أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا قراءة استراتيجية في التحول الكردي والنظام الإقليمي الجديد















المزيد.....


من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا قراءة استراتيجية في التحول الكردي والنظام الإقليمي الجديد


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:26
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة

تبدو التطورات المتسارعة في الملف السوري، ولا سيما مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، للوهلة الأولى وكأنها تتعلق بإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية في شمال وشرق سوريا. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن المسألة تتجاوز حدود الترتيب العسكري أو الإداري بين طرفين سوريين، لتندرج ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في سوريا والشرق الأوسط.

فالتطورات الأخيرة، بما فيها المواقف الإيجابية الصادرة عن القيادة السورية، والولايات المتحدة، وتركيا، ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، إلى جانب الدور السياسي الذي اضطلع به الرئيس مسعود بارزاني، فضلاً عن التحولات في الموقف الإسرائيلي تجاه دمشق وأنقرة، تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها بعض الصيغ العسكرية التي نشأت خلال سنوات الحرب السورية، لمصلحة ترتيبات سياسية وأمنية أكثر اتساعاً.

ومن هذه الزاوية، فإن إنهاء "قسد" بوصفها قوة عسكرية مستقلة لا يعني بالضرورة إنهاء الدور السياسي الكوردي، بل قد يمثل انتقالاً من مرحلة فرض الوقائع العسكرية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها إعادة تموضع القوة الكوردية داخل مؤسسات الدولة وفي بنية القرار السياسي السوري.

وهنا تحديداً تكمن أهمية قراءة الخيارات التي اتخذتها القيادة السياسية والعسكرية الكوردية، ممثلة بصورة أساسية بمظلوم عبدي وإلهام أحمد، بعيداً عن الانفعال السياسي أو الخلافات الكوردية الداخلية.


أولاً: الاندماج ليس بالضرورة استسلاماً؛ بل قد يكون انتقالاً في شكل القوة

إن أحد الأخطاء المنهجية في قراءة الاتفاق بين دمشق و"قسد" هو اختزال مفهوم الاندماج في معادلة عسكرية بسيطة: قوة كوردية تتخلى عن سلاحها مقابل دخولها في الجيش السوري.

هذه القراءة تتجاهل أن القوة في العلاقات الدولية لا تُقاس بالسلاح وحده.

فالقوة قد تكون عسكرية، لكنها قد تكون أيضاً سياسية، ومؤسساتية، وجغرافية، وديموغرافية، واقتصادية، وأمنية، وقدرة على إنتاج التوافقات الدولية والإقليمية.

وبالتالي فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس:

هل انتهت "قسد" كقوة عسكرية مستقلة؟

وإنما:

ماذا ستصبح شبكة النفوذ التي راكمتها "قسد" والإدارة الذاتية بعد انتقالها من المجال العسكري المستقل إلى مؤسسات الدولة السورية؟

وهذا السؤال أكثر أهمية بكثير.

إذا تمكنت القيادة الكوردية من الحفاظ على تمثيل سياسي حقيقي، وضمانات دستورية وقانونية للحقوق، وترتيبات أمنية محلية، ودور مؤسساتي في إدارة المناطق ذات الغالبية الكوردية، فإن التحول قد يكون انتقالاً من نموذج "القوة خارج الدولة" إلى نموذج "القوة داخل الدولة".

وهذا النوع من التحول قد يكون أكثر استدامة من البقاء في حالة مواجهة عسكرية مفتوحة مع دمشق وأنقرة.


ثانياً: مظلوم عبدي وإلهام أحمد واختبار الواقعية السياسية

من هذه الزاوية يمكن فهم الدور الذي لعبه مظلوم عبدي بصورة مختلفة عن القراءة التي ترى في الاتفاق مجرد تنازل اضطراري.

لقد واجهت القيادة الكوردية خلال السنوات الأخيرة معادلة بالغة التعقيد: الولايات المتحدة لا تريد قيام كيان كوردي مستقل في سوريا، تركيا ترفض استمرار بنية عسكرية كوردية مستقلة على حدودها، دمشق تريد استعادة سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية، وإسرائيل تتحرك وفق حسابات أمنية إقليمية مرتبطة بإيران وسوريا وتركيا.

في ظل هذه البيئة، كان هامش المناورة محدوداً.

لذلك فإن الانتقال من حماية المشروع الكوردي عبر القوة العسكرية إلى محاولة تثبيت مكاسبه من خلال التفاوض والمؤسسات قد يمثل شكلاً من الواقعية السياسية وليس بالضرورة تراجعاً استراتيجياً.

أما إلهام أحمد، فإن أهميتها تكمن في البعد السياسي والدبلوماسي لهذا المسار؛ أي تحويل الإنجازات الميدانية إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار، والتعامل مع القوى الدولية والإقليمية من خلال خطاب يتجاوز فكرة الإدارة المحلية إلى قضية إعادة بناء الدولة السورية وتحديد شكل العلاقة بين المركز والمناطق.

وهنا يصبح الرهان الحقيقي على قدرة القيادة الكوردية على تحويل ما راكمته خلال الحرب إلى حقوق سياسية ومؤسساتية مستدامة.

ثالثاً: الموقف الكردي الأوسع يكتسب أهمية استثنائية

من أكثر التطورات دلالة في المرحلة الحالية اتساع مساحة التوافق الكوردي حول ضرورة التعامل الواقعي مع التحولات السورية.

فمواقف سروك مسعود بارزاني، ثم مواقف نيجيرفان بارزاني، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مواقف منفصلة عن التحولات الإقليمية.

إن دعم الحوار وتنفيذ الاتفاق بين دمشق والقوى الكوردية يعني عملياً أن مركزاً كوردياً رئيسياً يتمتع بثقل إقليمي ودولي يرى أن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التسوية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية.

فالخلاف الكوردي الداخلي حول تفاصيل الاتفاق أو حول أداء الإدارة الذاتية و"قسد" يجب ألا يتحول إلى خلاف حول الهدف الاستراتيجي الأوسع: حماية الوجود والحقوق الكوردية في سوريا ضمن معادلة إقليمية شديدة التعقيد.

كما أن تأييد نيجيرفان بارزاني للتقدم في عملية الاندماج، وإشادته بدور مظلوم عبدي، يمثلان مؤشراً على أن المسار الذي اختارته القيادة السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا لم يعد معزولاً عن المزاج السياسي الكوردي الأوسع.

وهذا يضعف، في المقابل، القراءات التي تتعامل مع المسار باعتباره قراراً منفرداً أو مغامرة سياسية قامت بها قيادة "قسد" دون سند كوردي أوسع.


رابعاً: التحول الأميركي من "الشريك العسكري" إلى "الدولة السورية"

من أهم مفاتيح فهم التطورات الراهنة التحول في السياسة الأميركية تجاه سوريا.

خلال سنوات الحرب، ارتبطت العلاقة الأميركية مع "قسد" بصورة أساسية بمحاربة تنظيم داعش، حيث أصبحت القوات الكوردية الشريك العسكري الأكثر فعالية لواشنطن في شمال شرق سوريا.

لكن استمرار هذا النموذج كان يصطدم بثلاثة حدود استراتيجية:

1. رفض تركيا لبقاء قوة كوردية مسلحة على حدودها.
2. رغبة دمشق في استعادة السيادة على كامل الأراضي السورية.
3. عدم وجود استراتيجية أميركية معلنة تقوم على إنشاء دولة كوردية مستقلة في سوريا.

لذلك فإن الانتقال الأميركي من دعم "قسد" باعتبارها شريكاً عسكرياً إلى دعم دمجها في مؤسسات الدولة السورية يمكن فهمه باعتباره محاولة لإغلاق مرحلة الحرب وفتح مرحلة جديدة تقوم على إعادة بناء الدولة مع الحفاظ على بعض المكاسب السياسية والأمنية التي تحققت للقوى الكوردية.

