أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - من روج آفا إلى السويداء: حين تصبح الحماية الخارجية اختباراً لبقاء المشروع دروس التجربة الكوردية، وحدود المظلة الإسرائيلية، وما ينبغي على السويداء أن تنجزه قبل أن تتبدّل موازين القوى















المزيد.....

من روج آفا إلى السويداء: حين تصبح الحماية الخارجية اختباراً لبقاء المشروع دروس التجربة الكوردية، وحدود المظلة الإسرائيلية، وما ينبغي على السويداء أن تنجزه قبل أن تتبدّل موازين القوى


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 15:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


دروس التجربة الكوردية، وحدود المظلة الإسرائيلية، وما ينبغي على السويداء أن تنجزه قبل أن تتبدّل موازين القوى
ثمة لحظة يصبح فيها ضرورياً أن نكفّ عن متابعة الأحداث السورية بوصفها سلسلة من المعارك والهدن والاتفاقات المؤقتة، وأن ننظر إليها بوصفها عملية أعمق لإعادة تشكيل الدولة السورية ذاتها. ومن هذه الزاوية، لا تبدو السويداء اليوم مجرد محافظة تشهد نزاعاً بين قوى محلية ودمشق، بل واحدة من آخر المساحات التي لم تُحسم بعد علاقتها بالدولة السورية الجديدة، في وقتٍ تتقاطع فيه على الجنوب السوري مصالح إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا والأردن ودمشق.
من هذه الزاوية بالذات تكتسب تجربة روج آفا أهميتها: لا بوصفها سابقة يُراد إسقاطها حرفياً على السويداء، بل بوصفها درساً في سؤال استراتيجي واحد لا يجوز تجاهله: ماذا يحدث لمشروع محلي حين يقوم بقاؤه على اعتماد قوة خارجية، ثم تتغيّر مصالح تلك القوة أو أولوياتها؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً بالنسبة إلى الكورد. ففي 25 أغسطس/آب 2026، أعلنت "قوات سوريا الديمقراطية" حلّ نفسها كقوة عسكرية مستقلة، واندماج مقاتليها في مؤسسات الدولة السورية، بعد سنوات من السيطرة العسكرية والإدارية في شمال شرقي البلاد، وبعد أن كانت القوة المحلية الرئيسية التي اعتمدت عليها واشنطن في محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". وفي الأيام التالية، عُيّن قائدها السابق مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع. بذلك انتهت، في شكلها العسكري السابق على الأقل، تجربة امتلكت فيها "قسد" جيشاً وأرضاً ومؤسسات وعلاقة استراتيجية مع واشنطن. وهنا تحديداً تكمن العبرة.

أولاً: الحليف ليس ضامناً
لعل أخطر خلط استراتيجي يمكن أن تقع فيه أي جماعة محلية هو الخلط بين ثلاث مراتب مختلفة من العلاقة مع القوى الخارجية:

الحليف: من تتقاطع مصالحه مع مصالحك في لحظة معينة.
الحامي: مَن يتدخل عندما تتعرض للخطر المباشر.
الضامن: الطرف الذي يرتبط ببقائك بالتزامات سياسية وأمنية ومؤسسية، بحيث يصبح التخلي عنك مكلفاً بالنسبة إليه.
امتلكت "قسد" حليفاً قوياً في الولايات المتحدة، لكنها لم تحصل، في النهاية، على ضمانة سياسية تجعل بقاء مشروعها العسكري والمؤسسي المستقل مصلحة أمريكية غير قابلة للمراجعة. وهذا لا يعني أن نهاية التجربة كانت "خيانة أمريكية" محضة؛ فمثل هذا التفسير يبسّط مسألة شديدة التعقيد. فتركيا رفضت منذ البداية قيام كيان كوردي مسلح على حدودها، ودمشق لم تقبل بفقدان السيادة على جزء كبير من أراضيها، والمشروع نفسه واجه إشكالات في الشرعية وفي علاقته ببعض المكونات العربية، إضافة إلى تبدّل البيئة العسكرية والسياسية التي نشأ فيها. لكن النتيجة النهائية تبقى ذات دلالة حاسمة: الدعم الخارجي، مهما بلغت قوته، لا يتحول تلقائياً إلى ضمانة دائمة. وهذه هي أولى الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى السويداء.

