أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - قياس الطريق إلى لا مكان














المزيد.....

قياس الطريق إلى لا مكان


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 21:22
المحور: الادب والفن
    


في أطراف المعنى، حيث تتلاشى الجغرافيا في ذاكرة النسيان، تقوم قرية كرمة بن سالم كأنها لم تكتب بعد. لا يدل عليها اسم بقدر ما يثقلها صمت، ولا يثبتها حد، إذ تتشابه الأمكنة حين تختصر إلى انتظار طويل. هناك، لا تمضي الأزمنة بقدر ما تتثاقل، ولا تقاس الأيام إلا بما يتراكم فيها من وعود مؤجلة، كأنها فصول تعرف طريقها إلى الغياب أكثر مما تعرف طريقها إلى الحضور. وكان أهلها يعيشون على إيقاع هذا التأجيل المزمن، حتى غدا الأمل لديهم عادة صامتة، لا حدثا ينتظر.

وفي قلب هذا الصمت، كان يظهر بين الفينة والأخرى رجل لا يعرف له أصل ولا وجهة، يلقب بين الأهالي بـ"حارس القصص وحكايات السلام"، وهو الراوي، شخصية رمزية. لم يكن يتدخل في مجرى الأحداث، بل يكتفي بالإنصات، كأن مهمته أن يحفظ ما يوشك على الضياع، وأن يروي ما لا يكتب في التقارير.

في صباح رمادي، حل بالقرية وفد من ذوي المعاطف الأنيقة، يحملون أداة دقيقة لقياس المسافات. كانوا يقيسون الطريق كما لو أنهم يقيسون أملا قابلا للطي والتخزين. انتقلوا من زقاق إلى آخر، يضعون علامات على الأرض، ويرسمون خطوطا مستقيمة فوق تضاريس لا تعترف بالاستقامة. كان الأطفال يراقبون المشهد بدهشة، فيما الكبار يتبادلون نظرات يعرفون فيها أن القياس لا يعني بالضرورة الوصول.

وقف "حارس القصص وحكايات السلام" عند طرف المشهد، يتأمل الخطوط المرسومة، ثم همس كأنه يدون في ذاكرة لا ترى:
"كم من الطرق رسمت بدقة... ولم تسلك أبدا."

مرت الأيام، وغادر الوفد كما جاء، تاركا خلفه أرقاما محفوظة في دفاتر أنيقة، وأرضا لم يتغير فيها شيء سوى زيادة الانتظار.

على طرف القرية، يقف مستوصف قروي كشيخ متعب، رمم ذات يوم بوعود كبيرة. لكن الترميم، في مفارقة لا تخلو من سخرية، أنجب بركة ماء راكدة بجانبه، كأنها ذاكرة سائلة لفشل متكرر. كانت البركة تتمدد ببطء، تقترب من جدار المدرسة المجاورة، تهمس له كل مساء: "أنا نتيجة العناية."

أما بقايا الردم، من تراب وحجارة، فقد استقرت بجانب المستوصف، كأنها شاهد صامت على فعل لم يكتمل. لم يجرؤ أحد على إزالتها، ربما لأن في بقائها تفسيرا أوفى من أي تقرير رسمي.

وفي جهة أخرى من القرية، كانت أعمدة الكهرباء تنتصب بصمت مهيب، كأنها وعد مغروس في الأرض أكثر مما هو ممتد في السماء. زرعت الأعمدة، ومدت الأسلاك بين أطرافها، في انتظام يوحي بأن النور بات مسألة وقت لا أكثر. قيل إن الصفقة أُبرمت، وإن الأشغال اكتملت، وإن المقاول سلم ما عليه، كما سلمت الملفات إلى الجهات المسؤولة في أناقة لا تقل عن أناقة الدفاتر التي تحفظ الأرقام.
لكن الضوء، على غير ما كان متوقعا، ظل مؤجلا. توقف عند عتبة لا ترى، حيث تقف المؤسسة المحلية، الجماعة القروية، بوصفها الممثل الشرعي للساكنة، لتعلن—بهدوء إداري—أن ما بني لا يطابق ما رسم، وأن التصاميم لم تحترم كما ينبغي.
وكان أهل القرية، وهم ينظرون إلى بيوتهم التي سبقت كل تصميم، يدركون مفارقة لا تحتاج إلى شرح: فهنا، لم يكن البناء يوما ابن الورق، بل ابن الحاجة. ومع ذلك، بدا وكأن كل ما صرف، وكل ما أُنجز، قد عُلق عند تفصيل جاء متأخرا، كأن القياس—مرة أخرى—أصاب الشكل، وأخطأ المعنى.

اقترب "حارس القصص وحكايات السلام" من البركة، نظر إلى انعكاس المستوصف في الماء الراكد، ثم قال بصوت منخفض:
"حين ترمم الجدران وتترك الجذور، تنبت المياه حيث لا ينبغي لها أن تكون."

في المسالك الداخلية، ظلت الأرض كما هي: وعرة، تتحدى الأقدام، وتعيد تعريف المسافة كل يوم. كان أهل القرية يسلكونها بحذر، وكأنهم يعبرون فكرة لم تكتب بعد. كانوا يتذكرون ذلك اليوم الذي قيل لهم فيه إن الطرق ستبلط، في إطار مبادرة تحمل اسما كبيرا، يشبه الحلم أكثر مما يشبه الواقع.

غير أن القرى المجاورة تغيرت. طرق جديدة، أرصفة لامعة، وحكايات عن تنمية تروى بثقة. أما هنا، فقد بقيت القرية تراكم الصمت، وتؤجل السؤال.

وفي إحدى الأمسيات، جلس شيخ عند حافة البركة، ينظر إلى انعكاس المستوصف في الماء الراكد، وقال بصوت خافت:
"لقد قاسوا الطريق بدقة... لكنهم نسوا أن يقيسوا النية."

كان "حارس القصص وحكايات السلام" قريبا، التقط العبارة كما تلتقط وصية، ورفع بصره نحو الأفق، كأنه يسلمها لزمن قادم. ثم مضى بهدوء، تاركا خلفه حكاية أخرى تضاف إلى أرشيف الصمت.

وهكذا، بقيت القرية تنتظر مجلسا قادما، سيأتي—كما تأتي كل الأشياء هنا—محملا بإمكانية التكرار أكثر من إمكانية التغيير، بينما ظل "حارس القصص وحكايات السلام" شاهدا لا يرى، يكتب ما لا يقال، ويحفظ ما لا يرادله أن يحفظ.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن
- الطريق الذي كان يفكر
- نص بعد الإنسان
- حين تعلم المكان أن يتهجى النور قصة قصيرة | ...


المزيد.....




- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - قياس الطريق إلى لا مكان