أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة إلى نفوذ استراتيجي؟















المزيد.....

القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة إلى نفوذ استراتيجي؟


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 17:43
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة
قلّما تجتمع لدى جماعة قومية لا تملك دولة جامعة كل عناصر القوة التي تمتلكها القضية الكوردية: كتلة بشرية تتجاوزاربعون مليون نسمة، موقع جغرافي يتوسط أربع دول إقليمية فاعلة، احتياطيات نفط وغاز ومياه، خبرة عسكرية وأمنية تراكمت عبر عقود من المواجهة، ومؤسسات سياسية وإدارية قائمة فعلاً في أجزاء من كوردستان. ومع ذلك، يظل حجم التأثير السياسي والاستراتيجي الكوردي أقل بكثير مما تسمح به هذه الإمكانات مجتمعة. هذا التناقض هو موضوع هذا المقال: ليس غياب الموارد، بل العجز عن تحويلها إلى قوة منظمة، ثم إلى نفوذ سياسي قابل للاستمرار والحماية.
هذا التشخيص ليس افتراضاً نظرياً معزولاً؛ فقد تكرر مشهد "الإنجاز الكبير الذي يتبعه تراجع كبير" أكثر من مرة في التجربة الكوردية الحديثة، من استفتاء الاستقلال في كردستان العراق عام 2017 إلى مسار التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية، وسنعرض لهما لاحقاً كحالتين توضيحيتين. والهدف من هذا المقال ليس إصدار حكم أخلاقي، بل تفكيك آلية هذا العجز إلى عناصرها المكوّنة، وصولاً إلى صياغة تشخيص قابل لأن يُبنى عليه إطار استراتيجي عملي في مقالات لاحقة.

أولاً: وفرة الموارد لا تعني امتلاك القوة
من الأخطاء المتكررة في التفكير السياسي افتراض أن امتلاك الموارد يساوي امتلاك القوة. فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى قوة، والثروة النفطية لا تتحول بالضرورة إلى نفوذ، والقدرة العسكرية لا تُنتج بالضرورة مكاسب سياسية، والعلاقات الدولية الواسعة لا تعني بالضرورة امتلاك قرار مستقل.
هذه الملاحظة تتقاطع مع ما استقر في أدبيات الاقتصاد السياسي تحت مسمى "لعنة الموارد" (Resource Curse) أو "مفارقة الوفرة" (Paradox of Plenty)، وهو مفهوم بلورته دراسة جيفري ساكس وأندرو وورنر عام 1995 حين لاحظا أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية تميل إلى معدلات نمو أبطأ من الدول الفقيرة بها، بسبب اعتمادها المفرط على عائدات ريعية متقلبة بدل الإنتاج المتنوع. لاحقاً، أضاف ريتشارد أوتي (2001) أن الاقتصادات الريعية تفرز "مجتمعات ريعية" يستبدل فيها منطق الإنتاج بمنطق الاعتماد على الدولة والمُوزِّع الخارجي للثروة. وذهب دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون (2012) إلى أن الفيصل الحقيقي ليس وجود الموارد بل نوعية المؤسسات التي تديرها: فالثروة بلا مؤسسات قوية تتحول إلى أداة لتكريس النخب القائمة بدل أن تكون رافعة تنموية جامعة.
المنطق ذاته ينطبق على القوة الاستراتيجية بمعناها الأوسع، لا الاقتصادية فقط. فالقوة ليست معطى، بل هي محصلة تفاعل بين عدة عناصر: الموارد × التنظيم × المؤسسة × الاستراتيجية × الشرعية × القدرة على التوظيف السياسي. وإذا ضعف أحد هذه العناصر، تراجعت القيمة النهائية للقوة مهما بلغت وفرة الموارد الخام. وهذا يفسّر كيف يمكن لطرف أن يمتلك قدرات عسكرية معتبرة ويخسر سياسياً، أو يمتلك موارد اقتصادية كبيرة ويبقى عرضة للابتزاز، أو يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة ويعجز عن التأثير في القرارات المصيرية.

