية داخل حدودها.

رابعاً: لماذا لم تصبح الجغرافيا الكوردية دولة؟

هنا نصل إلى جوهر المسألة.

كانت كوردستان، وفق مفهومها الجغرافي التاريخي الواسع، تقع في منطقة ذات قيمة استراتيجية استثنائية.

فهي ليست أرضاً معزولة عن النظام الإقليمي.

إنها تقع بين:

- الأناضول.
- إيران.
- بلاد الرافدين.
- الشام.
- طرق التجارة البرية.
- منابع عدد من الأنهار الكبرى.
- مناطق النفط والموارد الطبيعية.
- الممرات الجبلية التي تربط أقاليم استراتيجية مختلفة.

وبالتالي فإن قيام كيان كوردي واسع لم يكن سيعني مجرد إضافة دولة صغيرة إلى الخريطة.

كان سيعني ظهور فاعل جيوسياسي جديد في قلب المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة:

كلما ازدادت القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الكوردية، ازدادت أيضاً أهمية السؤال: من يسيطر عليها؟

وهذا يقودنا إلى أطروحة هذا المقال:

"ربما لم تكن مشكلة كوردستان بالنسبة إلى القوى الكبرى أنها قليلة القيمة، بل أن قيمتها الكبيرة كانت تجعل مسألة سيادتها موضع صراع."

فالدولة الكوردية الموحدة كان يمكن، من حيث المبدأ، أن تصبح دولة مستقرة تربط بين عدة أقاليم، وتستفيد من الموارد والممرات والمياه، وتؤدي دوراً تجارياً واستراتيجياً مهماً.

لكن هذا الاحتمال كان يعني أيضاً أن دولة جديدة ستملك قراراً مستقلاً في منطقة تتقاطع فيها مصالح عدة قوى.

خامساً: العراق والموصل - نموذج مبكر للصراع على الجغرافيا

تظهر هذه المسألة بوضوح في قضية الموصل.

فالموصل لم تكن مجرد منطقة تُضاف إلى العراق بسبب رسم خط على الخريطة.

كانت لها قيمة استراتيجية واقتصادية كبيرة، وكانت تحتوي على مناطق نفطية محتملة، وتقع عند نقطة مهمة بين العراق وتركيا، كما أن سكانها كانوا متنوعين إثنياً ودينياً رغم الغالبية الكوردية.

وكانت المسألة الكوردية جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل المنطقة.

بريطانيا لم تكن أمام خيار بسيط بين "العراق" و"كوردستان".

كانت تبني دولة عراقية ضمن نظام انتدابي، وتحاول في الوقت نفسه تأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية.

وتشير الدراسات التي اعتمدت على الأرشيف البريطاني إلى أن النفط كان عاملاً مهماً، لكنه لم يكن التفسير الوحيد. فقد ارتبطت قضية الموصل أيضاً بالأمن الاستراتيجي، والحدود مع تركيا، وبقاء العراق قابلاً للحياة، وبالمسألة الكوردية، وبالكلفة التي كانت بريطانيا مستعدة لتحملها.

وهنا تظهر نقطة مهمة:

إنشاء العراق نفسه لم يكن خياراً بلا كلفة.

فقد تحملت بريطانيا كلفة عسكرية ومالية ضخمة في العراق، وواجهت ثورة 1920 ومقاومة محلية ومشكلات إدارية وأمنية.

لذلك فإن القول إن "بريطانيا لم تنشئ دولة كوردية لأنها كانت مكلفة" لا يكفي.

كان كلا الخيارين يحمل كلفة.

السؤال الحقيقي هو:

أي نظام كان يمنح بريطانيا نفوذاً أكبر، وسيطرة أفضل على الجغرافيا الاستراتيجية، ومن دون خلق قوة إقليمية كوردية مستقلة يصعب التحكم بعلاقتها مع تركيا وإيران والعراق؟

وهنا يصبح ضم المناطق الشمالية إلى العراق جزءاً من هندسة إقليمية أوسع، لا مجرد قرار إداري.

سادساً: هل كان إنشاء كوردستان أكثر كلفة من إنشاء العراق وسوريا وتركيا؟

هذه من أهم الأسئلة التي ينبغي ألا نهرب منها.

إذا كان إنشاء دولة كوردية موحدة سيحتاج إلى ترسيم حدود جديدة، ومؤسسات، وجيش، وإدارة، وضمانات دولية، وربما صدام مع تركيا وإيران والعراق، فهذه كلفة حقيقية.

