أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها














المزيد.....

حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 17:08
المحور: الادب والفن
    


في البدء لم تكن كرمة بن سالم مكانا على الخريطة، بل كانت همسا يسكن الأرض عند سفوح زرھون، حيث تروى الحكايات ناقصة لأن اكتمالها يقتل سرها. هناك كان الناس يعرفون أن الأرض ليست ما نطؤه بأقدامنا، بل ما نحمله في داخلنا دون أن نراه. وحين ضاق العالم، لا في مساحته بل في معناه، رفعت القرية عيونها نحو السماء، وجاءت الأخبار عن القمر، عن خطط كبرى ومستقبل يبنى بعقول منظمة ومشاريع تقودها مؤسسات مثل وكالة الفضاء الأوروبية، فرأى البعض في ذلك سباقا جديدا، بينما رآه أهل كرمة بن سالم سؤالا قديما يعود بثوب جديد.

لم يروا القمر هدفا بقدر ما رأوه مرآة، مرآةً تسأل كل من يقترب: هل جئت لتسكن أم لتملك؟ لذلك لم يرحلوا هربا من الأرض، بل بحثا عن معنى لا يضيع في زحام الامتلاك. حملوا معهم ما لا يحمل: أثر الخطى الأولى، دفء الخبز، أسماء الغائبين، وهمسا قديما يوصي بأن الأبواب لا تغلق لأن الطريق دائما قد يأتي بمن يستحق الدخول.

وحين وصلوا إلى القمر، لم ينزلوا كفاتحين، ولم يغرسوا راية، بل جلسوا على ترابه كمن يستأذن الصمت. رسموا دوائر بدل الحدود، وتركوا بينها فراغات واسعة، لأنهم فهموا أن الفراغ ليس نقصا بل مساحة للآخر. لم يكتبوا قانونا، لكن جملة واحدة ظلت تتردد بينهم: المكان يضيق حين نملكه ويتسع حين نشاركه.

ومع مرور الوقت بدأ الآخرون يصلون، من جهات مختلفة ولغات متعددة، بعضهم جاء بمشاريع دقيقة وأحلام منظمة، وبعضهم جاء بدهشة خالصة لا تحمل إلا رغبة اللقاء. اقتربوا من دوائر القرية، ولم يسألوا من أين جاؤوا، بل بأي قلب وصلوا. قالوا إنهم يبحثون عن بداية جديدة، فقيل لهم إن البدايات لا تؤخذ بل تعاش، وإن المكان لا يمنح إلا لمن يعرف كيف يكون جزءا منه دون أن يختزله في نفسه.

وهكذا تغير القمر، لم يعد مجرد سطح صامت، بل صار ساحة لقاء، حيث تمازجت اللغات دون أن تتصارع، والتقت الثقافات دون أن تذوب، وصار الاختلاف بابا لا جدارا. لكن السؤال القديم لم يختف، بل عاد في لحظة صدق، حين وقف طفل من كرمة بن سالم وسأل: إذا أحببتم هذا المكان، هل تتركونه للجميع؟ كان السؤال بسيطا، لكنه كشف ما تخفيه النوايا، فعم الصمت قبل أن يأتي الجواب: جئنا لئلا نكرر ما حدث على الأرض.

ابتسم الطفل، وكأن الإجابة لم تكن في الكلمات بل في القدرة على الاعتراف بها. ومنذ ذلك اليوم لم يكتب قانون، لكن ولد عهد غير مرئي: أن القمر لا يحتل، وأن من يأتي إليه يحمل مسؤولية لا حقا مطلقا، وأن المكان لا يكون لنا إلا بقدر ما نتركه للآخرين.

كبرت الدوائر واتسعت، لكنها لم تتحول إلى مدينة مغلقة، بل بقيت قرية كبيرة، تتعلم من أخطائها وتعود كل مرة إلى أصلها. وفي كل مساء كانوا يجتمعون كما كانوا في زرھون، لا ليثبتوا شيئا، بل ليتذكروا لماذا جاؤوا: لم يأتوا ليملكوا السماء، بل ليجدوا فيها طريقة جديدة ليكونوا معا.

وفي النهاية لم يعد السؤال: لمن القمر؟ بل صار الهمس المشترك: مرحبا بكل من يأتي بقلب مفتوح، فهذا المكان لا يتسع إلا للجميع.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”


المزيد.....




- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها