بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 19:46
المحور:
الادب والفن
في قرية كرمة بن سالم، حيث تقاس الأزمنة بتعاقب المواسم لا بعقارب الساعات، كانت تقوم عند حافة الطريق دار قديمة… دار تعرفها الذاكرة أكثر مما تعرفها العين. إنها دار المرحوم مولاي أحمد بن إدريس، جدي من جهة الأب.
لم تكن تلك الدار مجرد بناء من طين، بل كانت امتدادا لزمن كامل، تتسلل منه الأصوات القديمة، وتستقر فيه الحكايات كما تستقر الطمأنينة في القلوب. كان المكان يشبه كتابا مفتوحا على السماء، لا يقرأ بالحروف، بل بالذكريات.
في هذه القرية، كان يقيم رجل غامض الحضور، واضح الأثر. لم يكن يملك مهنة تعرفه، ولا لقبا يحدده، لكن أهل القرية كانوا يعرفونه باسم واحد: حارس القصص.
كان يؤمن أن الحكايات ليست كلاما يروى، بل حياة تزرع. وكان يقول في صمت يشبه الصلاة:
“كل قصة لا تجد قلبا يحتضنها… تموت قبل أن تكتمل.”
غير بعيد عن هذه الدار، كانت هناك سيرة أخرى تسكن المكان والناس معا… سيرة جدي من جهة الأم: مولاي أحمد الهواري، رحمه الله. كان رجلا عابرا بين المدينة والقرية، إذ انتقل لاحقا إلى مدينة مولاي إدريس زرهون، لكنه لم يغادر كرمة بن سالم يوما في روحه. كانت القرية تسكنه كما تسكن الجذور الأرض، حتى وإن ابتعدت الأغصان.
كان من أتباع الزاوية الدرقاوية بكرمة، يحمل في حضوره هدوء العارفين، وكرما يشبه المطر حين يأتي بلا انتظار. وكلما عاد إلى القرية، لم يكن يعود خالي اليدين، بل كان يمطر أحفاده بالحلوى، وخاصة “حلوى الزاوية”، كأنها رسائل فرح صغيرة توزع على الذاكرة.
وكانت زوجته، جدتي، التي كنا نناديها “للا دالزاوية”، مثالا للسكينة. حضورها كان يشبه ظل شجرة في قيظ الحياة: لا يتكلم كثيرا، لكنه يمنح الأمان كله.
كان حارس القصص يجمع بين هاتين السيرتين كما تجمع الأرض بين المطر والبذور، ويقول لنفسه إن الإنسان ليس فردا، بل امتداد لقصص من سبقوه.
ومع مطلع الخريف، حين تستعد الأرض لكتابة فصلها الجديد، تبدأ الحياة الزراعية في القرية.
يشق التراب بالمحراث الخشبي، لا كفعل عنف، بل كفتح صفحة جديدة. كانت البهائم تسير في دوائر ثابتة، تدفع المحراث بصبر يشبه صبر الزمن نفسه، كأنها تحفظ إيقاع الأرض منذ البداية الأولى.
ولم تكن الأرض في كرمة بن سالم على درجة واحدة من المعنى، وإن تشابهت في ظاهرها. كانت تختلف من جهة إلى أخرى، لا في خصوبتها فحسب، بل في مكانتها داخل وجدان الساكنة.
فأراضي ظهر النسا، وأراضي الرياض، لم تكن مجرد حقول تفلح، بل كانت تعامل كأنها أرض مخصوصة، لا تقاس بقيم السوق، ولا تدخل في باب المزايدة. كانت أشبه بما يشبه المقدس في الوعي الجماعي، تورث كما تورث الذكريات، وتحفظ كما يحفظ الاسم داخل العائلة.
لم يكن الاقتراب منها يتم بروح التملك، بل بروح الانتماء. وكأن الأرض هناك لا تزرع فقط، بل تصان، ولا تحصد فقط، بل توقر.