ثانياً: السويداء ليست روج آفا
من الخطأ التعامل مع التجربتين وكأنهما متطابقتان. نشأت روج آفا في بيئة كوردية ذات امتداد إقليمي، ووجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع تركيا، كما توسعت الإدارة الذاتية إلى مناطق ذات أغلبية عربية، وهو ما أضاف إلى مشكلتها السياسية معضلة الشرعية المحلية.
أما السويداء، فهي منطقة ذات غالبية درزية متماسكة نسبياً، ولها امتدادات اجتماعية في لبنان وإسرائيل والأردن، وتقع في مجال أمني شديد الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل. فإسرائيل لا تتعامل مع الجنوب السوري باعتباره ملفاً سورياً داخلياً بحتاً، بل من زاوية أمن الجولان ومنع تشكّل قوى معادية قرب حدودها، وقد تدخلت عسكرياً خلال أزمات السويداء أكثر من مرة، بما في ذلك ضرب أهداف تابعة للحكومة السورية في مارس/آذار 2026 عقب هجمات استهدفت الدروز، في تأكيد على أن حماية هذا المكوّن تدخل ضمن حساباتها الأمنية.
غير أن الحذر واجب هنا من استنتاج أكبر من الوقائع: حماية إسرائيل للدروز لا تعني بالضرورة التزامها بحماية مشروع سياسي درزي محدد. وهذا فارق جوهري لا يجوز إغفاله.

ثالثاً: ماذا تريد إسرائيل من الجنوب السوري؟
إذا قرأنا السياسة الإسرائيلية بمنطق المصالح لا بمنطق التمنيات، تبدو الأولوية مرتبطة بأمن الحدود، ومنع عودة إيران أو القوى المرتبطة بها إلى الجنوب، ومنع تشكّل قوة عسكرية تهدد الجولان، وبلوغ ترتيبات أمنية مستقرة. وهذه الأهداف يمكن تحقيقها، من الناحية النظرية، عبر أكثر من صيغة: منها جنوب سوري ضعيف عسكرياً أو منزوع القدرات الهجومية، مع ترتيبات أمنية خاصة وضمانات للدروز، لكن ضمن دولة سورية موحدة.
من هنا تنبثق المعضلة التي ينبغي على السويداء أن تُدركها منذ الآن: قد يكون أمن السويداء مصلحة إسرائيلية، من دون أن يكون شكلها السياسي الراهن مصلحة إسرائيلية دائمة. والفارق بين الأمرين هو تحديداً الفارق بين الحماية المؤقتة والضمانة الاستراتيجية.