لكن البديل الذي تحقق لم يكن بلا كلفة.

لقد احتاج بناء تركيا الحديثة إلى حرب وتعبئة وإعادة رسم للحدود.

واحتاج العراق إلى احتلال بريطاني وثورة 1920 وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

واحتاجت سوريا إلى الانتداب الفرنسي وقمع تمردات متكررة وصراعات داخلية.

واستمرت إيران في مواجهة مسألة المناطق الكوردية والحركات الكوردية على مدى عقود.

وبالتالي لا يمكن أن تكون "الكلفة" وحدها تفسيراً كافياً.

الأرجح أن المسألة كانت نوع الكلفة مقابل نوع العائد.

إن إنشاء دولة كوردية كان سيخلق كياناً جديداً له مصالحه الخاصة.

أما إبقاء المناطق الكوردية داخل دول إقليمية قائمة، فقد سمح للقوى الكبرى بالتعامل مع تلك الدول القائمة باعتبارها وحدات سياسية معترفاً بها، وفي الوقت نفسه بإدارة المسألة الكوردية داخل كل دولة بحسب الظروف.

ومن هنا بدأت تتكون بنية سياسية ستصبح لاحقاً شديدة الأهمية:

الكورد موجودون في أكثر من دولة، ولذلك أصبحت قوتهم السياسية موزعة، وأصبحت كل دولة قادرة على التعامل مع جزء من القضية باعتباره شأناً داخلياً.

سابعاً: المسيحيون والآشوريون والكلدان والسريان - سرد تاريخي بلا إنكار للهوية

تحتاج هذه النقطة إلى قدر خاص من الحذر.

لا يصح علمياً القول إن بريطانيا "اخترعت الآشوريين" من العدم.

فالهويات الآشورية الحديثة لم تظهر فجأة بعد الاحتلال البريطاني، وكانت لدى قطاعات من المسيحيين في بلاد الرافدين، بما في ذلك جماعات مرتبطة بكنيسة المشرق والكنائس السريانية والكلدانية، تصورات عن أصول آشورية وهوية تاريخية مشتركة قبل الاحتلال البريطاني.

وفي مؤتمر باريس للسلام عام 1919 ظهرت مطالب سياسية آشورية واضحة.

لكن هذا لا يلغي مسألة أخرى تستحق البحث:

كيف أثرت الإدارة الاستعمارية البريطانية، والحماية العسكرية، وتشكيل قوات الـLevies، والسياسة الانتدابية، في تحويل الهويات والجماعات المسيحية المختلفة إلى عوامل سياسية وعسكرية داخل الدولة العراقية الناشئة؟

فهذه مسألة مختلفة تماماً عن القول إن بريطانيا "اخترعت شعباً".

كما أن المنطقة لم تكن ثنائية بين "كورد" و"آشوريين".

كانت منطقة متعددة الجماعات والهويات، وكانت العلاقات بينها في بعض الفترات تعاونية وفي فترات أخرى تنافسية أو عنيفة، كما تأثرت جميعها بالحرب العالمية الأولى والانهيار العثماني وسياسات الدول الجديدة.

ولذلك لا ينبغي أن يستخدم البحث التاريخ الكوردي لنفي التاريخ الآشوري أو الكلداني أو السرياني.

بل ينبغي أن نسأل:

كيف أعادت الدولة الاستعمارية والدولة الوطنية لاحقاً ترتيب العلاقات بين هذه الجماعات، وكيف أصبح الاختلاف الإثني والديني جزءاً من هندسة الدولة الحديثة؟

ثامناً: الاتحاد السوفييتي ومفارقة "كوردستان الحمراء"

إذا انتقلنا إلى الاتحاد السوفييتي، نجد نموذجاً مختلفاً لكنه يكشف شيئاً مشابهاً.

في عشرينيات القرن العشرين سمحت السياسة السوفييتية بدرجة من التطور الثقافي الكوردي في أذربيجان وأرمينيا، وظهرت مؤسسات ومبادرات مرتبطة باللغة والثقافة الكوردية.

وفي الوقت نفسه، أُنشئت في أذربيجان السوفييتية منطقة "كوردستان" المعروفة باسم كوردستان الحمراء، وإن كانت تجربتها محدودة زمنياً ومختلفة عن دولة كوردية مستقلة.

ثم تغيرت السياسة جذرياً في عهد ستالين.

أُعيد تنظيم الحدود والإدارة، وتصاعدت سياسات الأمن والتهجير، وفي 1937 و1944 جرى ترحيل جماعات كوردية من مناطق في القوقاز إلى كازاخستان وآسيا الوسطى.

مرة أخرى، لا نرى هنا سياسة ثابتة تجاه الكورد.

نرى قوة كبرى تستخدم المسألة القومية عندما تخدم أمنها ونفوذها، ثم تتراجع عنها عندما تتغير حساباتها الأمنية والسياسية.

وهذا يقربنا من مفهوم "الكورد كورقة"، لكن يجب أن نستخدم المصطلح باعتباره نمطاً في السياسة الدولية لا دليلاً على وجود مؤامرة مركزية واحدة.

تاسعاً: مهاباد - عندما يصبح الحليف أداة تفاوض

في إيران ظهرت جمهورية مهاباد سنة 1946 في ظروف دولية استثنائية.

كانت إيران آنذاك في قلب أزمة بين الاتحاد السوفييتي والقوى الغربية، وكانت القضية مرتبطة أيضاً بالحركة الأذربيجانية وبمطالب السوفييت الاقتصادية والنفطية.

حظيت مهاباد بالدعم السوفييتي، وبرز مصطفى بارزاني وقواته كعنصر عسكري مهم.

لكن هذا الدعم لم يتحول إلى التزام سوفييتي دائم باستقلال كوردستان.

عندما تغيرت المعادلة بين موسكو وطهران، وانسحبت القوات السوفييتية، أصبح وضع مهاباد هشاً للغاية.

دخل الجيش الإيراني المنطقة وانتهت الجمهورية.

يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها واحدة من أوضح الأمثلة على الفرق بين:

دعم القضية الكوردية

و

دعم استقلال القرار الكوردي.

فالدولة الكبرى قد تدعم حركة قومية لأنها تخدم صراعاً أكبر، لكن ذلك لا يعني أنها تقبل بأن تصبح الحركة نفسها صاحبة مشروع سيادي مستقل عندما ينتهي ذلك الصراع.

عاشراً: روج آفا - النسخة الحديثة من السؤال القديم؟

في القرن الحادي والعشرين ظهر نموذج جديد في شمال وشرق سوريا.

مع الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أصبحت القوات الكوردية شريكاً عسكرياً أساسياً للولايات المتحدة في مكافحة داعش.

وكانت الشراكة فعالة إلى درجة جعلت القوة الكوردية أحد أهم الفاعلين المحليين في الحرب.

لكن مرة أخرى يجب التمييز بين أمرين:

الشراكة العسكرية

و

الضمان السياسي لمشروع قومي مستقل.

لم تكن الولايات المتحدة قد تعهدت بإنشاء دولة كوردية في سوريا.

ولهذا فإن وصف ما حدث بأنه "خيانة" يحتاج إلى أكثر من مجرد الإحساس السياسي؛ يحتاج إلى تحديد الوعود والتعهدات التي قطعتها واشنطن فعلياً.

لكن الحالة تكشف نمطاً استراتيجياً مهماً:

"القوة الكوردية يمكن أن تصبح شريكاً لا غنى عنه عندما تؤدي وظيفة استراتيجية، دون أن يعني ذلك أن القوة الكبرى ستدعم بالضرورة تحويل هذه القوة العسكرية إلى سيادة سياسية مستقلة."

وعندما تتغير الأولويات الدولية والإقليمية، يتغير وزن الشراكة.

وهذا يعيدنا إلى مهاباد، وإن كان السياق مختلفاً تماماً.

الحادي عشر: هل تريد القوى الكبرى عدم الاستقرار؟

ليس لدينا ما يكفي للقول إن هناك سياسة غربية موحدة هدفها إبقاء الشرق الأوسط في حالة حرب دائمة حتى يمكن استخدام الكورد.

والأقوى علمياً هو شيء مختلف:

قد تكون القوى الكبرى قد فضّلت في لحظات تاريخية مختلفة نظاماً إقليمياً يمكن التحكم به على نظام أكثر استقراراً لكنه يمنح قوة كوردية مستقلة قدرة أكبر على اتخاذ القرار.

وهذا فرق مهم.

فقد تكون دولة كوردية موحدة مستقرة مفيدة اقتصادياً وجيوسياسياً.

