أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الجدار الذي لم يكن جدارا














المزيد.....

الجدار الذي لم يكن جدارا


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 09:18
المحور: الادب والفن
    


يقولون إن لكل مدينة بابا، ولكل باب حارسا، لكنهم لا يعرفون أن بعض الحراس لا يحرسون الحجر… بل الحكايات.

أنا واحد منهم.

يسمونني “حارس القصص وحكايات السلام”.

أجلس كل مساء قرب سور قديم، أراقب المارة، وأحصي الخطوات التي تترك أثرا في الهواء أكثر مما تتركه على الأرض.

كان السور صامتا، كعادته، لكنه لم يكن يوما فارغا، فالجدران تحفظ ما لا يقوله البشر.

في تلك الليلة، جاءوا.

لم يطرقوا بابا، ولم يستأذنوا أحدا، كأنهم يعرفون أن الطرقات القديمة لا تحتاج مفاتيح، بل نية.

وقفوا في صف غير منتظم، كأنهم يتبعون بوصلة لا ترى.

ثم بدأوا… حركة خفيفة، تمايلا يشبه موجا صغيرا يحاول أن يتذكر البحر.

ظننت في البداية أنهم يخاطبون الجدار.

لكنني، وقد عشت طويلا بين القصص، أدركت أنهم لم يكونوا يخاطبونه… بل يبحثون عما اختبأ فيه.

اقتربت قليلا.

لم أفهم كلماتهم، لكنها لم تكن غريبة.

فالكلمات، حين تصدر من القلب، تفقد لهجتها وتصبح مفهومة بلا ترجمان.

رجل مسن أغمض عينيه كأنه يرى شيئا بعيدا، وامرأة وضعت يدها على صدرها كأنها تثبت قلبا على وشك السفر، وشاب كان يرفع نظره إلى السماء أكثر مما يثبته على الأرض.

همست للسور:

“هل تعرفهم؟”

ضحك الحجر بصمت ثقيل وقال:

“لا أعرف الوجوه، لكنني أعرف الاتجاهات.

وهؤلاء جاءوا من جهة الحنين.”

لم أفهم.

لكنني شعرت أن شيئا يتبدل في الهواء.

لم يعد السور سورا كما كان.

صار ذاكرة، وصار طريقا، وصار سؤالا مفتوحا:

كم من الناس مروا هنا، في أزمنة مختلفة، يبحثون عن شيء واحد… دون أن يعرفوا اسمه؟

في الجهة الأخرى من الشارع، بدأ بعض العابرين يتوقفون.

بعضهم نظر بفضول، وبعضهم بحذر، وبعضهم كأنه يرى ما لا يقال.

اقترب مني طفل، شد طرف عباءتي وسأل:

“عمي، لماذا يفعلون ذلك؟”

ابتسمت وقلت:

“لأن القلب حين يثقل… لا يمشي مستقيما.”

فكر قليلا، ثم قال:

“وهل يسمعهم الجدار؟”

نظرت إلى السور، ثم إليه، وأجبت:

“ليس الجدار من يسمع… بل ما في الداخل حين يهدأ.”

حين انتهوا، لم يصفق أحد.

لم يكن هناك جمهور.

فبعض الأفعال لا تعرض… بل تعاش.

غادروا كما جاءوا، بهدوء، كأنهم لم يتركوا شيئا.

لكنهم تركوا كل شيء.

اقتربت من السور، وضعت يدي عليه.

كان دافئا، على غير عادته.

همست: “ماذا حدث هنا؟”

أجاب بعد صمت طويل:

“لا شيء… ومجدا لذلك.”

جلست مكاني أراقب المدينة وهي تستعيد إيقاعها.

لكنني كنت أعلم أن شيئا ما كتب تلك الليلة، لا على الحجر، بل في المسافة بين البشر.

ومنذ ذلك الحين، كلما سألني عابر: “ماذا حدث قرب هذا السور؟”

أبتسم وأقول:

“حدث أن بعض الناس تذكروا طريقهم، وأن الجدار… لم يعترض.”

أنا حارس القصص، ولا أكتب ما حدث، بل ما بقي.

وما بقي… ليس حدثا، ولا جدارا، بل لحظة صامتة اقترب فيها الإنسان من نفسه،

فاكتشف أنه لم يكن بعيدا كما ظن.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الجدار الذي لم يكن جدارا