رابعاً: هل تتجه المنطقة إلى تسوية أكبر من السويداء؟
لا تتوفر حتى الآن أدلة كافية للجزم بأن واشنطن وتل أبيب وأنقرة اتفقت على صفقة هدفها التخلي عن السويداء لصالح دمشق، وسيكون من الخطأ المنهجي تحويل هذا الاحتمال إلى يقين. لكن هناك مؤشرات تستدعي التعامل معه كسيناريو محتمل الوقوع لا كفرضية مستبعدة.
ففي أغسطس/آب 2026 استؤنفت الاتصالات السورية-الإسرائيلية بوساطة أمريكية، وتركزت على خفض التصعيد وترتيبات أمنية قد تفضي إلى تفاهم أوسع، بينما تعمل واشنطن على آلية لخفض التوتر بين إسرائيل وسوريا وتركيا. وفي الوقت ذاته، اقتربت أنقرة أكثر من دمشق، ورحّبت رسمياً بحل "قسد" واندماجها في مؤسسات الدولة، معتبرة ذلك خطوة نحو وحدة سوريا. هذه التطورات لا تثبت وجود صفقة على حساب السويداء، لكنها تؤكد حقيقة أخرى لا تقل أهمية: السويداء ليست اللاعب الوحيد الذي يقرر مستقبلها.
قد تصل اللحظة التي تجد فيها إسرائيل أن دمشق قدّمت ضمانات كافية لأمن الجنوب، وأن واشنطن ترى في التسوية السورية الموحدة أفضل خيار للاستقرار، وأن تركيا حصلت على ما تريده في الملف الكوردي. عندها قد يتحوّل السؤال من "كيف نحمي المشروع السياسي للسويداء؟" إلى "كيف نحمي الدروز وحقوقهم داخل سوريا الموحدة؟". وهذا التحول، إن وقع، سيكون جوهر الإشكال.

خامساً: ست عبر من التجربة الكوردية
العبرة الأولى - لا تجعل السلاح مشروعاً سياسياً بديلاً. نجحت "قسد" في بناء قوة عسكرية فعالة ووجود مؤسسي وإداري واسع، لكن القوة العسكرية لم تُنتج تلقائياً اعترافاً سياسياً نهائياً. وهنا يجب التمييز بين امتلاك القوة لمنع الإخضاع، وامتلاك مشروع سياسي قادر على البقاء بعد انتهاء الحاجة إلى تلك القوة؛ فالسلاح يمنع اقتحام مدينة، لكنه لا يُنتج وحده دستوراً أو شرعية أو اقتصاداً أو علاقات دولية.
العبرة الثانية - لا تجعل القضية طائفية. هنا تملك السويداء فرصة لم تُتَح بالقدر ذاته للتجربة الكوردية؛ إذ يتطابق المجتمع المطالِب بإدارة شؤونه، إلى حد بعيد، مع المجال الجغرافي للمشروع، خلافاً لتوسّع الإدارة الذاتية إلى مناطق ذات أغلبية عربية في الرقة ودير الزور، وهو ما أنتج إشكالات في الشرعية عمّقها لاحقاً انهيار السيطرة على أجزاء واسعة منها. غير أن هذه الميزة قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا صيغ المشروع بوصفه "حكم الدروز للدروز"، بدل تقديمه بوصفه "حكماً محلياً لأبناء المنطقة ضمن سوريا موحدة، على أساس اللامركزية والحقوق المتساوية". الفارق هنا ليس لغوياً بل فارق في الشرعية: فالمشروع الذي يقدّم نفسه طائفياً يزداد عزلة عربياً وسورياً ودولياً، أما الذي يرفض التقسيم والدولة الأحادية معاً ويطالب فقط بلامركزية تحمي مواطنيها، فيفتح لنفسه مساحة سياسية أوسع بكثير.
العبرة الثالثة - لا تُكرّر تعدد مراكز القرار. من أخطر ما يواجه السويداء تعدد الجهات المتحدثة باسمها: المرجعية الدينية، الفصائل المسلحة، الإدارة المحلية، الشخصيات السياسية. وقد تكون هذه التعددية طبيعية داخل مجتمع يعيش أزمة، لكنها تصبح خطيرة حين تنتقل إلى حقل السياسة الخارجية والتفاوض؛ إذ لا يمكن أن تتفاوض جهة مع دمشق، وأخرى مع واشنطن، وثالثة مع إسرائيل، من دون أن تفقد السويداء قدرتها على تعريف مصالحها بنفسها. والطرف الذي لا يستطيع تعريف مطالبه يصبح عرضة لأن يعرّفها له آخرون.
العبرة الرابعة - لا تطلب الحماية؛ اجعل بقاءك مصلحة للحليف. لا ينبغي أن تخاطب السويداء إسرائيل بمنطق "احمونا لأننا حلفاؤكم"، ولا واشنطن بمنطق "لا تتخلوا عنا لأنكم دعمتمونا"، بل أن تُدرج استقرارها ضمن مصالح هذه القوى ذاتها: جزءاً من أمن الجولان بالنسبة إلى إسرائيل، وأمن الحدود ومنع التهريب بالنسبة إلى الأردن، واستقرار سوريا ومنع عودة التطرف بالنسبة إلى واشنطن، ومنع موجات نزوح جديدة بالنسبة إلى أوروبا. عندها فقط يصبح التخلي عن السويداء مكلفاً - وهذه هي الطريقة شبه الوحيدة لتحويل الحماية الخارجية إلى ضمانة.
العبرة الخامسة - لا تُسلّم أوراق القوة قبل الضمانات. إذا طُلب من السويداء التخلي عن سلاحها أو حل تشكيلاتها العسكرية قبل الحصول على ضمانات سياسية ودستورية وأمنية واضحة، فإنها تخاطر بإضاعة أهم أوراقها. المسألة هنا مسألة تسلسل: ضمانات سياسية أولاً، ثم ترتيبات دستورية، ثم آلية أمنية واضحة، ثم إعادة تنظيم القوة المحلية تدريجياً - لا العكس.
العبرة السادسة - لا تستبدل استبداد المركز باستبداد محلي. إذا كانت السويداء تطالب دمشق باللامركزية والحقوق والحريات، فعليها أن تقدّم نموذجاً محلياً أكثر انفتاحاً ومساءلة، لا احتكاراً للقرار وتهميشاً للمعارضين وغياباً للرقابة. فشرعية المشروع المحلي تبدأ من داخله، وبناء المؤسسات لا يعني فقط إدارة وشرطة وأجهزة أمن، بل قضاءً مستقلاً، ومجالس محلية شرعية، ورقابة مالية، وإعلاماً حراً، وآليات واضحة لتداول السلطة والمساءلة - وهو ما ظل، في التجربة الكوردية نفسها، أحد مواطن الضعف التي أضعفت جاذبيتها خارج قواعدها الاجتماعية.