لكن السؤال بالنسبة للقوة الخارجية ليس فقط:

هل ستكون مستقرة؟

بل:

لمن ستكون هذه الاستقرار؟ ومن سيمتلك القرار الاستراتيجي داخلها؟

دولة كوردية مستقرة ومتعاونة مع الغرب يمكن أن تكون حليفاً ممتازاً.

لكن دولة كوردية مستقرة ومستقلة تماماً في منطقة تقع بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، وتتحكم في موارد وممرات استراتيجية، قد تكون في الوقت نفسه قوة جديدة تضطر جميع الأطراف إلى إعادة حساباتها.

وهنا يكمن جوهر المعضلة.

الثاني عشر: من الدولة إلى "الورقة"

مع مرور الزمن، أدى تقسيم المجال الكوردي إلى خلق وضع استراتيجي فريد.

الكورد أصبحوا:

- قوة عسكرية مهمة في بعض المناطق.
- قوة سكانية كبيرة في مناطق أخرى.
- عاملاً جغرافياً في الحدود.
- عاملاً مؤثراً في النفط والمياه والموارد.
- ورقة ضغط في الصراعات بين الدول.
- وشريكاً محتملاً للقوى الدولية.

لكنهم لم يتحولوا إلى دولة واحدة تستطيع جمع هذه العناصر كلها في استراتيجية خارجية موحدة.

وهنا يمكن تفسير تكرار نمط تاريخي:

قوة كوردية محلية تصبح مهمة —> قوة خارجية تتحالف معها —> تتعاظم قيمة هذه القوة –> تتغير البيئة الاستراتيجية –> تبدأ المفاوضات حول مصيرها –> تتراجع الضمانات –> تعود القوة الكوردية إلى التفاوض من موقع أضعف.

هذا لا يعني أن الكورد كانوا دائماً ضحايا سلبيين.

على العكس.

فالقوى الكوردية نفسها اتخذت قرارات استراتيجية مختلفة، وتحالفت مع قوى متعارضة، ودخلت في صراعات داخلية، وأخطأت أحياناً في تقدير نوايا الحلفاء.

ولذلك فإن دراسة القضية يجب ألا تجعل الكورد مجرد موضوع للسياسة الدولية.

بل يجب أن تدرسهم أيضاً كفاعلين استراتيجيين يمتلكون خيارات ومسؤوليات وأخطاء وقدرة على المناورة.

الثالث عشر: المفارقة الكبرى

هنا نصل إلى المفارقة التي ربما تختصر قرناً كاملاً من التاريخ:

القوى الكبرى لم تتجاهل الجغرافيا الكوردية.

كانت تعرف أهميتها.

ولم تتجاهل القوة العسكرية الكوردية.

استخدمتها.

ولم تتجاهل موقع الكورد بين الدول الإقليمية.

استفادت منه.

لكن ذلك لم يتحول بصورة مستقرة إلى اعتراف بأن الكورد يمكن أن يكونوا شريكاً سياسياً صاحب سيادة.

وهذا هو الفرق بين:

أن تكون مهماً في استراتيجية الآخرين

و

أن تكون صاحب استراتيجية مستقلة.

خاتمة: من "المسألة الكوردية" إلى "مسألة النظام الإقليمي"

ربما يكون الخطأ الأكبر في دراسة القضية الكوردية هو أن نسأل:

"لماذا لم يحصل الكورد على دولة؟"

وكأن غياب الدولة هو نقطة البداية.

الأدق أن نسأل:

كيف تشكل النظام الإقليمي الذي جعل الكورد شعباً موزعاً بين عدة دول، وكيف استمرت القوى الدولية والإقليمية في التعامل مع هذه القوة الموزعة باعتبارها جزءاً من توازناتها؟

إذا أثبت البحث أن المجال الكوردي كان بالفعل كتلة بشرية وجغرافية واستراتيجية مهمة، وأن إنشاء الدول الجديدة احتاج هو الآخر إلى تكاليف هائلة، فإن حجة "عدم قيام دولة كوردية بسبب صعوبة إنشاءها" تصبح غير كافية.

عندها يجب البحث في توزيع السلطة والعائد الاستراتيجي.

فالدولة الكوردية الموحدة كانت ستحتاج إلى تكلفة تأسيسية كبيرة.

لكنها كانت ستمنح الكورد أيضاً شيئاً لم يمنحه لهم النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى:

السيطرة السياسية على جغرافيتهم الاستراتيجية.