ثانياً: من الانقسام السياسي إلى مشكلة الأمن القومي
التعدد السياسي في ذاته ليس عيباً؛ بل يمكن أن يكون مصدر قوة حين ينتج تنافساً صحياً وتنوعاً في الخيارات. المشكلة تبدأ حين يتحول التنافس السياسي إلى صراع على احتكار القرار الجامع، أو حين تتقدم المصلحة الحزبية على المصلحة القومية العليا، أو حين يستدعي طرف كوردي قوة إقليمية للضغط على طرف كوردي آخر. عند هذه النقطة يتحول الانقسام من شأن داخلي إلى ثغرة استراتيجية يستثمرها الخصوم.
المثال الأوضح على كلفة هذا النمط هو التوتر البنيوي بين حزب العمال الكردستاني (PKK) وفروعه من جهة، والحزب الديمقراطي الكوردستاني (KDP) بقيادة عائلة بارزاني من جهة أخرى، وهو توتر انعكس مباشرة على وحدة الموقف الكوردي في كل من العراق وسوريا وتركيا؛ إذ استُخدم أحياناً كذريعة لتدخلات عسكرية خارجية، وأحياناً كورقة ضغط داخل المفاوضات بين الأطراف الكوردية والدول المضيفة. والأخطر من الانقسام نفسه أنه يجعل كل جزء أكثر اعتماداً على راعٍ خارجي مختلف، ما يفتح الباب أمام النتيجة الأخطر استراتيجياً: أن تتحول الأطراف الكوردية إلى أدوات في استراتيجيات الآخرين، بدل أن تكون هي صاحبة الاستراتيجية.
من هنا ينبغي أن يكون أحد المبادئ المؤسِّسة للأمن القومي الكوردي: التعددية السياسية مقبولة، أما تحويل الخلاف الكوردي إلى صراع تُستخدم فيه قوة خارجية ضد الكورد فليس مقبولاً من منظور الأمن القومي. وهذا لا يستلزم إلغاء الأحزاب أو دمجها قسراً، بل رسم حدود واضحة للمنافسة حين تمس المصالح العليا المشتركة.

ثالثاً: غياب المستوى الاستراتيجي المشترك
توجد مؤسسات وأحزاب وحركات كوردية قوية في مناطق مختلفة، لكن لا توجد - بالمعنى الاستراتيجي الدقيق - منظومة مؤسساتية جامعة قادرة على أن تحدد بصورة مستمرة: ما هي المصالح الكوردية العليا؟ ما هي التهديدات المشتركة؟ أين تقع الخطوط الحمراء؟ ما القضايا القابلة للتفاوض، وما القضايا التي ينبغي أن تبقى خارج المساومة؟ وكيف تُدار الأزمات بين الأجزاء المختلفة، وكيف تُنسَّق العلاقات الدولية؟
النتيجة أن كل جزء يضطر غالباً إلى إدارة أزماته وفق ظروفه الخاصة، حتى حين تكون لهذه الأزمة انعكاسات مباشرة على بقية الأجزاء. ويجب هنا التمييز بدقة بين التنسيق السياسي الظرفي والاستراتيجية المشتركة: التنسيق يحدث حين تقع الأزمة فعلاً، أما الاستراتيجية فتُحدَّد مسبقاً بالإجابة عن أسئلة من نوع: ماذا نريد؟ ما الذي نرفضه؟ ما الذي يمكن تقديمه؟ ما الذي لا يمكن التنازل عنه؟ وكيف نتصرف حين تتغير موازين القوى الإقليمية؟ هذا المستوى الثالث - مستوى التخطيط الاستراتيجي الجامع، لا الاستجابة اللحظية - هو ما ما زال يحتاج إلى بناء مؤسساتي حقيقي يتجاوز أي حزب أو إقليم بعينه.