وهذا يفسر أهمية الحديث الأميركي عن ضمان الحقوق الكوردية والأدوار السياسية، بالتوازي مع دعم عملية الاندماج.

فالمعادلة الجديدة قد لا تكون:

"قسد" أو الدولة السورية.

بل:

حقوق كوردية داخل الدولة السورية مقابل التخلي عن نموذج القوة العسكرية المستقلة.

وهذه معادلة مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت السنوات السابقة.


خامساً: تركيا ودورها في إعادة تعريف المسألة الكردية السورية

لا يمكن فهم مستقبل شمال وشرق سوريا دون فهم التحول التركي.

لقد كانت أنقرة الطرف الإقليمي الأكثر حساسية تجاه البنية العسكرية لـ"قسد"، ليس بسبب بعدها السوري فقط، وإنما بسبب ارتباطها في الرؤية التركية بالأمن القومي التركي وبحزب العمال الكوردستاني.

وعليه، فإن قبول تركيا بمسار ينهي وجود "قسد" كقوة عسكرية مستقلة يمكن أن يفتح الباب أمام معادلة جديدة.

المسألة هنا ليست مجرد "انتصار تركي" على "قسد"، كما قد توحي بعض القراءات، وإنما قد تكون جزءاً من تسوية أكبر:

إنهاء البنية العسكرية المستقلة مقابل دمج المكونات الكوردية في النظام السياسي السوري الجديد.

وهذا التحول، إذا استقر، يمكن أن يخفف أحد أكبر مصادر التوتر الإقليمي في شمال سوريا.

لكن نجاحه يتوقف على سؤال جوهري: هل ستقبل تركيا بأن يكون للكورد دور سياسي وثقافي وإداري واضح داخل سوريا الموحدة، ما دام هذا الدور لا يتحول إلى بنية عسكرية أو مشروع انفصالي؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن ذلك يعني أن المنطقة تتجه نحو معادلة جديدة تماماً.

سادساً: إسرائيل وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية

تكتسب التحولات في الموقف الإسرائيلي أهمية خاصة عند وضعها في سياق أوسع.

فإسرائيل لم تعد تتعامل مع سوريا بالطريقة نفسها التي كانت تتعامل بها خلال مراحل الحرب السابقة، كما أن الأولويات الأمنية الإسرائيلية في الإقليم أصبحت أكثر ارتباطاً بمواجهة النفوذ الإيراني وبإعادة تعريف مصادر التهديد.

وهنا يمكن فهم أي تقارب أو تنسيق جديد مع دمشق أو أنقرة ضمن إعادة ترتيب للأولويات، وليس بالضرورة باعتباره تغييراً أيديولوجياً أو تحالفاً دائماً.

إن الحرب مع إيران، وتراجع أو تغير بعض أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وإعادة تشكيل موازين القوة في سوريا ولبنان والعراق، كلها عوامل يمكن أن تدفع مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها.

ومن ثم فإن التحول في بعض المواقف الإسرائيلية تجاه سوريا وتركيا لا ينبغي عزله عن التحولات الكبرى في النظام الإقليمي.

سابعاً: هل نحن أمام "صفقة إقليمية" كبرى؟

هنا ينبغي التمييز بين وجود اتجاه إقليمي عام لإعادة ترتيب المنطقة وبين الجزم بوجود صفقة سرية مكتملة التفاصيل.

المؤشرات المتراكمة تسمح بالقول إن هناك عملية إعادة ترتيب واسعة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود "خطة محكمة" بكل تفاصيلها.

إلا أن اللافت هو تقاطع مصالح عدد من القوى في نقطة واحدة:

- دمشق تريد استعادة مؤسسات الدولة والسيادة.
- تركيا تريد إنهاء البنية العسكرية الكوردية المستقلة على حدودها.
- واشنطن تريد إنهاء نموذج الشريك العسكري المؤقت والانتقال إلى تسوية أكثر استدامة.
- القوى الكوردية تريد حماية مكاسبها السياسية والاجتماعية ومنع العودة إلى وضع ما قبل 2011.
- إسرائيل تريد إعادة صياغة البيئة الأمنية السورية والإقليمية بما يقلل مصادر التهديد المرتبطة بإيران.
- إقليم كوردستان العراق يريد منع تحول الأزمة السورية إلى صراع كوردي-كوردي جديد.