أما النظام الذي نشأ فعلياً فقد جعل هذه الجغرافيا موزعة بين عدة دول، وجعل القوة الكوردية نفسها موزعة، وأبقى القضية قابلة لإعادة الاستخدام في الصراعات الإقليمية والدولية.

وهذا لا يثبت وجود مؤامرة غربية موحدة.

لكنه يفتح باباً لتفسير أكثر تعقيداً:

"قد تكون تجزئة كوردستان إحدى النتائج الأكثر أهمية لانتقال الشرق الأوسط من فضاء إمبراطوري متعدد إلى نظام من الدول القومية؛ وقد تكون هذه التجزئة، بعد حدوثها، قد تحولت من نتيجة تاريخية إلى آلية مستمرة لإدارة توازن القوى في المنطقة."

ومن هنا تصبح روج آفا، ومهاباد، والموصل، وكوردستان باشور
( العراق )، وتجارب الكورد في تركيا، ليست قصصاً منفصلة.

إنها حالات مختلفة لاختبار السؤال نفسه:

"متى تحتاج القوى الكبرى إلى الكورد كحليف، ومتى تحتاج إليهم كورقة ضغط، ومتى تصبح القوة الكوردية نفسها أكبر من أن تبقى مجرد أداة؟"

وربما يكون السؤال الأعمق الذي يجب أن نختم به:

هل كان الشرق الأوسط سيصبح أكثر استقراراً لو نشأت دولة كوردية مستقرة ضمن تسوية دولية عادلة، أم أن قيام مثل هذه الدولة كان سيخلق في البداية صراعاً أكبر قبل أن يؤدي لاحقاً إلى نظام إقليمي أكثر استقراراً؟

الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون افتراضاً.

بل يجب أن تكون نتيجة البحث في الوثائق والخرائط والسكان والموارد والمفاوضات التي سبقت تشكيل النظام الذي نعرفه اليوم.

أما التفكير الذي ساد بعد سقوط الدولة العثمانية، فلا يبدو بعيداً عن بعض أنماط التفكير السائدة اليوم؛ إذ يقوم في الحالتين على إدارة المنطقة عبر تجزئة المجزأ وتفتيت المفتت، بدلاً من معالجة جذور الصراعات وبناء ترتيبات سياسية عادلة ومستقرة.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كوردستان كأصل جيوسياسي: من جغرافيا الصراع إلى جغرافيا المصال ...
- من -قسد- إلى الدولة: نحو هندسة أمنية سورية جديدة قراءة تحليل ...
- من روج آفا إلى السويداء: حين تصبح الحماية الخارجية اختباراً ...
- روج آفا بعد نهاية -قسد- كقوة مستقلة: من معركة الجغرافيا إلى ...
- ما بعد -قسد-: هل كان الاندماج قدراً مفروضاً أم فاتحة نضال كو ...
- من الحاجة العابرة إلى الشراكة الدائمة كيف يتحوّل الكورد من أ ...
- القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة ...
- من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- الأمن القومي الكوردي: من فلسفة البقاء إلى استراتيجية التأثير ...
- هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات د ...
- الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس ...
- كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا ...
- من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكو ...
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...


المزيد.....




- المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: تصريحات الاحتلال الداعية للتهج ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -حدا- وتكشف كيف قتل زوج ...
- الأمم المتحدة تتهم إسرائيل بتهجير 33 ألف فلسطيني من الضفة ال ...
- تقدم أوروبي بشأن إقامة -مركز عودة- للمهاجرين خارج التكتل
- تونس: اعتقال الصحفي محمد اليوسفي قبيل مشاركته في برنامج حول ...
- إنصافاً لأفريقيا.. الأمم المتحدة تعتمد خريطة أكثر دقة للكرة ...
- الأمم المتحدة تعتمد قرارا لتعديل خرائط العالم... وحجم أفريقي ...
- خريطة جديدة للعالم.. الأمم المتحدة تصحح تشوهات عمرها قرون
- الاحتلال الإسرائيلي يصيب طفلا ويقصف منازل النازحين.. خروقات ...
- الأمم المتحدة: الأرض ستتجاوز عتبة الاحتباس الحراري الخطيرة ب ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - كوردستان بين وحدة الجغرافيا وتجزئة الدولة من انهيار الدولة العثمانية إلى روج آفا: كيف تحولت قوة جيوسياسية إلى -ورقة- في توازنات المنطقة