أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - عودة النبض إلى الساحة الخالية














المزيد.....

عودة النبض إلى الساحة الخالية


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 20:52
المحور: الادب والفن
    


لست سوى حارس للقصص، رقيب على الحكايات، وموصل للسلام بين الجدران والقلوب. لا أملك أن أغير شيئا، ولا أن أسرع الأحداث، لكنني أرى… وأروي.

مدرسة كرمة بن سالم لم تكن خرابا كاملا، ولم تكن بخير كامل أيضا. كانت مثل قلب يعمل بنصف طاقته… يخفق، لكنه ينتظر اكتمال أنفاسه.

بضعة أقسام توقفت أشغالها، فبقيت جدرانها عارية، وأرضيتها مغطاة بالردم، كأن الزمن مر بها ثم توقف. لم تسقط المدرسة، لكنها لم تكتمل. ولهذا، كان التلاميذ يتكدسون في حجرات قليلة، تختلط فيها المستويات، ويضيق المكان بما لا يضيق به الحلم.

في الساحة، كان الأطفال يلعبون بحذر. جزء منها يتسع للضحك، وجزء آخر يذكرهم بأن البناء لم يكتمل بعد. كومة رمل هنا، وحديد بارز هناك، وأحجار تنتظر موضعها في الجدار. لم تكن الساحة خالية من الحياة… لكنها كانت خالية من الطمأنينة الكاملة.

كان بن سالم يوصل ابنته كل صباح، ويتأمل المشهد في صمت عميق. لم يكن يخشى المدرسة، بل كان يخشى عليها. كان يعلم أن التعليم نور، لكن النور يحتاج فضاء آمنا كي يستقر.

سنوات مرت، والأقسام الناقصة ظلت شاهدة على انتظار طويل. كبر الأطفال، وتقدموا في المستويات، لكن الاكتظاظ بقي، وخلط الأقسام أصبح واقعا يوميا يرهق الجميع. ومع ذلك، ظل في القرية شيء من صبر جميل… صبر الذين يعرفون أن ما بدأ يوما لا بد أن يستكمل.

ثم جاء صباح بدا عاديا، لكنه كان يحمل وعدا خفيا.

توقفت شاحنة أمام البوابة. نزل عمال يحملون أدواتهم، وأنزلوا الرمل والحجر ومواد البناء. لم تبدأ الأشغال بعد، لكن مجرد حضور المواد وحركة الأيدي كانت كافية لإشعال شعور بالأمل.

انتشر الخبر في القرية بهدوء: لقد عادوا.

كنت أراقب من بعيد، أحمل هذه اللحظة في قلبي، لأرويها لاحقا: الرمل الجديد قد استقر مكانه، والحجارة تنتظر أن تتحول إلى جدران. لم يكن حلم أحدهم بمعجزة، بل بداية صغيرة. أحيانا، الأمل يحتاج إلى شيء بسيط… علامة تقول إن ما كان متوقفا سيستأنف.

ولم يكن ذلك ليحدث لولا من عملوا بصمت، من ساهموا في تسريع العملية، من تحركوا في الخفاء، وأوصلوا المواد في وقتها. أيديهم لم ترفع الجدران بعد، لكنها ساهمت في رفع الروح، وذكرت الجميع أن الاعتناء بالأطفال والمكان واجب، وأن صمت العمل أحيانا أبلغ من أي إعلان.

تغير الإحساس بالمكان. لم تتغير الجدران بعد، ولم يتسع فصل، ولم يختف الاكتظاظ، لكن الساحة لم تعد كما كانت. صار فيها وعد ملموس، يمكن لمسه كما يلمس الرمل، ورؤيته كما ترى الحجارة قبل أن ترفع.

تغير المزاج في كرمة بن سالم بهدوء يشبه الطمأنينة. شعرت أن الخطوة الأولى وضعت، وأن هناك من تذكر هذا الركن البعيد من الوطن. ربما تعمل الأيدي في صمت، لكن أثرها يصل أبعد من الضجيج.

لم تكن المدرسة بحاجة إلى هدم وبناء، بل إلى استكمال.
والاستكمال، في جوهره، وفاء.

حين تبدأ الأشغال فعليا، وحين ترتفع الجدران، سيخف الاكتظاظ، ويعود لكل مستوى فضاؤه، وتصبح الساحة مكانا للعب الخالص لا للحذر. لكن قبل كل ذلك، كان لا بد من هذه اللحظة: لحظة وصول الرمل والحجر… لحظة إعلان أن الانتظار لم يكن عبثا، وأن القليل من الجهد الصادق يكفي ليعيد إلى القلوب توازنها.

أنا هنا فقط، حارس للقصص، أرى النبض يعود، وأحمله مع الحكاية، لأذكر الجميع أن الحياة، مهما تعثرت، يمكن أن تنهض بخطوة واحدة صادقة.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب
- قصيدة نثرية: «حين يتكلم الحجر بلساني»
- سوق الدجاج في مولاي إدريس زرهون: مملكة الطائر السامي الذي لا ...
- «حين يختفي الساحر وتبقى القبعة: حكاية السياسة المغربية بين ا ...
- البنى التحتية وال«حلاوة» التنموية: قراءة سوسيولوجية في كهربا ...


المزيد.....




- رحيل سعيد السريحي ناقد الحداثة في المشهد الأدبي السعودي
- ذكاؤنا الخائن: نهاية العالم كما دبرها العقل البشري
- تايلور سويفت تعود للتسعينيات في فيديو كليب أغنيتها -Opalite- ...
- الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة عبر ا ...
- في السينما: الموظف الصغير شر مستطير
- السينما الليبية.. مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في ...
- جليل إبراهيم المندلاوي: ما وراء الباب
- -أرشيف الرماد-.. توثيق قصصي للذاكرة التونسية المفقودة بين ني ...
- -أفضل فندق في كابل-.. تاريخ أفغانستان من بهو إنتركونتيننتال ...
- في فيلم أميركي ضخم.. مشهد عن الأهرامات يثير غضب المصريين


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - عودة النبض إلى الساحة الخالية