ثم يأتي البذر…
تسقط حبوب القمح والشعير في حضن الأرض، بهدوء يشبه الثقة المطلقة. لم تكن الحبوب متشابهة في الشكل فقط، بل كانت متحدة في وعدها: أن ما يدفن بصدق، لا يضيع.
تمر الأيام، وتكبر السنابل بصمت يشبه النمو الداخلي للإنسان. وتتعلم القرية أن الصبر ليس انتظارا، بل مشاركة في التحول.
وفي هامش هذه الدورة، حيث تبدو التفاصيل صغيرة لكنها تحمل وجها آخر من وجوه الحياة، كانت للفتيات حكاية موازية، لا تقل عمقا عن حكايات الحقول.
كن في كل صباح باكر، وقبل أن تستيقظ الشمس تماما، يخرجن بخطوات هادئة تتبع إيقاع القطيع. الأبقار تمضي نحو المراعي، يقودها راع من أبناء القبيلة، يعرف مسالك الأرض كما تعرف اليد خطوطها. وخلفها، كانت الفتيات يتبعن، بخطوات متثاقلة أحيانا، لكنها مألوفة، كأنها جزء من طقس يومي لا يسأل عنه.
لم يكن خروجهن مجرد مرافقة، بل كان عملا صامتا آخر. كن يجمعن “لوكيد”، ذلك الغبار الذي تتركه الأبقار في مسارها، فيحملنه ويشكلنه بأيديهن كما يشكل الخبز، ثم يضعنه على واجهات الجدران ليجف تحت الشمس.
كانت تلك الأقراص تصطف على الحيطان، في مشهد بسيط يخفي معرفة قديمة: كيف يتحول ما يترك خلف القطيع إلى وقود يبعث الدفء في الأفران التقليدية. هناك، حيث يخبز الخبز وتطهى الوجبات، يصبح لذلك الجهد الصغير معنى أكبر من حجمه.
وفي المساء، حين يعود القطيع من المراعي، كانت الفتيات يعدن معه، وقد ثقلت خطاهن بالتعب، لكن دون شكوى. وكان الغروب يرافقهن، يلون الطريق بلون دافئ، كأنه يربت على يوم اكتمل.
وكانت الحياة تمضي بهذه البساطة العميقة:
طوال السنة، ترعى الأبقار في مرتفعات جبل تازة، حيث الهواء أنقى، والعشب أكثر صبرا. ثم، بعد موسم الحصاد، تنتقل المراعي إلى الأراضي المنبسطة، “لوطا”، حيث تتغير الجغرافيا، لكن تبقى العادة كما هي.
وحين يحين وقت الحصاد، تبدأ “التويزة”.
يجتمع أهل القرية، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا، يحملون المناجل، ويعملون كتفا إلى كتف. لم يكن الحصاد مجرد عمل، بل كان احتفالا بالوحدة، حيث يتحول التعب إلى معنى مشترك، والجهد إلى فرح جماعي.
قال أحد الشيوخ:
“من يزرع وحده، يحصد زرعه… أما من يحصد مع الناس، فيحصد الحياة معهم.”
وبعد الحصاد، يأتي الدرس.
في ساحة تعرف بـ“الكاعة”، تبسط السنابل اليابسة على الأرض، وتدور فوقها البهائم في حلقات متكررة، تفصل الحب عن القشر، كما تفصل التجربة المعنى عن ظاهره.
يرتفع الغبار خفيفا في الهواء، وتختلط رائحة القمح بالشمس، بينما يظل الناس في انتظار الصافي من الرزق.