هذا التقاطع لا يعني أن جميع الأطراف تملك الأهداف نفسها، لكنه يعني أن الظرف الإقليمي أصبح أكثر استعداداً لإعادة هندسة التوازنات السابقة.

ثامناً: الحرب الإيرانية قد تكون أحد المفاتيح الحاسمة لفهم التحولات

من الخطأ النظر إلى المسألة السورية بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع.

فكلما تراجعت قدرة إيران على استخدام الشبكات العسكرية الممتدة في المنطقة، تغيرت قيمة الجغرافيا السورية في الحسابات الإقليمية.

وفي هذه الحالة تصبح سوريا أمام فرصة، وربما أمام ضغط، لإعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي.

وهنا تتغير وظيفة القوى المحلية أيضاً.

فما كان مطلوباً من "قسد" خلال مرحلة الحرب على داعش قد لا يكون هو المطلوب منها في مرحلة إعادة بناء الدولة السورية.

وبالمثل، فإن ما كانت تراه تركيا خطراً أمنياً مطلقاً في مرحلة الحرب قد يصبح قابلاً للإدارة من خلال ترتيبات سياسية ومؤسساتية جديدة.

هذه هي النقطة التي تجعل التطورات الراهنة أكبر من مجرد اتفاق سوري-كوردي.

تاسعاً: الخطأ الاستراتيجي هو تحويل الخلاف إلى صراع كوردي داخلي

في ظل هذه التحولات، تبدو أخطر مشكلة أمام الحركة الكوردية ليست فقط الضغوط الخارجية، وإنما احتمال تحول الخلافات الداخلية إلى صراع يستنزف القدرة السياسية الكوردية.

فالتاريخ الكوردي الحديث يقدم أمثلة عديدة على أن الانقسامات الداخلية كثيراً ما جعلت القوى الكوردية أكثر عرضة لضغوط القوى الإقليمية.

ولهذا فإن النقد السياسي للإدارة الذاتية و"قسد" حق مشروع، بل ضروري، ولكن يجب الفصل بين:

النقد من أجل التصحيح

و

النقد الذي يتحول إلى أداة لتدمير الشرعية الكوردية الداخلية.

فالاختلاف حول التكتيك لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف حول الحق في الوجود السياسي والثقافي للكورد.

كما أن محاولة تصوير أي اتفاق سياسي بأنه "نهاية للقضية الكوردية" قد تكون قراءة سطحية لطبيعة القوة السياسية.

القضية الكوردية لا تختزل في وجود تشكيل عسكري.

عاشراً: الرهان الحقيقي يبدأ بعد الاندماج

إذا اكتمل الاندماج فعلياً، فإن أصعب مرحلة ستبدأ بعده، وليس قبله.

فالنجاح لن يقاس بعدد الألوية التي تدخل الجيش السوري، وإنما بما سيترتب على ذلك سياسياً ودستورياً ومؤسساتياً.

وتبرز هنا مجموعة من الملفات الحاسمة:

أولاً: ضمان الحقوق الثقافية واللغوية والقومية للكرد.

ثانياً: إيجاد صيغة عادلة لتوزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق.

ثالثاً: ضمان التمثيل السياسي الكردي في مؤسسات الدولة.

رابعاً: الحفاظ على الأمن والاستقرار المحليين ومنع الفراغ الأمني.

خامساً: ضمان عدم استخدام عملية الاندماج لتصفية المكاسب المدنية والسياسية التي تحققت خلال سنوات الإدارة الذاتية.

سادساً: بناء علاقة متوازنة بين دمشق والقوى الكردية بعيداً عن منطق المنتصر والمهزوم.

