أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الطريق الذي كان يفكر














المزيد.....

الطريق الذي كان يفكر


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 02:39
المحور: الادب والفن
    


لم تكن الفيات القديمة مجرد سيارة. كانت قطعة من ضرورة، تمشي أكثر مما ينبغي لها أن تمشي. مغلقة دون نوافذ، تتنفس بصعوبة، لكنها تعرف الطريق كما يعرفه من قطعه طويلا دون أن يسأله عن اسمه. تسير بين مولاي إدريس زرهون وعين السي عمار، طريق متعرج، ضيق، يشبه الحياة حين لا تشرح.

كنت أنا بن سالم خلف المقود. لا أقد السيارة فقط، بل أرافق رحلة صارت عادة، وواجبا لا يكتب في أي سجل. السيارة تستعمل للضرورة، ومع ذلك، في أعين الفتيات كانت طائرة. ليس لأنها سريعة، بل لأن المحبة كانت أخف من الحديد.

في المقعد الأمامي، جلست سمية إلى جانبي. أما الأخريات، فكن في الخلف، على كراس بلاستيكية غطيت بفراش متواضع، يقيهن قسوة الحديد أكثر مما يقيهن البرد. لم يكن المشهد مريحا، لكنه كان مألوفا. الضيق لم يكن يضايقهن، لأن القرب كان أوسع من السيارة.

كانت سمية تنظر إلى الطريق بصمت. لا تكثر الكلام، لكن عينيها لا تفارقان المنعطفات، كأنها تقرأ شيئا لا نراه. بعد مسافة قصيرة، قالت:
— عمي بن سالم، هل تسمح لي بسؤال؟

قلت مبتسما:
— الأسئلة لا تحتاج إذنا.

ترددت لحظة، ثم قالت:
— هل أنت سياسي؟

لم أتوقف، لكن الطريق بدا كأنه أبطأ قليلا. لم يكن السؤال عني وحدي، بل عن الاسم الذي نضعه للأشياء حين نريد أن نبتعد عنها.

قلت:
— قبل أن أجيبك، أخبريني أنت… هل أنت سياسية؟

قالت بسرعة، كمن يزيح فكرة ثقيلة:
— لا.

مررنا قرب شجرة تين قديمة. جذعها متشقق، وأوراقها قليلة، لكنها ما زالت واقفة. قلت:
— هل اخترت هذا الطريق؟

هزت رأسها نفيا.

— ومع ذلك، أنت فيه. تمرين به ويمر بك. السياسة تشبه هذا تماما. لا تستأذن، لكنها تعاش.

في الخلف، صمتت الفتيات. الكراسي البلاستيكية تصدر صريرا خفيفا مع كل منعطف. أشجار الزيتون على الجانبين واقفة في هدوء، تعرف أن الجذور تعمل بصمت. قلت:
— حين تذهبين إلى المدرسة، يتغير شيء، حتى إن لم تره. وحين تصمتين، يتغير شيء أيضا. لا حياد هنا، فقط أماكن نظن أننا خارجها.

نظرت سمية أمامها، ثم إلى انعكاس وجهها على الزجاج الأمامي المختلط بالغبار والضوء. قالت بصوت منخفض:
— يعني… أنا داخل هذا كله؟

قلت:
— داخل الحياة.

واصلت الفيات سيرها. الإعدادية والثانوية الخوارزمي ظهرتا في الأفق، لا كمبان، بل كمحطات. أما الطريق، فكان بينهما، يفكر بدلنا.

عند الوصول، نزلت الفتيات واحدة واحدة. ضحكات خفيفة، ووداع سريع. بقي السؤال معلقا في السيارة، لم ينزل مع أحد. تركناه هناك، على المقعد الأمامي، حيث يجلس التفكير عادة.

قدت وحدي في طريق العودة. أدركت أنني لست سياسيا، ولا فيلسوفا. أنا رجل يقود سيارة للضرورة، لكنني شاهد على شيء أكبر: طريق يصنع الناس، وناس يظنون أنهم يمرون به، بينما هو الذي يمر بهم… ويفكر.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب
- قصيدة نثرية: «حين يتكلم الحجر بلساني»
- سوق الدجاج في مولاي إدريس زرهون: مملكة الطائر السامي الذي لا ...
- «حين يختفي الساحر وتبقى القبعة: حكاية السياسة المغربية بين ا ...
- البنى التحتية وال«حلاوة» التنموية: قراءة سوسيولوجية في كهربا ...
- من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا
- قصة تولد الآن في مولاي إدريس زرهون
- -مدينة الرحمة الإلكترونية: حين مات كلب وابتسمت الشاشات-
- أحجار في عيوننا: حين يشتعل الطين بين القرى
- مملكة المرايا المكسورة.. أو حين صار كل مغربي شناقا صغيرا
- “العلم الذي أجلس عليه الوطن”
- خبز مدعم بالورق... وأمة تطحن بالوعود!
- -جماعة وليلي – زرهون: إدارة تبحث عن موظفيها في برنامج «مختفو ...
- في بلاد المغرب... حيث تشتكي الأرض من أهلها والجن من قلة الفه ...


المزيد.....




- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...
- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...
- 12 رمضان.. ابن طولون يستقل بمصر وجنازة تاريخية لابن الجوزي ف ...
- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الطريق الذي كان يفكر