رابعاً: الارتهان للخارج وتبدل التحالفات
ليس من الواقعية السياسية افتراض أن الكورد يستطيعون تحقيق أهدافهم دون علاقات مع القوى الإقليمية والدولية؛ بل إن هذه العلاقات تمثل أحد أهم مصادر القوة الكوردية على الإطلاق. لكن المشكلة الحقيقية ليست في وجود التحالفات، بل في كيفية إدارتها. فالتحالف الناجح هو الذي يوسّع خيارات الطرف الأضعف نسبياً، أما العلاقة التي تجعله عاجزاً عن الحركة خارج إرادة حليفه فإنها تتحول تدريجياً إلى تبعية مقنَّعة بلغة الشراكة.
الحالة السورية توضح هذه المعادلة بجلاء. فقد بُنيت قوات سوريا الديمقراطية، ونواتها الأساسية وحدات حماية الشعب الكوردية، كتحالف عسكري متعدد المكونات ساهم بفعالية في دحر تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق استراتيجية واسعة بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. غير أن هذا التحالف العسكري الناجح لم يتحول إلى ضمانة سياسية مستقرة؛ فموقف الإدارة الأمريكية من العمليات العسكرية التركية ضد الوحدات الكوردية أدى في مراحل سابقة إلى خسارة قسد مناطق سيطرة كتل أبيض ورأس العين، ما دفعها إلى زيادة التنسيق مع النظام السوري وروسيا بحثاً عن مظلة حماية بديلة. ولا تزال أنقرة، بحكم اعتبارها حزب العمال الكردستاني وفروعه تهديداً مباشراً لأمنها القومي، عاملاً حاسماً في تحديد سقف ما يمكن أن يحصل عليه الكورد سياسياً مهما بلغ حجم إنجازهم العسكري الميداني.

الدرس الاستراتيجي هنا ليس رفض التعاون الخارجي، بل عدم تحويل الحليف إلى بديل عن الاستراتيجية الذاتية. والقاعدة الواجب اعتمادها: كل شراكة خارجية ينبغي أن تزيد القدرة الكوردية على المناورة، لا أن تقلّصها.

خامساً: غلبة التكتيك على الاستراتيجية
ربما يكون هذا أعمق أسباب الضعف. فقد تضطر القوى الكوردية، بحكم طبيعة الصراعات المحيطة بها، إلى اتخاذ قرارات تكتيكية ضرورية للبقاء الآني. المشكلة تبدأ حين يتحول التكتيك نفسه إلى بديل عن الاستراتيجية. فالقرار الذي يحقق مكسباً فورياً قد يفضي إلى خسارة استراتيجية بعيدة المدى، والتحالف الذي يحل أزمة آنية قد ينتج تبعية مستقبلية، والتنازل الذي يمنع مواجهة اليوم قد يخلق وضعاً أخطر غداً إذا لم يُربط بضمانات سياسية وقانونية واضحة.
استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017 نموذج دال على هذه الفجوة بين المنطق التكتيكي والمنطق الاستراتيجي. فقد أجري الاستفتاء في 25 سبتمبر 2017 رغم معارضة المحكمة الاتحادية العليا العراقية له، وأظهرت نتائجه تأييداً ساحقاً بلغ نحو 93% للاستقلال. غير أن الخطوة لم تُسند بترتيبات دولية أو ضمانات إقليمية مسبقة، فجاء الرد سريعاً وقاسياً: تحرك القوات العراقية والفصائل المسلحة المرافقة لها نحو كركوك في منتصف أكتوبر من العام نفسه، وفَقَد الإقليم سيطرته على مساحات واسعة من "المناطق المتنازع عليها" التي كان قد بسط نفوذه عليها منذ 2014، إضافة إلى مكاسب اقتصادية ومالية عديدة. لقد كان الاستفتاء تعبيراً سياسياً مشروعاً عن إرادة شعبية حقيقية، لكنه اتُّخذ كقرار سيادي كبير من دون أن يخضع لاختبار السؤال الاستراتيجي الحاسم: كيف يؤثر هذا القرار في موقع الكورد بعد خمس أو عشر سنوات، لا في الأسبوع التالي فحسب؟
من هنا تحتاج أي استراتيجية كوردية جديدة إلى الفصل الواعي بين مستويين: التكتيك (كيف نتعامل مع الأزمة الراهنة؟) والاستراتيجية (كيف تنعكس هذه الخطوة على الموقع الكوردي في الأفق المتوسط والبعيد؟)، على أن يخضع كل قرار كبير لسؤال إضافي إلزامي: هل يزيد هذا القرار من القدرة الاستراتيجية الكوردية أم يستهلكها؟

سادساً: القوة العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية
يمتلك الكورد خبرة عسكرية وأمنية تراكمية معتبرة، وقد أثبتت القوات الكوردية - من البيشمركة إلى وحدات حماية الشعب - قدرتها على القتال والدفاع ومواجهة تنظيمات مسلحة شديدة الخطورة. لكن القوة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى مكسب سياسي. فالانتصار الميداني يحتاج إلى ترجمة سياسية، والسيطرة على الأرض تحتاج إلى ترتيبات قانونية ومؤسساتية تُثبّتها، والتضحيات البشرية الكبيرة تحتاج إلى ضمانات سياسية توازيها، والدعم العسكري الخارجي يحتاج إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد وليس مجرد تعاون تكتيكي مرحلي.
الحالتان السابقتان - خسارة كركوك عقب استفتاء 2017، وهشاشة مكاسب قسد الميدانية أمام التوازنات الأمريكية-التركية - تؤكدان النمط ذاته: تحقيق إنجاز عسكري كبير، ثم فقدان جزء واسع من ثماره عند الانتقال إلى مرحلة التفاوض السياسي أو عند تبدّل الحسابات الدولية. لذلك، ينبغي أن تتجاوز الاستراتيجية الكوردية الجديدة سؤال "كيف ننتصر في المعركة؟" إلى سؤال أعمق: كيف نضمن أن يتحول الانتصار العسكري إلى مكسب سياسي واقتصادي ومؤسساتي قابل للاستمرار؟ وهذا لا يعني إهمال البعد العسكري، بل وضعه في مكانه الصحيح كأداة ضمن منظومة أمن قومي أوسع، لا كبديل عنها.

سابعاً: ضعف استثمار الجغرافيا كأداة قوة
تمثل جغرافيا كوردستان أحد أهم عناصر القوة الكوردية، وهي في الوقت ذاته مصدر مستمر للاحتكاك. فوجود المناطق الكوردية على تماس مباشر مع تركيا وإيران والعراق وسوريا يمنحها أهمية أمنية واقتصادية استثنائية. لكن الجغرافيا لا تتحول إلى ورقة قوة بمجرد الموقع؛ فهي بحاجة إلى بنية تحتية متطورة، ومؤسسات مستقرة، وطرق نقل وطاقة فعالة، ومعابر تجارية موثوقة، واقتصاد منتج، وعلاقات متوازنة مع دول الجوار.
عندها فقط يمكن أن تتحول الجغرافيا من عامل يجعل الكورد عرضة لتدخلات الدول المحيطة، إلى عامل يجعل استقرارهم مصلحة مباشرة لهذه الدول ذاتها. وهذا يستلزم تحولاً جوهرياً في التفكير الاستراتيجي: بدل النظر إلى الموقع الجغرافي بوصفه مصدر تهديد دائم، ينبغي التفكير في كيفية تحويله إلى شبكة مصالح إقليمية متشابكة، بحيث يصبح أي اضطراب في الاستقرار الكوردي مكلفاً لدول الجوار نفسها لا لكورد وحدهم.