ومن هنا فإن نجاح مظلوم عبدي وإلهام أحمد في المرحلة المقبلة لن يتحدد بقدرتهما على قيادة عملية عسكرية، بل بقدرتهما على تحويل الشرعية الميدانية إلى شرعية سياسية ومؤسساتية.

حادي عشر: اتساع أفق الإدارة الذاتية

ربما تكون المفارقة الأهم في المشهد الحالي أن الإدارة الذاتية قد تجد نفسها أمام فرصة تاريخية، إذا أحسنت الانتقال من منطق "الإدارة في منطقة خارجة عن سلطة المركز" إلى منطق "المشاركة في صياغة الدولة السورية الجديدة".

وهذا التحول يتطلب إعادة تعريف المشروع.

فبدلاً من أن يكون الهدف الحفاظ على نموذج إداري منفصل بأي ثمن، يمكن أن يصبح الهدف هو إدخال المبادئ التي قامت عليها الإدارة الذاتية-من اللامركزية والإدارة المحلية والتعددية وحقوق المكونات-في النقاش الوطني السوري الأوسع.

وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول تجربة شمال وشرق سوريا من تجربة محلية إلى أحد مصادر الأفكار التي يمكن أن تسهم في بناء الدولة السورية الجديدة.

وهذا، من منظور استراتيجي، قد يكون أكثر أهمية من الحفاظ على شكل مؤسساتي محدد.

ثاني عشر: من القوة العسكرية إلى القوة السياسية

يمكن تلخيص التحول الجاري في معادلة واحدة:

المرحلة السابقة: القوة العسكرية تنتج النفوذ السياسي.

أما المرحلة المقبلة فقد تصبح:

القوة السياسية والمؤسساتية هي التي تحافظ على النفوذ.

وهذا التحول يتطلب تغييراً في أدوات العمل السياسي الكوردي.

فالقوة المقبلة لن تكون في عدد المقاتلين فقط، وإنما في القدرة على:

- بناء التحالفات؛
- إدارة العلاقة مع دمشق؛
- المحافظة على الدعم الدولي؛
- بناء التفاهم مع تركيا؛
- تنسيق المواقف الكوردية؛
- إنتاج خطاب سوري وطني جامع؛
- وتحويل الحقوق الكوردية إلى نصوص دستورية وقوانين ومؤسسات.

وفي هذه النقطة تحديداً يمكن أن يصبح الدور الكوردي أكثر رسوخاً وأقل عرضة للتقلبات العسكرية.

خاتمة: هل نشهد نهاية مرحلة أم بداية مرحلة كوردية جديدة؟

إن قراءة التطورات الأخيرة باعتبارها "نهاية قسد" فقط هي قراءة تركز على الشكل العسكري وتتجاهل التحول البنيوي الأوسع.

نعم، قد تنتهي "قسد" بوصفها تشكيلاً عسكرياً مستقلاً، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى اختفاء القوة السياسية والاجتماعية التي تشكلت حولها.

وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً.

إن تأييد مسعود بارزاني لمسار الحوار، وترحيب نيجيرفان بارزاني بالتقدم في عملية الاندماج، والمواقف الأميركية والتركية الإيجابية تجاه إنهاء البنية العسكرية المستقلة، إلى جانب انخراط القيادة الكوردية في التفاوض مع دمشق، كلها مؤشرات على أن جزءاً مهماً من الحركة الكوردية بدأ يتعامل مع المرحلة الجديدة باعتبارها مرحلة إعادة تموضع لا مرحلة استسلام.

لكن نجاح هذا الخيار ليس مضموناً.

فالانتقال من السلاح إلى السياسة يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً إذا لم ترافقه ضمانات واضحة للحقوق الكوردية، وإذا حاولت دمشق تفسير الاندماج باعتباره عودة كاملة إلى نموذج المركزية القديمة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل التي ستأتي بعد الاتفاق.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المؤشرات المتراكمة تدفع إلى استنتاج أكثر اتساعاً: الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، وسوريا تقع في قلب هذه العملية.

