بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 16:52
المحور:
الادب والفن
أنا حارس القصص. أعيش على ما ينجو من النسيان، وأجمع ما يتسرب من ذاكرة المدن حين تظن أنها صامتة.
في هذا الفصل من الحكاية، جاءني خبر لم يكن خبرا، بل كان عودة نفس بعد طول انقطاع.
في فاس، حيث الأزمنة لا تمر بل تتراكب، تقف ساحة أبي الجنود كصفحة مفتوحة. كتب فيها الناس ضحكهم، خوفهم، وأحلامهم الصغيرة. لكن الصفحة، كما كل الصفحات، بهت حبرها مع الوقت حتى كادت تطوى.
يحكى—وأنا أنقل كما سمعت—أن رجلا مر من هناك. لم يكن يبحث عن منظر جميل، بل عن صوت غاب. اسمه خالد آيت الطالب، لكن الحكايات لا تحفظ الأسماء بقدر ما تحفظ الأثر.
توقف قليلا، كأن الساحة تحدثه. ربما سمع صدى الحكواتيين، أو ضحكات قديمة لم تجد طريقها إلى الحاضر.
قال لمن حوله، أو لعله قالها في نفسه:
“المدن لا تموت… لكنها تضعف حين لا تجد من ينصت لها.”
ومن تلك اللحظة، لم يبدأ مشروع… بل بدأت يقظة.
عادت الساحة تتنفس ببطء، كصدر يستعيد الهواء بعد تعب طويل. نصبت الحلقات، ووقف الحكواتي يحيك الزمن بخيط الكلام، وعاد البهلوان يرسم الدهشة في عيون لم تعتد المفاجأة.
دقت الطبول، ارتفعت نغمات كناوة، سرت أصداء جيلالة، وترددت أنفاس الهيت، كأن الأرض نفسها تغني. لم يكن ذلك عرضا، بل استرجاعا لما كان يجب ألا ينسى.
رأيت الناس يعودون دون أن يعرفوا السبب. رأيت السائح يتوقف طويلا، كأنه يعثر على شيء لم يكن يبحث عنه. ورأيت أهل المدينة يبتسمون ابتسامة لا تشترى—ابتسامة التعرف.
أما الرجل، فقد مر مرة أخرى. لم يقف في الحلقة، ولم يطلب أن يذكر اسمه. كان يمشي كما يمشي من يعرف أن بعض الأفعال، إن صدقت، تتحول وحدها إلى حكايات.
وأنا، حارس الحكايات، دونت ما يجب أن يدون:
أن ساحة كادت تنسى… فاستعيدت.
وأن ذاكرة كادت تذبل… فسقيت من جديد.
وأن رجلا، بهدوء لا يشبه الضجيج، فهم أن إحياء المكان… هو إحياء للإنسان.
وهكذا تستمر الحكاية—
لا بصوت واحد، بل بكل الأصوات التي عادت لتقول:
“ما زلنا هنا… نحكي… ونحكى.”
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