سادساً: عقد من سبعة عناصر - ما ينبغي انتزاعه قبل أي تسوية
إذا أرادت السويداء أن تتعلّم فعلاً من روج آفا، فعليها الانتقال من سؤال "من يحمينا؟" إلى سؤال "ما الضمانات التي نحتاجها؟". ويمكن تصوّر عقد أمني-سياسي من سبعة عناصر:

التزام واضح بعدم استخدام القوة لإعادة إخضاع المحافظة أو تغيير تركيبتها السكانية.
حكم محلي واسع بصلاحيات دستورية واضحة في الإدارة والتعليم والثقافة والخدمات والتنمية.
أمن محلي منظم، لا جيشاً طائفياً مستقلاً ولا جهازاً مركزياً مفروضاً من دمشق.
ضمانات دستورية تمنع تحوّل الحقوق إلى مجرد تفاهم سياسي قابل للإلغاء بقرار حكومي لاحق.
آلية مستقلة للتحقق من تنفيذ الاتفاق ومراقبة الخروقات.
شبكة ضمانات متعددة الأطراف تضم الولايات المتحدة والأردن والأطراف الدولية المعنية، مع بقاء إسرائيل جزءاً من المعادلة الأمنية لا صاحباً حصرياً للقضية.
إعادة تنظيم القوة العسكرية تدريجياً وبصورة مرتبطة بتنفيذ الضمانات، لا منفصلة عنها.
هذه ليست شروط انفصال، بل يمكن أن تشكّل أساساً لتسوية سورية جديدة.