إن تراجع بعض أنماط النفوذ الإيراني، وإعادة تعريف العلاقة بين دمشق وأنقرة، والتحول في الدور الأميركي، وإعادة ترتيب الحسابات الإسرائيلية، والتقارب النسبي بين المواقف الكوردية المختلفة، كلها عوامل تجعل السنوات المقبلة مختلفة جذرياً عن السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب السورية.

ومن هذه الزاوية، فإن ما قامت به قيادة الإدارة الذاتية و"قسد"، ممثلة بمظلوم عبدي وإلهام أحمد، ينبغي ألا يُحكم عليه فقط من خلال ما خسرته أو ما تنازلت عنه في اللحظة الراهنة، وإنما من خلال ما إذا كانت قد نجحت في نقل القضية الكوردية من خانة الصراع العسكري إلى خانة التسوية السياسية والمؤسساتية.

وهذه ليست نهاية الطريق.

بل قد تكون بداية لمرحلة أكثر تعقيداً، يكون فيها السؤال المركزي ليس:

كيف نحافظ على قوة كوردية مسلحة؟

وإنما:

كيف نضمن أن تكون القوة الكوردية جزءاً من صياغة الدولة السورية الجديدة، لا مجرد طرف يندمج فيها؟

إذا نجحت القيادة الكوردية في الإجابة عن هذا السؤال، فإن الاندماج قد يتحول من لحظة يُنظر إليها باعتبارها تراجعاً إلى نقطة تحول استراتيجية في التاريخ السياسي للكورد في سوريا.

وفي هذه الحالة، قد يتضح مع مرور الوقت أن التحول الذي يبدو اليوم للبعض نهاية لمشروع سياسي كان في الحقيقة انتقالاً من مرحلة تثبيت الوجود بالقوة إلى مرحلة تثبيت الحقوق بالسياسة والمؤسسات والتحالفات الإقليمية والدولية.

وهنا تحديداً تكمن قيمة الرؤية بعيدة المدى التي تحتاجها الحركة الكوردية: عدم الوقوف عند شكل الأدوات التي انتهت، وإنما مراقبة البنية الجديدة التي تتشكل من خلفها.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- الأمن القومي الكوردي: من فلسفة البقاء إلى استراتيجية التأثير ...
- هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات د ...
- الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس ...
- كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا ...
- من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكو ...
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...
- من إنهاء الحرب إلى بناء السلام تركيا والكورد أمام الاختبار ا ...
- حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد قراءة في «جوانب من تراث الكورد ...
- الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية ...
- من الأخفاق الىالقوة: أخلاقيات العمل والمسؤولية الفردية في بن ...
- سلام الأوهام- وتجارة -الفتات-: تفكيك المناورة التركية وتغييب ...
- الشخصية الكوردستانية
- من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الك ...
- الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع ...


المزيد.....




- بريطانيا تسجل أعلى معدل إقامة دائمة للمهاجرين منذ 16 عاما
- اختفاء أطفال سوريين وأرقام جديدة حول طالبي اللجوء من المغرب ...
- موسكو: الغرب يتغاضى عن سجون سرية تديرها كييف لتعذيب الأسرى و ...
- -200 في مخزن واحد-.. ناجٍ من -دقريس- يروي للجزيرة نت جحيم ال ...
- توتر في سبتة ومواجهات بين محتجين مناهضين للمهاجرين والشرطة
- تصاعد التوتر في سبتة: مواجهات بين السكان والشرطة إثر أزمة تد ...
- سبتة.. احتجاجات عنيفة وأزمة إنسانية تعصف بالجيب الإسباني بعد ...
- أَغُرْفَة لِلْمُسَاءَلَةِ مُضَافَة ؟؟؟
- خالد شيخ محمد.. من اعتقاله في باكستان إلى محاكمة مؤجلة في غو ...
- بين عودة النازحين وتأمين المساعدات.. «الشروق» ترصد تحديات ال ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا قراءة استراتيجية في التحول الكردي والنظام الإقليمي الجديد