أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حارس البوصلة وفتات الجهات














المزيد.....

حارس البوصلة وفتات الجهات


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:19
المحور: الادب والفن
    


في مساء يليق بالحكايات التي تخاف الانطفاء، جلس الراوي أمام نافذة لا تطل على العالم، بل تعيد ترتيبه. لم يكن راويا عاديا؛ كان حارس القصص وحكايات السلام، ذاك الذي يجمع ما تبقى من الذاكرة حين تتساقط من أيدي الزمن. في دفتره القديم، كانت الأصوات تحفظ كما تحفظ البذور، انتظارا لموسم أقل ضجيجا.

في تلك الليلة، انفتح المجرى على صوت عميق، يشبه نداء قديما للمعنى. كان ظل أحمد اليبوري يمر عبر الكلمات، لا بوصفه اسما، بل كأثر يعيد للغة وقارها، ويذكر الحروف بأنها خلقت لتقول أكثر مما يظهر.

ابتسم الحارس، ودون:
"حين تتكلم الثقافة، تتباطأ عقارب الساعة كي لا تخطئ الإصغاء."

لكن الخيط—الرفيع كحكمة في فم شيخ—انقطع.
اندفعت صورة أخرى: مساحة خضراء، أقدام تركض، وهتاف يعلو كريح لا تسأل إلى أين. لم يكن المشهد غريبا في ذاته؛ الغريب أنه جاء في غير مقامه، كجملة أُزيحت قبل أن تكتمل.

تردد الحارس بين نافذتين: واحدة تنصت، وأخرى تشاهد.
مد يده إلى بوصلة يحتفظ بها منذ زمن بعيد؛ بوصلة لا تشير إلى الشمال، بل إلى المعنى. غير أنها، هذه المرة، ارتجفت. دارت إبرتها بين جهتين: جهةِ الفكرة، وجهةِ الفرجة. ولم تستقر.

لم يغضب. فحارس السلام يعرف أن العالم لا يصلح بالصراخ، بل بجمع ما يتساقط. انحنى، وراح يلتقط من الهواء فتات الجملة التي قطعت: كلمة هنا، وصمتا هناك، وإيماءة لم تفهم بعد. وضعها في دفتره، إلى جانب قصص أنقذها من النسيان.

وفي الهامش، تذكر ابتسامة ذكية، كانت قد مرت ذات يومٍ على صفحة زرقاء. لم تكن صرخة، بل علامة ترقيم تعيد ترتيب السؤال. كانت تعود إلى المصطفى الطالب، الذي يعرف كيف يترك المفارقة تتكلم بدل أن يرفع صوته.

كتب الحارس تحت الهامش:
"حين تزاح الجملة ليفسح المجال للاندفاع، لا نخسر لحظة فحسب… قد نخسر جهة."

رفع رأسه. في الخارج، كانت المباراة مستمرة، والمدينة تتنفس على إيقاع سريع. وفي الداخل، كان دفتره يزداد ثقلا—لا بالحبر، بل بما يحمله من بقايا المعنى.

أغلق النافذة قليلا، لا ليمنع الصوت، بل ليحفظ ما تبقى من السكون. ثم عاد إلى بوصلته، مسح عنها غبار التشتت، وهمس لها كما يهمس لطفل ضل الطريق:
"لا تبحثي عن الشمال… ابحثي عمن ما زال ينصت."

وعند آخر الصفحة، حيث يوقع عادة بما لا يرى، ترك الحارس أثره:
جملة ناقصة، مقصودة النقصان، كي تبقى مفتوحة لمن يأتي بعده—
لمن سيجمع، مرة أخرى، ما يتساقط من ذاكرة العالم، ويعيد للجهات أسماءها… دون أن يقصي واحدة.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور


المزيد.....




- يا صاحب الكرش الكبير
- عبد الرحمن أبو زهرة.. رحيل فنان قدير وجدل سياسي لا ينقطع
- هل يجرؤ العالم على المشاهدة؟.. 6 أفلام عربية تنتزع الأضواء ف ...
- ظهور أول للملاكمة الجزائرية إيمان خليف في مهرجان كان السينما ...
- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً
- هل راح المغني!؟
- تغريد النجار: كيف نحكي للطفل عن دمية ضاعت عام 1948 وحروب في ...
- الشاعر الفلسطيني محمود مفلح: الصهاينة دمروا قريتي بالنكبة ول ...
- مأزق التمثيل الفلسطيني والمصير الوطني
- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حارس البوصلة وفتات الجهات