سابعاً: الحل الثالث
ربما تكون أكبر خدمة تقدّمها السويداء لنفسها هي الخروج من الثنائية العقيمة بين الانفصال والعودة إلى المركزية الكاملة. فثمة حل ثالث: سوريا موحدة جغرافياً، لا مركزية سياسياً، بحكم محلي واسع، وضمانات دستورية، وأمن محلي منظم، وحقوق متساوية للمواطنين. هذه الصيغة ليست أكثر واقعية فحسب، بل أكثر قابلية للحياة أيضاً. وإذا استطاعت السويداء أن تقدّم نفسها نموذجاً للامركزية السورية، فإنها لا تدافع عن نفسها فقط، بل تطرح حلاً يمكن أن يستفيد منه السوريون في مناطق أخرى. أما إذا تحوّلت إلى مشروع انعزالي مغلق، فسيجد خصومها بسهولة خطاباً لتصويرها مشروع تقسيم أو امتداداً لأجندة خارجية.

ثامناً: ماذا لو عقدت إسرائيل صفقة مع دمشق؟
هذا سؤال يجب ألا تخشاه السويداء، بل أن تستعد له. فإذا حصلت إسرائيل على ترتيبات أمنية قوية في الجنوب، ووجدت واشنطن أن توحيد الدولة السورية يخدم الاستقرار، واستمرت تركيا في دعم وحدة سوريا، فقد تتراجع كثيراً قدرة السويداء على الاعتماد على الدعم الخارجي وحده. وهذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستتخلى عن الدروز، بل قد يحدث ما هو أكثر تعقيداً: انتقالها من حماية مشروع سياسي إلى حماية حقوق ومصالح السكان ضمن تسوية سورية شاملة. والذي يعتمد على الحليف وحده يصبح رهينة قراره؛ أما الذي يبني المؤسسات ويخلق مصالح مشتركة حول بقائه، فيتحول من محمي إلى شريك في التسوية.

تاسعاً: هل تتكرر مأساة الشيخ مقصود في السويداء؟
لا يمكن الجزم بذلك، ولا يصح تحويل التشابه في المسار إلى تطابق في النتيجة. لكن الخطر الحقيقي قد لا يكون عملية عسكرية شاملة، بل ما هو أخطر منها: تسوية تدريجية تُعيد دمج السويداء في الدولة السورية مقابل حقوق محدودة وضمانات مؤقتة، ثم يبدأ تقليص استقلالها الأمني والسياسي مع مرور الوقت. فالتجربة الكوردية لم تنتهِ بانتصار عسكري لطرف على آخر فحسب، بل بعملية أعمق لإعادة تعريف العلاقة بين المشروع المحلي والدولة السورية، أصبحت واقعاً مؤسسياً في أغسطس/آب 2026 مع حل "قسد" واندماجها في الدولة، مع احتفاظ الكورد ببعض المكاسب والحقوق والتمثيل السياسي. والسؤال بالنسبة إلى السويداء إذن ليس "هل ستنتصر أم تخسر؟"، بل: ماذا سيبقى لها حين تنتهي الحاجة إلى الحماية الخارجية؟

خاتمة: لا تكن السويداء "روج آفا أخرى"
ليس المطلوب النظر إلى تجربة روج آفا بوصفها فاشلة بالكامل؛ فالإدارة الذاتية استطاعت بناء مؤسسات، والحفاظ على قدر من الحكم المحلي، وانتزاع مكاسب سياسية وثقافية للكورد، وأفضى الاتفاق النهائي إلى ترتيبات تتضمن حقوقاً وتمثيلاً داخل الدولة السورية. لكنها أخفقت في تحويل قوتها العسكرية وعلاقتها الخارجية إلى ضمانة دائمة لاستقلال قرارها. وهنا يكمن الدرس الجوهري: لا ينبغي للسويداء أن تسأل فقط "هل ستبقى إسرائيل معنا؟"، بل أن تسأل: ماذا لو تغيّرت إسرائيل؟ ماذا لو تغيّرت واشنطن؟ ماذا لو عقدت دمشق صفقة؟ ماذا لو تبدّلت موازين القوى الإقليمية؟
فإذا كان المشروع بلا جواب عن هذه الأسئلة، فهو مشروع يعيش على الحماية لا مشروع يملك مقومات البقاء. أما إذا استطاع بناء مؤسسات شرعية، ومرجعية سياسية واحدة، وقوة أمنية منضبطة، واقتصاد محلي قابل للحياة، وشبكة علاقات عربية ودولية، وضمانات دستورية، وأن يقدّم نفسه جزءاً من حل سوري لا مشروع تقسيم - فعندها يصبح أكثر من طرف محلي ينتظر حماية الخارج؛ يصبح طرفاً يصعب تجاوزه.
ويمكن اختزال الدرس كله في جملة واحدة: لا تبنِ مشروعك على وعد الحليف بأنه سيحميك؛ ابنِه بحيث يصبح التخلي عنك مكلفاً على الحليف، وبحيث يبقى مشروعك قادراً على الحياة حتى لو تغيّر موقفه.
كانت روج آفا تجربة في القوة والحماية الخارجية. أما الاختبار الحقيقي للسويداء فهو أن تحوّل تلك التجربة إلى درس في بناء الضمانة، قبل أن تبلغ اللحظة التي يصبح فيها الحليف هو من يقرر شكل نهايتها. فالمعركة الحقيقية في الجنوب السوري ليست فقط على من يسيطر على السويداء اليوم، بل على من سيقرر شكلها حين تنتهي الحرب، ومن سيضمن ألا يتحول الاتفاق الذي يولد في لحظة ضعف، بعد سنوات، إلى سبب جديد للضعف.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روج آفا بعد نهاية -قسد- كقوة مستقلة: من معركة الجغرافيا إلى ...
- ما بعد -قسد-: هل كان الاندماج قدراً مفروضاً أم فاتحة نضال كو ...
- من الحاجة العابرة إلى الشراكة الدائمة كيف يتحوّل الكورد من أ ...
- القوة المهدورة: لماذا يعجز الكورد عن تحويل إمكاناتهم الهائلة ...
- من اندماج -قسد- إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في سوريا ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- معضلة القوة الكوردية لماذا لم تتحوّل الإمكانات المتراكمة إلى ...
- الأمن القومي الكوردي: من فلسفة البقاء إلى استراتيجية التأثير ...
- هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات د ...
- الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس ...
- كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا ...
- من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكو ...
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...
- من إنهاء الحرب إلى بناء السلام تركيا والكورد أمام الاختبار ا ...
- حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد قراءة في «جوانب من تراث الكورد ...
- الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية ...


المزيد.....




- صلّى مع مستوطنين كان ذاهبًا لإخلائهم.. الجيش الإسرائيلي يعفي ...
- السعودية تعلن مقتل بحارين اثنين في واقعة بمضيق هرمز
- رئيس -دويتشه بنك- يحذر من صعود الأحزاب الشعبوية
- أمريكا وإيران.. تبادل الضربات والتهديد بمزيد من التصعيد والت ...
- زاخاروفا تروي قصة مشاهد مزوّرة للافروف
- صحيفة بريطانية: أوكرانيا عاجزة عن اعتراض المسيرة النفاثة الر ...
- اصطدام ناقلتي نفط بالألغام حاولتا عبور الجانب العماني من مضي ...
- رئيس كوريا الجنوبية يطرح خطة ثلاثية للتعايش السلمي مع الشمال ...
- لماذا تماطل واشنطن في تسليم مصر مقاتلاتها؟.. تقرير عبري: الص ...
- -أقوى سلاح للإغراء-.. ترند مثير للجدل على -تيك توك-


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان فلو - من روج آفا إلى السويداء: حين تصبح الحماية الخارجية اختباراً لبقاء المشروع دروس التجربة الكوردية، وحدود المظلة الإسرائيلية، وما ينبغي على السويداء أن تنجزه قبل أن تتبدّل موازين القوى