أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا














المزيد.....

من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8532 - 2025 / 11 / 20 - 15:05
المحور: الادب والفن
    


في منعطفات الحياة، حيث تتقاطع ظلال التجربة مع ضوء البصيرة، تتشكل في الذاكرة حكايات لا تشبه غيرها؛ حكايات تصقل بالنار، وتتهذب بالوجع، وتتوهج بالأمل كلما اعتقد القلب أنه فقد القدرة على النهوض. هذه رحلتي، ليست مجرد سيرة نضال، بل قصة إنسانية نسجت خيوطها بين الحق والحماقة، بين صفاء الفهم وعتمة الجهل، بين ثقل الواقع وجرأة الحلم.

في بداية الطريق، واجهت مسؤولين من طينة مختلفة؛ منهم من كان كريح عاتية تقتلع السكينة من جذورها، يفتقرون لفن الإصغاء، فيحولون كل لقاء إلى جمر مشتعل يخترق الروح. كنت أرى العالم بعين من أرهقهم الظلم، لا بعين من يبحث عن العدالة. ومع كل تجربة قاسية، يزداد يقيني بأن سوء ممارسة السلطة يولد العنف، وأن الإحباط حين يتكاثر، يلد التطرف كما يولد الليل من رحم الغروب.

لكن الحياة، رغم قسوتها، لم تحرمني الضوء. في زخم هذه التجارب، ظهر رجال كانوا مرهم الجروح وجسرا يعيد الثقة بالنفس وبالمؤسسة.

كان منهم السيد حسن أريد، والي جهة مكناس تافيلالت سابقا، الذي يمثل نموذج القيادة الرصينة؛ يمشي بثبات القادرين، يمنح المواقف اتزانها، والناس طمأنينتهم. كان يراني كما يرى امتدادا لذاته، وكانت أبواب مكتبه تفتح لي دون بروتوكول، حتى أن موظفيه كانوا يتعجبون من تلك الثقة ويغمزون: "إن لم تغتنم هذه الفرصة، سيلازمك الفقر إلى اللحد"… غير مدركين أنني لم أكن يوما من طينة من يستغلون اللحظات العابرة للمصلحة. ولعل السيد الوالي كان يدرك هذا، لذلك كان يعاملني بقرب خاص، فقد كنت أشبهه في شيء ما من طبعه، وهو الذي كانت روح المفكر الحر تشق طريقها فيه، أوسع من قيود السلطة وأوامرها.

ومن الرجال الذين تركوا بصمتهم أيضا: السيد العامل الحالي عبد الغني الصبار المحترم، وكاتبه السابق بركات، اللذان جسدا السلطة المستمعة أولا، والحاكمة بضمير الإنسان لا ببرودة القانون وحده.

تمر الذاكرة أيضا على أسماء تركت أثرا لا يمحى:

حسن رشدي، باشا زرهون سابقا، أعاد للعلاقة بين المواطن وإدارته رتقا طال انتظاره.

البقالي، قائد قيادة وليلي سابقا، الذي حمل إنسانيته معه كراية لا تسقط.

عبد المالك بالحبيب, رئيس قسم العمل الاجتماعي بعمالة مكناس، الذي فتح شباب المنطقة على أبواب المشاركة وصناعة التغيير.

بوزردة عبد الإله, المنشط الاقتصادي والاجتماعي عن قسم المبادرة الوطنية بمكناس، الذي كانت طيبته تسبق كلماته رغم المعارك التي كنت أشنها ضده.

ولا يكتمل المشهد دون ذكر شخصية استثنائية: السيد عبد السلام العمراوي المحترم، قيدوم حراس الكواليس. رجل صامت يحمل في صمته هيبة العارفين، وفي حضوره طمأنينة الظل الذي يحرس الضوء دون أن يتصدره. لم يكن مجرد اسم في مؤسسة حساسة، بل روح هادئة تحرس الوطن بصمت، وتترك أثرا يشبه يدا خفية تربت على كتفك حين يشتد الطريق.

ولم تقتصر رحلتي على التجارب الإدارية، بل صقلتها تجربتي الحقوقية التي عشتها في مدرستين متناقضتين.

المدرسة الأولى كانت مدرسة الحقوق المحلية، حيث وجدت نفسي بين حقوقيين يجتمعون في المقاهي أثناء ساعات العمل، بينما كان يفترض بهم أن يكونوا في مقرات مسؤولياتهم. كنت أظن أنني معهم في صف النضال، ولم أكن أعلم أن بعضهم كان عين الفساد، يستغل الجمعية لأهداف شخصية، ويعرقل كل ما يمكن عرقلتھ تحت شعارات براقة لكنها فارغة من جوهر الحق.

