بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 07:57
المحور:
الادب والفن
أنا الذي يسمونه حارس القصص وحكايات السلام. وما أنا إلا جامع لخطى العابرين في دروب الذاكرة. وهذه الحكاية واحدة من تلك الشعلات الصغيرة التي ناولني إياها، ذات مساء بعيد، عمي إدريس السبيطري، أحد رجالات كرمة بن سالم، ممن كانوا يخفون الحكمة في جيب النكتة، ويتركون المعنى يمشي بين الناس متخفيا في هيئة حكاية.
في إحدى القرى الجبلية النائية، استفاق الناس ذات صباح على خبر مقتل رجل عرف بين قومه بالهدوء والاستقامة. لم يكن في جسده ما يدل على هوية قاتله، كما لم تترك الجريمة أثرا يقود إلى يد بعينها. ظل الموت صامتا، وظلت الحقيقة حبيسة الظلال.
اجتمع أهل القبيلة للصلاة عليه، وتقدم المشيعون في موكب مهيب نحو المقبرة. وبين الوجوه الحزينة كان القاتل حاضرا؛ يشارك في الدعاء، ويخفض رأسه كما يفعل الآخرون، حتى بدا كأنه أكثرهم وفاء للميت.
عندما بلغ الجمع حافة القبر، نزلت الجثة برفق. غير أنها، على نحو أثار الدهشة، لم تستقم للدخول. حاول الرجال تعديل وضعها مرة، ثم أخرى، لكن الجسد ظل كأنه يقاوم موضعه الأخير. تبادل الحاضرون النظرات، واستبد بهم شعور غامض لا اسم له.
طال الانتظار، واشتد الارتباك، بينما ظل القاتل يراقب المشهد بعينين مضطربتين. كان يشعر أن كل لحظة تمر تثقل صدره أكثر، وكأن الأرض نفسها تضيق عليه.
وفجأة اندفع نحو الجثة، وأمسك بها بعنف لم ينسجم مع حرمة الموقف، ثم صاح وهو يحاول دفعها إلى داخل القبر:
— «ألهذا العناد قتلتك؟!»
ساد صمت كثيف، صمت يشبه انكسار جبل. وفي لحظة واحدة خرج السر من مخبئه، لا باعتراف مقصود، بل بزلة أفلتت من قبضة الخوف.
عندها أدرك الحاضرون أن الحقيقة، مهما دفنت تحت طبقات الصمت، تظل تبحث عن منفذ إلى الضوء. وأن الإنسان قد ينجح في إخفاء جريمته عن أعين الناس، لكنه يعجز عن إخفائها في قرارة نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، تناقلت الألسن حكاية الرجل الذي أفشى سره بيده، وحكاية القبر الذي رفض أن يكون شريكا في دفن الحقيقة.
فالجرائم تخفى أحيانا عن المحاكم، لكنها نادرا ما تنجو من محكمة النفس؛ تلك المحكمة التي لا تنام، ولا تسقط بالتقادم.
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