أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - سياج الابتسامة














المزيد.....

سياج الابتسامة


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 22:57
المحور: الادب والفن
    


في قرية صغيرة تتكئ على خاصرة زرهون، حيث لا يفصلها عن كرمة بن سالم سوى كيلومترين من تراب وذاكرة، كان رشدي ونور الدين يمشيان معا كما تمشي الظلال خلف أجسادها. طفلان أخوان، وسيمان، شجاعان، لا يعرف أحدهما معنى الطريق دون الآخر، ولا معنى الاسم دون أن ينطق مقرونا بالاسم الثاني. كانا نموذجا للأخوة الصافية، تلك التي لا تعلم ولا تكتسب، بل تولد كما يولد القلب بنبضه الأول.
قلة فقط من كانوا ينتبهون إلى هذا التلازم العجيب، لأن العيون كثيرا ما تعتاد المعجزات حين تتكرر. لكن من تأملهما مليا أدرك أن الأخوة ليست مشاركة الدم فحسب، بل مشاركة الوجود ذاته. كان رشدي أكثر صمتا، يحمل في نظرته اتزانا مبكرا، بينما كان نور الدين يضحك كما لو أن الضحك اختراع شخصي، وكأن العالم وجد ليكون مادة خاما لمخيلته.
ذات يوم، ظهر رشدي بسياج معدني صغير يطوق ابتسامته: جهاز لتقويم الأسنان. بدت أسنانه كحقل دخلته الهندسة، بينما بقيت ابتسامة نور الدين حرة، غير مسورة، تركض كما تشاء. بدافع الفضول، سألته:
— لماذا لم تركب “الباك” لأسنانك أنت أيضا يا نور الدين؟
رفع رأسه بثبات لا يشبه عمره، وأجاب بنبرة حاسمة كأنها صادرة عن حكيم شارف على الحكمة:
— أنا لن أركبه، حتى لو سقطت السماء على الأرض!
ضحكنا، لكنه أكمل، وقد لمع في عينيه يقين طفولي عنيد:
— الباك مثل سياج الأرض… يبنى خوفا على المحصول، من الرعي الجائر، من رعاة الغنم!.
قالها بإتقان يشي بأن الفكرة نضجت في داخله قبل أن تخرج، كأن خياله سبق عمره بأعوام. في تلك اللحظة، لم يكن نور الدين يرفض جهازا طبيا، بل كان يعلن فلسفة كاملة: أن بعض الأشياء يجب أن تبقى حرة، حتى وإن بدت فوضوية، لأن جمالها في عفويتها.
كان الأخوان كوميديين بالفطرة، لا يصنعان الضحك بل يوقظانه. ضحكهما لم يكن سخرية، بل شفاء خفيفا، يذكر الكبار بما فقدوه دون أن يشعروا. ومع ذلك، كان في ضحكهما عمق إنساني، كأنهما يختبران العالم نيابة عنا، ببساطة لا تعرف الادعاء.
أرجو من الله، وأنا أراهما يكبران خطوة خطوة، أن يبقيا على هذا الطريق: طريق الأخوة التي لا تحتاج إلى شهود، والضحك الذي لا يجرح، والحكمة التي تخرج من فم طفل فتربك يقين الكبار. ففي عالم امتلأ بالأسوار، قد نحتاج إلى نور الدين ليذكرنا أن بعض الابتسامات خلقت لتبقى بلا سياج، وإلى رشدي ليعلمنا أن الحماية لا تنقص الجمال، بل تصونه.
تلك ليست قصة طفلين من قرية صغيرة، بل حكاية إنسانية عابرة للحدود، تقول لنا بهدوء: ما دام الأخ يمشي إلى جانب أخيه، فلن يكون العالم مكانا موحشا تماما.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب
- قصيدة نثرية: «حين يتكلم الحجر بلساني»
- سوق الدجاج في مولاي إدريس زرهون: مملكة الطائر السامي الذي لا ...
- «حين يختفي الساحر وتبقى القبعة: حكاية السياسة المغربية بين ا ...
- البنى التحتية وال«حلاوة» التنموية: قراءة سوسيولوجية في كهربا ...
- من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا
- قصة تولد الآن في مولاي إدريس زرهون
- -مدينة الرحمة الإلكترونية: حين مات كلب وابتسمت الشاشات-
- أحجار في عيوننا: حين يشتعل الطين بين القرى
- مملكة المرايا المكسورة.. أو حين صار كل مغربي شناقا صغيرا
- “العلم الذي أجلس عليه الوطن”


المزيد.....




- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...
- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...
- الكويت تمنع إقامة المسرحيات والحفلات والأعراس خلال فترة عيد ...
- 3 أفلام في سباق الأوسكار.. هل تكسر فلسطين حصار هوليوود؟
- لماذا رفضت الفنانة اللبنانية صباح ارتداء فستان -بنت الضيعة- ...
- 23 رمضان.. مقتل آخر أكاسرة فارس وطرد البرتغاليين من إندونيسي ...
- تمثال لترامب وإبستين بوضعية من فيلم تايتانيك يظهر في واشنطن ...
- -الألكسو- تختار الفنان الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربي ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - سياج الابتسامة