ثم جاءت المدرسة الثانية، المدرسة الحقيقية التي علمتني التمييز بين الواجب والحق، بين النضال الصادق والادعاء، وبين خدمة الإنسان وخدمة المصلحة. هناك، على يد أسماء وازنة، منهم أكرم الشاطري، المحامي الدولي ومدير منظمة العفو الدولية سابقا، وبشار الخضر، عضو بمجلس الأمن الدولي، وغيرهما ممن تركوا أثرا لا يمحى في نفسي. معهم فهمت أن النضال قيمة أخلاقية قبل أن يكون موقفا، ومسؤولية قبل أن يكون شعارا.

وفي هذا الطريق الطويل، يظل في الذاكرة اسم لا يفارقني: رفيقي في النضال آنذاك، السيد المحترم بن سالم الوكيلي، ابن العم، الذي يحمل اسمي ونسبي، كأن القدر صاغنا كتلة واحدة. شق معي دروب النضال، لكنه اختار لاحقا مسار العمل بحثا عن لقمة العيش بعد زواجه المبكر. فتح جسورا هو الآخر مع المسؤولين، وكان سندا لي أكثر من مرة، ولا يزال الرباط بيننا قائما؛ نسب ومحبة ومسار تشكل على مهل.

هذا النص ليس مجرد سرد للماضي، بل شهادة امتنان وتدوين لحكمة تشكلت من خلال صدمات وتجارب وأناس مروا في حياتي وتركوا أثرا باقيا. إنه رسالة للجيل الجديد بأن النضال ليس صراعا أعمى، بل مسار وعي، وأن العدالة لا تولد من الغضب، بل من المعرفة والعمل النظيف.

فلنواصل المسير نحو عالم يكون فيه الحق قاعدة ثابتة، وتكون الحماقة مجرد عثرة نتخطاها بحكمة التجربة وصدق الضمير.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة تولد الآن في مولاي إدريس زرهون
- -مدينة الرحمة الإلكترونية: حين مات كلب وابتسمت الشاشات-
- أحجار في عيوننا: حين يشتعل الطين بين القرى
- مملكة المرايا المكسورة.. أو حين صار كل مغربي شناقا صغيرا
- “العلم الذي أجلس عليه الوطن”
- خبز مدعم بالورق... وأمة تطحن بالوعود!
- -جماعة وليلي – زرهون: إدارة تبحث عن موظفيها في برنامج «مختفو ...
- في بلاد المغرب... حيث تشتكي الأرض من أهلها والجن من قلة الفه ...
- حين يسائل الزمن ظله... وتذبل الخطب القديمة
- -أمة الأغبياء السعداء: حكاية تطور الغباء من خلل عصبي إلى أسل ...
- من رآه فليستعد
- غوستافو بيترو وغزة: حين يطل صوت من الجنوب على جرح مفتوح
- الحلايقية... حين كان للطفولة مجد آخر
- سروال المملكة المثقوب
- غبار على وجوه الأطفال... وبريق على سيارات الجماعة
- في بني مرعاز... حيث استيقظ المركز الصحي من غفوته الطويلة
- ظل الولي ونور الزائر (من أدب الرحلة الروحية)
- -نداء من قلب مكسور-
- -يسرى... زهرة وسط صخر-
- -بقرار من ميلانيا: باب الأمل في غزة-


المزيد.....




- شطب أسماء جديدة من قائمة نقابة الفنانين السوريين
- الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة
- التجربة القصصية لكامل فرعون في اتحاد الأدباء
- -جمعية التشكيليين العراقيين- تفتح ملف التحولات الجمالية في ا ...
- من بينها -The Odyssey-.. استعدوا للأبطال الخارقين في أفلام 2 ...
- -نبض اللحظات الأخيرة-.. رواية عن الحب والمقاومة في غزة أثناء ...
- سور الأزبكية بمصر.. حين يربح التنظيم وتخسر -رائحة الشارع- مع ...
- كيت هدسون تختار تصميمًا لبنانيًا في حفل جوائز مهرجان بالم سب ...
- جسر داقوق.. تراث عثماني صامد لقرن ونصف في العراق
- غمكين مراد: في الطريقِ الوحيدِ إليكِ


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا