أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - مدن من ملح وزجاج














المزيد.....

مدن من ملح وزجاج


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 15:42
المحور: الادب والفن
    


في أقصى الامتداد، حيث تلامس الرمال زرقة الأفق، نشأت مدن لا تشبه ما قبلها من عمران؛ مدن شيدت من وعد أكثر مما شيدت من حجر، ومن أمل فاق ما تحتمله الجغرافيا. كانت ترتفع كأغنية حديثة، لامعة وشفافة، حتى ليخيل للناظر أن جدرانها لا تخفي شيئا… وأنها، في صفائها، نسيت كيف تحتمي.

لكن تحت هذا البريق، كان ثمة سر صغير، هش كنبض خائف: الماء.
ليس ماء المطر الذي يهبط من السماء، بل ماء ينتزع من قلب الملوحة؛ من بحر لا يشبه العطاء إلا حين يجبر عليه. كانت المدينة تشرب من آلات ضخمة، تدور بصمت يشبه الصلاة، تحول المرارة إلى حياة، والملح إلى نبض في العروق.

وفي إحدى الليالي، حين بدا كل شيء طبيعيا أكثر مما ينبغي، مر رجل عجوز بين الأبراج. لم يكن يحمل سوى صوته، وكان صوته ثقيلا كمن عرف النهاية قبل أن تبدأ الحكاية. قال لمن حوله، دون أن يرفع نبرة التحذير:
“ليست الجدران ما يخيفني… بل ما لا يرى فيها.”

لم يفهمه أحد؛ فالمدن التي تعلمت أن تثق في ارتفاعها، نادرا ما تصغي لمن يتحدث عن عمقها.

وفي صباح آخر، تكاثرت الأخبار كغبار في الهواء: حديث عن صراع بعيد، عن تحالفات تنسج كخيوط خفية، وعن نار لا تشتعل هنا… بعد. كان الناس يتابعون، يناقشون، ثم يعودون إلى يومهم، كأن المسافات تحميهم، وكأن الخرائط تقيم جدرانا بين المصائر.

لكن العجوز ظل يمشي.

كان يرى ما لا يرى: أن هذه المدن، بكل صلابتها الظاهرة، قائمة على توازن دقيق، أشبه بوقوف زجاجة على حافة الريح. وأن ضربة واحدة—لا تحتاج إلى دمار شامل، بل إلى إصابة دقيقة في قلب واحد، حيث يتحول البحر إلى ماء—كفيلة بأن تجعل الصمت أثقل من أي انفجار.

ومرت الأيام، وبدأت الأصوات تعلو. لم تعد بعيدة كما كانت؛ صار للسماء لون مختلف، ولليل معنى آخر. وفي لحظة لا تعلن عن نفسها، أدركت المدينة—متأخرة—أنها لم تكن محاطة بالحروب، بل كانت تقف في مركزها، دون أن تعترف.

عندها فقط، فهم الناس ما كان يقصده العجوز.
فالهشاشة لا تعني الضعف، بل تعني الاعتماد.
والاعتماد، حين يساء تقديره، يتحول إلى مصير.

لم تنهر الأبراج فورا، ولم تسقط النوافذ دفعة واحدة؛ لكن شيئا أدق من الانهيار حدث: انكشفت الحقيقة.
أن المدن التي تبنى على موارد مستعارة، تحتاج إلى حكمة مضاعفة.
وأن النار، حين تشعل في مكان ما، لا تعترف كثيرا بالحدود.

في المساء الأخير، جلس العجوز عند حافة البحر. كان ينظر إلى الموج، كأنه يصغي لما لم يقل بعد. ثم همس—لا لأحد بعينه:

“ليست المأساة في أن نعيش قرب الخطر…
بل في أن ننسى أننا نفعل.”

وأنا—حارس الحكايات—لم أفعل سوى أن أدون ما تبقى من صدى صوته، قبل أن يبتلعه الصمت.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور
- حين رقصت الأرض… واختلف العازفون
- “نجوت لأرى الفساد حيا”
- «الماء بريء… وأنا الغريق»
- حين يبصر القلب


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - مدن من ملح وزجاج