أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ














المزيد.....

حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 01:27
المحور: الادب والفن
    


في رحاب قرية كرمة بن سالم، حيث يلتقي الزمان بصدى الأقدام، وقف مسجد بني عزيمان شامخا لا يشبه مبنى حجريا فحسب، بل نبضا حيا في ذاكرة الناس. لقد كان أقدم بيوت الله في القرية، وأغناها روحا ووفاء. هناك وقف الأجداد، يوقفون عليه ممتلكاتهم، ليس كعقار تسجل أوراقه، بل كعهد يزرع في النفوس: بيت الله فوق كل اعتبار.

في ذلك المكان، الذي تهدهدته أذان الفجر وأحاديث السكون، لم يكن المسجد مجرد جدران تحصى، بل كان قصة حضور دائم في حياة القلوب. كانوا يرونه مرآة إيمانهم، وسكونا لا يزول، وبيتا يلتقي فيه الناس مع الله ومع بعضهم.

لكن الأيام تتبدل كما تتبدل الريح، وأحيانا ليس بإرادة منا، بل بقدر يفرض بلا استئذان. ذات صباح رأى الناس ما لم يتوقعه أجدادهم: وزارة الأوقاف — التي لم يخطر لأحد أن تأتي ذات يوم لتسجل ممتلكاتهم وتنتزعها — استولت على الوقف، وحولت إرث الناس إلى سجلات إدارية، وحولت ما كان محرابا للسكينة إلى مجرد إسقاط على خارطة النفوذ.

لم تكد تمر أيام حتى ارتطمت آلة الهدم بجدران المسجد، ولم يبق منه سوى ركام باهت، يئن تحت وطأة الخواء. لقد صار المكان خرابا، لا تؤويه إلا ظلال السكون والكلاب الضالة، وكأن التاريخ نفسه قد تراجع إلى الوراء، متسائلا: بأي حق يهدم بيت الله؟

في تلك الليلة — حين حل الظلام ولم يزل صدى الذكر يتردد في الأجواء — راود الراوي منام غريب. كأن رجالا ونساء وقفوا في المسجد ذات يوم، وقفوا معه كتِربة في القلب، وقفوا كأمانات لم ترد، كأنهم ينبهونه بأن الهم لا يزال معلقا فوق صدره. حملوه المسؤولية، وهمسوا له: إنها أمانة… وسيسألون غدا أمام الله.

والأمر الذي لم يزل يثقل روحه حتى الآن: نوافذ المسجد وأبوابه التي اقتناها المحسنون بمالهم الخاص، تلك القطع التي كان الناس يرجون بها وجه الله، قد استولى عليها المقاول بعد هدم المسجد، وكأن حتى أثر الخير قد أسقط من الذاكرة.

هذه ليست مجرد حكاية هدم حجر…
إنها قصة وجع إنساني وروحي، عن ذاكرة تستباح، وعن بيت كان للناس قبل أن يكون لأي إدارة. قصة عن أمانات لا تزال تهمس في صمت الخراب: هل يبقى الله في مكان لا يذكر اسمه أحد؟
وهنا، حيث لا يرحل الله، تبقى الهزيمة الأعمق حين تكون في النفوس قبل الجدران.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب
- قصيدة نثرية: «حين يتكلم الحجر بلساني»
- سوق الدجاج في مولاي إدريس زرهون: مملكة الطائر السامي الذي لا ...
- «حين يختفي الساحر وتبقى القبعة: حكاية السياسة المغربية بين ا ...
- البنى التحتية وال«حلاوة» التنموية: قراءة سوسيولوجية في كهربا ...
- من ظلال التجربة إلى حكمة المسير: شهادة لمن يأتي بعدنا
- قصة تولد الآن في مولاي إدريس زرهون
- -مدينة الرحمة الإلكترونية: حين مات كلب وابتسمت الشاشات-
- أحجار في عيوننا: حين يشتعل الطين بين القرى


المزيد.....




- الملتقى الثقافي المصري - المغربي يناقش دور الثقافة في بناء ا ...
- ماتت ملك
- بن يونس ماجن: الأخطبوط البرتقالي
- داية الدراما السورية.. مقتل الفنانة هدى شعراوي بدمشق
- وفاة الشاعرة الفرنسية اللبنانية فينوس خوري غاتا عن عمر يناهز ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي في -ظروف ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منز ...
- أول تعليق من الداخلية السورية على مقتل الفنانة هدى شعراوي
- إبداع ضد الخلود: لماذا يصنع الفنانون أعمالا ترفض البقاء؟
- ليوناردو شاشا.. المثقف الذي فضح تغلغل المافيا في إيطاليا


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