أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الفقيه الذي أضاع المصحف... ووجد الحكاية














المزيد.....

الفقيه الذي أضاع المصحف... ووجد الحكاية


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 23:50
المحور: الادب والفن
    


كتب صديقنا وأستاذنا جواد الرامي عن علبة «لوقيد السبع»، فلم يكتف بأن ينفض عنها غبار السنين، أو أن يتتبع تاريخها الصناعي والإشهاري، بل فعل ما يفعله الذين يعرفون أسرار الأشياء القديمة: زرع فيها الروح من جديد.

فعل ذلك وهو ينظر إلى علبة كبريت صغيرة، لكن عينه لم تر علبة فقط؛ رأت زمنا، وصورة، واسدا صغيرا استقر في الذاكرة، ورأت كيف يمكن لعلامة إشهارية أن تخرج من المصنع، وتدخل الدار، ثم الدكان، ثم اللغة الشعبية، قبل أن تستقر أخيرا في الذاكرة.

ولأن الأشياء حين تستيقظ من نومها الطويل تستدعي معها الحكايات، فقد تذكرت واحدة من تلك النوادر التي كانت تتناقلها الألسن في زمن كانت فيه الحكاية زاد المجالس، وكان الراوي يقوم بما يشبه مهمة الحارس: يحرس القصص من النسيان، ويحرس الذاكرة من أن يأكلها الزمن.

يحكى أن فقيها، أو شبه فقيه، كان يؤم الناس في دواره. لم يكن الرجل سيئا، لكنه كان شديد الثقة بما يحمله في جيبه، وربما كان جيبه أكثر ازدحاما من رأسه.

وذات صلاة، نسي المصحف، أو نسي أين وضعه، أو لعل الدنيا يومها كانت قد اختلطت عليه قليلا. مد يده إلى جيبه، فأخرج ورقة مطوية، وبدأ التلاوة.

قرأ البسملة، ثم مضى بصوت خاشع:

«ومن لا يحضر في وقت السفر، فلا تقبل منه شكاية...»

ساد الصمت.

رفع أحد المصلين رأسه قليلا، ثم أعاده بسرعة إلى موضعه، خشية أن يفسد خشوعه أو يفسد الصلاة.

أما الثاني، فبدأ يتساءل في سره:
هل أصبح للسفر نصيب من الوحي؟
وهل صارت الشكاية جزءا من التلاوة؟

لكن الفقيه كان مطمئنا، يواصل القراءة وكأن جبريل قد ترك له هذه المرة تذكرة سفر بدل المصحف.

وفي مناسبة أخرى، شاءت الأقدار أن تكون الورقة الثانية من نصيب الصلاة.

فتحها الفقيه، وتلا بخشوع:

«إنكم باستهلاك المنتجات المغربية ستساهمون في اقتصاد البلاد...»

هنا بلغ الأمر منتهاه.

فلم يعد الناس يعرفون: هل هم في مسجد، أم في محطة سفر، أم أمام بقال يروج لعلبة لوقيد؟

وحين انتهت الصلاة، خرج أحد الحلايقية، وكان لسانه أسرع من عقله، وقال عبارته التي حفظتها الذاكرة أكثر مما حفظت اسم الفقيه:

«مسخوط الوالدين فقيه الدوار! صلى بالناس بورقة السفر، وقجر لوقيد!»

فضحك الناس.

وضاعت التفاصيل، وبقيت الحكاية.

ولعل أجمل ما في الحكايات الشعبية أنها لا تسأل كثيرا عن الحقيقة؛ يكفيها أن تكون قابلة لأن تروى. فالفقيه ربما أخطأ في الورقة، لكن الراوي أصاب حين حفظ الخطأ من الضياع.

واليوم، حين يعيد جواد الرامي النظر في علبة «لوقيد السبع»، فإنه لا يقرأ ما عليها من كلمات فقط، بل يفتح بابا في جدار الذاكرة. ومن ذلك الباب تخرج أشياء كثيرة: مطبخ قديم، كانون، شاي، دكان الحي، رائحة الكبريت، وجه أب، يد أم، وصوت حلايقي يضحك الناس في آخر النهار.

هكذا تفعل الذاكرة.

تأخذ علبة صغيرة، وتضع فيها زمنا كاملا.

وتأخذ ورقة سفر، فتجعل منها صلاة.

وتأخذ عبارة إشهارية عن اقتصاد البلاد، فتجعل منها مادة للضحك.

ثم تسلم كل ذلك إلى الراوي.

والراوي، في ثقافتنا الشعبية، ليس مجرد رجل يحكي.

إنه حارس القصص، وأمين حكايات السلام؛ يجمع ما تناثر من أيام الناس، ويحفظ ما كاد يسقط من الذاكرة، ثم يعيده إلينا في ليلة أخرى، وعلى لسان آخر، وبشيء من الضحك.

ولذلك، حين يموت أصحاب الأشياء، تبقى الأشياء شاهدة.

وحين تصمت الأشياء، يتكلم الراوي.

وحين ينسى الناس، تأتي الحكاية لتقول لهم:

كان هنا زمن... وكان هنا أناس... وكانت هناك علبة لوقيد، وفقيه، وورقة سفر، وحلايقي يعرف كيف يحول الخطأ إلى ذاكرة.

وربما لهذا السبب بالذات، حين أشعل جواد الرامي فتيل الذاكرة بعلبة «لوقيد السبع»، لم تشتعل عود الكبريت وحدها...

اشتعلت الحكاية.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيخ الذي كان يفهم لغة الماعز/ مجموعة قصصية
- اسفار الندبة والقمر / السفر الثاني / وصية الموج ( برحيل لا ي ...
- الحمار الأبيض... حكاية لا تموت
- الأشرعة التي تبحث عن السلام
- ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة
- حين حوكم الضوء وتوارى الظلام
- أنا... صوت الحكاية الأولى
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الفقيه الذي أضاع المصحف... ووجد الحكاية