وحين ينتهي الدرس، تطلق البهائم من دوائرها، تمشي بهدوء نحو عيون الماء، إلى عين الرياض أو عين فرقاشة، حيث تنحني لتشرب، كأنها تغسل عن نفسها تعب الدوران الطويل. غير أن الماء لم يكن دائما صافيا كما يوحي به البعد؛ ففي سنوات القلة، حين يضيق الشرب وتشتد الحاجة، كانت البهائم تلج إلى العين، تخوض فيها بثقلها، فيختلط صفاؤها بالوحل، ويصير لونها معكرا كقهوة ممزوجة بالحليب. هناك، حيث تختلط الحاجة بأثر الحياة، لم يكن الماء اختبار عطش فقط، بل اختبار صبر أيضا. وحتى حين يضطر الفلاح البسيط أن يشرب منه، لم يكن يفعل ذلك تذمرا، بل بقبول عميق، كأنه يشرب من دورة الأرض كلها، بما فيها من صفاء وكدر.
في تلك اللحظات، كان حارس القصص يقف بصمت. لا يعلق، ولا يوجه، فقط يتأمل كيف تتحول الجهود إلى دورة كاملة: حرث، وبذر، وحصاد، ودرس، ثم ماء.
غير أن الدورة لم تكن تنتهي عند هذا الحد.
فبعد نهاية الدرس، ومع أولى أمطار الشتاء، تدخل القرية زمنا آخر: “شطابة الكياع”.
يرص التبن في نوادر عالية، تبنى بعناية تشبه بناء ذاكرة تحفظ ما تبقى من تعب الأرض. ثم تطلى بالطين الممزوج بالتبن، ليصير الغطاء حصنا يحمي من المطر.
أما المحصول من حبوب وقطاني، فكان يحفظ في مطمورات تحفر داخل الأرض، تعد بعناية لتكون خزائن صامتة للرزق. ثم ظهرت سلال القصب، تنسج بإحكام وتحصن بالطين، فينتقل الحفظ من باطن الأرض إلى ما يشبهها فوقها، دون أن يفقد معناه.
ظل الإنسان وفيا لفكرة واحدة: أن الرزق لا يحفظ بالقوة، بل بالحكمة والصبر.
ثم يعود الجميع إلى “المرس” عند المساء.
هناك، يجلس الشيوخ ينسجون الدوم، ويصنعون القفف والشواري، ويتحدثون عن أمور الدين والدنيا، في كلمات قليلة، لكنها عميقة كجذور الأرض.
وفي إحدى الأمسيات، جلس الطفل أمام الحارس.
لم يعد يسأل كثيرا، فقد تعلم أن يرى قبل أن يسأل.
أشعل الحارس اللامبة، وترك الضوء ينساب بهدوء، ثم قال:
“لقد رأيت الحرث… والبذر… والحصاد… والدرس… وحفظ الزرع.
هل فهمت الآن؟”
أجاب الطفل بعد صمت:
“أظن أن كل شيء يعود ليبدأ من جديد.”
ابتسم الحارس، وقال:
“بل كل شيء لا ينتهي أصلا… إنه يتحول فقط.”
ثم خف حضوره شيئا فشيئا، كأنه لم يعد فردا، بل صار جزءا من الدورة نفسها:
في صوت البهائم،
في حبات القمح،
في حلوى الجد العائد،
وفي يد الجدة “للا دالزاوية” التي كانت تبتسم دون كلام.
رفع الطفل اللامبة، ونظر إلى الطريق الممتد أمامه. لم ير نهاية، بل امتدادا.
وفي كرمة بن سالم، صاروا يقولون إن الإنسان لا يرحل حقا… بل يتحول إلى أثر في من يأتي بعده.
وأن الضوء، حين يورث، لا يسلم كشيء… بل يعاش كحكاية لا تنطفئ.
ومثلما تتحول القصص إلى جزء من الأرض، يتحول الراوي نفسه إلى جزء منها، ليظل حضوره ممتدا في كل لحظة، في كل تفصيل.
فالحارس الذي عاش مع الزمن في كرمة بن سالم، لم يكن سوى وجه آخر للزمن نفسه…
زمن لا يموت، بل يتحول، ويتجدد… في كل حكاية تبدأ من جديد.
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