ثامناً: الاقتصاد والطاقة والمياه كمنظومة قوة لم تُوظَّف بعد
تمتلك أجزاء من كوردستان موارد طبيعية واقتصادية مهمة، لكن الموارد التي لا تُدار ضمن استراتيجية طويلة الأمد يمكن أن تتحول من مصدر قوة إلى مصدر ضعف. أزمة خط أنابيب كركوك-جيهان مثال حي على هذا الخطر: فقد توقف تصدير نفط إقليم كردستان عبر هذا الخط في مارس 2023 إثر حكم تحكيمي دولي لصالح بغداد ضد أنقرة، وظل التصدير معطلاً لسنوات في ظل خلافات قانونية وسياسية متجددة بين بغداد وأربيل، قبل أن تسعى الحكومة الاتحادية عام 2026 إلى تصدير نفط كركوك مباشرة عبر خط بديل يتجاوز الإقليم بالكامل. هذه الوقائع تكشف أن اعتماد اقتصاد الإقليم على منفذ تصدير وحيد يمر عبر أطراف ثالثة يجعل قراره السياسي والاقتصادي رهينة لموازين قوى لا يتحكم بها.
الدرس أوسع من ملف النفط وحده: فالاعتماد الاقتصادي المفرط على مورد واحد يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للضغط، والاعتماد على منفذ تصدير وحيد للطاقة يربط القرار السياسي بموقف الطرف المسيطر على هذا المنفذ، وغياب تنويع الأسواق يُضعف القدرة التفاوضية بنيوياً. لذلك ينبغي أن ينظر الأمن القومي الكوردي إلى النفط والغاز والمياه والزراعة والنقل والطاقة المتجددة والتجارة والمعابر باعتبارها أجزاء من منظومة أمن اقتصادي واحدة، لا ملفات منفصلة يديرها كل طرف بمعزل عن الآخر. وهذا يعني أن السياسة الاقتصادية ليست مجالاً منفصلاً عن الأمن القومي، بل إحدى أدواته الأساسية.

تاسعاً: عدم تراكم المكاسب
من أخطر المشكلات الاستراتيجية أن المكاسب الكوردية لا تتحول دائماً إلى تراكم. فقد يتحقق إنجاز سياسي أو عسكري أو دبلوماسي في مرحلة معينة، ثم تتراجع قيمته بمجرد تغير الظروف المحيطة، والسبب أن هذا المكسب لم يتحول إلى مؤسسة راسخة، أو قانون نافذ، أو اتفاق دولي ملزم، أو ترتيب اقتصادي مستقر، أو شبكة مصالح تجعل التراجع عنه مكلفاً لجميع الأطراف المعنية، لا للكورد وحدهم.
من هنا ينبغي أن يصبح أحد المبادئ الأساسية للاستراتيجية الجديدة: كل مكسب تكتيكي يجب أن يتحول، قدر الإمكان، إلى أصل استراتيجي قابل للتراكم. فالمكسب الذي لا يتراكم يبقى مجرد لحظة تاريخية عابرة، بينما المكسب الذي يتحول إلى مؤسسة ومصلحة وشراكة وضمانة يصبح جزءاً فعلياً من القوة الوطنية المتراكمة.
عاشراً: من إدارة الأزمات إلى إدارة القوة
يظهر من العناصر السابقة مجتمعة أن جزءاً كبيراً من السياسة الكوردية كان مضطراً إلى إدارة الأزمات أكثر من بناء منظومة لإدارة القوة. إدارة الأزمة تسأل: كيف نتجاوز الخطر الحالي؟ أما إدارة القوة فتسأل: كيف نستثمر الأزمة الحالية لبناء وضع أفضل في المستقبل؟ والفرق بينهما هو الفرق الجوهري بين الاستجابة والاستراتيجية.
المطلوب في المرحلة المقبلة ليس التخلي عن إدارة الأزمات؛ فهذا أمر يصعب تجنبه في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، بل إضافة مستوى أعلى من التفكير يشمل: إدارة الموارد، وإدارة القوة، وإدارة النفوذ، وإدارة العلاقات الخارجية، وإدارة المخاطر، وإدارة المصالح المشتركة بين أجزاء كوردستان. بهذا يصبح لكل قرار أمني أو سياسي أو اقتصادي بُعدان متلازمان: بُعد تكتيكي لمعالجة الوضع الراهن، وبُعد استراتيجي لبناء المستقبل.

الخلاصة الاستراتيجية
إن تشخيص المعضلة الكوردية لا ينبغي أن ينتهي إلى القول إن الكورد ضعفاء. الأدق هو القول: إن الكورد يمتلكون عناصر قوة كبيرة، لكن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى منظومة قوة استراتيجية متماسكة ومتراكمة. وهذا فرق جوهري في التشخيص وفي العلاج: فإذا كانت المشكلة غياب الموارد، فإن الحل يحتاج إلى موارد جديدة؛ أما إذا كانت المشكلة تحويل الموارد الموجودة فعلاً إلى قوة، فإن الحل يكمن في التنظيم والمؤسسات والاستراتيجية والتنسيق والقدرة على التوظيف السياسي.
ومن هنا يمكن صياغة المعادلة التي ستقود المباحث اللاحقة: الموارد لا تكفي لصناعة القوة، والقوة لا تكفي لصناعة النفوذ، والنفوذ لا يصبح مكسباً مستداماً إلا إذا امتلك مؤسسات تحميه وتراكمه. وعلى هذا الأساس، فإن السؤال المطروح لم يعد: هل يمتلك الكورد عناصر القوة؟ بل: كيف يمكن تحويل هذه العناصر إلى قوة وظيفية استراتيجية تجعل الكورد شريكاً لا يمكن تجاوز مصالحه في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي؟
+++++++++++++++&&&
قائمة المصادر والمراجع
Sachs, J. D., & Warner, A. M. (1995). Natural Resource Abundance and Economic Growth. NBER Working Paper.
Auty, R. M. (2001). Resource Abundance and Economic Development. Oxford University Press.
Acemoglu, D., & Robinson, J. A. (2012). Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty. Crown Publishers.
ويكيبيديا، "النزاع العراقي الكردي 2017" و"استفتاء انفصال كردستان العراق 2017".
مركز الجزيرة للدراسات، "أزمة استفتاء كردستان: التعقيدات والخيارات"، 2017.
صحيفة العرب، جوان ديبو، "من أجهض استفتاء الاستقلال لإقليم كردستان العراق عام 2017؟"، 2022.
ويكيبيديا، "قوات سوريا الديمقراطية".
مركز جسور للدراسات، "العلاقة بين التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية: الواقع والمستقبل".
الجزيرة نت، "هل تشتعل الحرب في سوريا مجددا بسبب قسد؟"، 2026.
سكاي نيوز عربية، "تركيا ترفض تمديد اتفاق خط أنابيب كركوك-جيهان بصيغته الحالية"، 2026.
موقع نيريج (NIRIJ)، "أزمة خط كركوك-جيهان.. تصعيد سياسي-شعبي واتهامات تعيد الجدل بشأن حقوق الإقليم"، 2026.
ملاحظة: هذا المقال جزء من سلسلة تحليلية حول الاستراتيجية الكوردية الجديدة، ويمهّد للمبحث التالي الذي يحوّل هذا التشخيص إلى إطار نظري قابل للتطبيق.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- الأمن القومي الكوردي: من فلسفة البقاء إلى استراتيجية التأثير ...
- هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات د ...
- الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس ...
- كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا ...
- من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكو ...
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...
- من إنهاء الحرب إلى بناء السلام تركيا والكورد أمام الاختبار ا ...
- حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد قراءة في «جوانب من تراث الكورد ...
- الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية ...
- من الأخفاق الىالقوة: أخلاقيات العمل والمسؤولية الفردية في بن ...
- سلام الأوهام- وتجارة -الفتات-: تفكيك المناورة التركية وتغييب ...
- الشخصية الكوردستانية
- من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الك ...


المزيد.....




- الأونروا تدين اقتحام الاحتلال لمركز تدريب قلنديا وتتمسك باست ...
- الأمم المتحدة تعرب عن قلقها إزاء منع طلاب السويداء من الوصول ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في المدينة وتك ...
- نحو 3 آلاف مفقود في فيضانات نيبال.. -اليونيسف-: أكثر من 17 أ ...
- هل تكرر سيناريو وفاة جورج فلويد في مركز للاجئين بألمانيا؟
- بطلان اعترافات غوانتانامو.. قاضٍ أمريكي يستبعد أهم أدلة محاك ...
- إصابات واعتقالات باقتحامات للاحتلال في الضفة الغربية
- تركيا.. اعتقال -معلمة- شهيرة جمعت مليون ليرة شهريا من محتوى ...
- كولومبيا.. اعتقال مشبوه قد يكون زعيما في عصابة فنزويلية
- -الأونروا- ذاكرة النكبة.. من وكالة مؤقتة إلى سجل لجوء لم يغل ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة إلى نفوذ استراتيجي؟