|
|
سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 07:44
المحور:
الادب والفن
لم تكن سيارتي مجرد حصان من حديد، بل كانت، منذ اللحظة الأولى، كائنا قرويا وديعا خرج من رحم الحاجة، ثم مضى يكبر وسط الناس حتى صار جزءا من ذاكرتهم الجماعية. وقد جاءت إلى الحياة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تلك اليد البيضاء التي أرادت أن تفتح للقرى النائية نافذة على الكرامة والحركة والأمل. ولذلك، يبقى الامتنان موصولا إلى روح الخير التي عبرت هذه القرى، فلم تمنح الناس سيارة فقط، بل منحت الطريق معنى آخر للحياة.
كانت السيارة متواضعة الهيئة، خشنة الصوت، أقرب إلى عربات القرى القديمة منها إلى سيارات المدن المتأنقة. مقصورتها الخلفية لم تصنع للركاب، بل للبضائع والسلع، غير أن الحياة الريفية تعيد دائما ترتيب وظائف الأشياء بحسب ضرورات القلب، لا بحسب دفاتر المصانع.
هناك، في الخلف، كانت الصناديق البلاستيكية مصطفة في صبر يشبه صبر الفلاحين، أبطنها بالأثواب والأغطية القديمة حتى تخف قسوة الطريق على من يجلس فوقها. ومع الزمن، تحولت تلك الصناديق البسيطة إلى مقاعد من نوع آخر؛ مقاعد صنعتها المحبة، لا معامل السيارات.
حملت السيارة التين حين ينضج على سفوح زرهون، حتى كانت رائحته الحلوة تعبق داخل المقصورة كأن الأرض نفسها تسافر معنا. وحملت الزيتون والحبوب والقطاني وأكياس الشعير، كما حملت دجاجا مرتبكا، وخرافا صامتة تنظر إلى الطريق بدهشة الكائنات البريئة. لكن أثمن ما حملته لم يكن محاصيل الأرض، بل أحلام البشر.
كانت براعم عين السي عمار، المقيمات بدار الطالبة بمولاي إدريس زرهون، يبدأن رحلتهن صبيحة كل يوم اثنين، حيث ينطلقن من الدوار نحو دار الطالبة، ومنها إلى مؤسسة التعليم. وفي زوال كل يوم سبت، كن يعدن من دار الطالبة إلى الدوار، يحملن دفاترهن الصغيرة وأعمارهن المضيئة، ويصعدن إلى المقصورة الضيقة بضحكات تتسع لها الجبال كلها. عشر فتيات يتزاحمن فوق الصناديق المبطنة بالأثواب، ومع ذلك كن يشعرن أنهن في مركبة فاخرة، لأن المحبة كانت تحيط بهن من كل جانب.
كما كنت أيضا أقوم بتوصيل أبناء بلقاضي بدوار عين حجل إلى زرهون كل مساء أحد، ليواصلوا دراستهم الابتدائية هناك، ثم أعيدهم مساء كل سبت إلى أهلهم ودفء بيوتهم. فدوار عين حجل لم تكن تتوفر فيه مدارس، لذلك اضطرت الأسرة إلى كراء منزل صغير بمولاي إدريس زرهون حتى يتمكن الأبناء من متابعة تعليمهم. وقد شاركتهم الطريق، والتنشيط، والمحبة، حتى صرت مع الأيام واحدا من أفراد عائلتهم، لا مجرد سائق يعبر بهم المسالك الوعرة.
كانوا ينادونني: “عمي بن سالم”، وحين يدور المحرك، ترتفع الأصوات ضاحكة: “ها قد أقلعت الطائرة!” فتتحول السيارة، وسط المنعرجات والغبار، إلى باخرة صغيرة تعبر بهم نحو الدوار، حاملة أحلام الدراسة فوق ظهرها المتعب. ولم يكن الأمان الذي يشعرون به نابعا من وسائل السلامة الحديثة، بل من الثقة الإنسانية، تلك النعمة التي تجعل أبسط الأشياء أكثر دفئا من أعظم الاختراعات.
أما رفيقي في الرحلات إلى تازّة بزرهون، حارس العدالة العليا، أستاذي د. السيد أناس لكرمتي، فكان رجلا من زمن آخر؛ من أولئك الذين يحملون التراث في أرواحهم كما يحمل الرعاة نايهم القديم. كان الشعر الشعبي رفيقنا الدائم في الطريق، وكانت الجبال تصغي إلينا ونحن نستحضر المواويل والحكايات كأننا نوقظ ذاكرة نائمة داخل الحجر.
وفي إحدى الرحلات، بينما كانت السيارة تكابد منحدر المسلك الحجري بصبر يشبه صبر الدراويش، التفت إلي الأستاذ أناس وقال بصوت هادئ:
“هذه السيارة تستحق أن تكتب لها سيرة.”
يومها، ولأول مرة، شعرت أن الطريق نفسها كانت تصغي إلينا. كان الغروب ينزل ببطء فوق تلال زرهون، والريح الخفيفة تمر بين أشجار الزيتون كأنها تقلب صفحات خفية من ذاكرة المكان. أما السيارة، فكانت تواصل صعودها المتعب فوق الحجارة بصوت متقطع يشبه أنفاس شيخ قروي أنهكه العمر ولم يتخل مع ذلك عن خدمة الناس. عندها أدركت أن بعض الأشياء البسيطة لا تعيش بالمحرك وحده، بل تعيش بما يعلق بها من أرواح البشر، وبما تختزنه من تعبهم وأفراحهم وندوب أيامهم. كانت السيارة، دون أن نشعر، تتحول شيئا فشيئا إلى ذاكرة تمشي على أربع عجلات، تحفظ أسماء العابرين أكثر مما تحفظه دفاتر الإدارات، وتعرف وجوه القرى كما تعرف الأم ملامح أبنائها.
ثم أضاف، وعيناه معلقتان بالطريق:
“لقد كتب العالم سيرة الكلاب والخيول والطيور والذئاب… أما هذه، فقد عاشت مع الناس أكثر مما عاش كثير من البشر. حملت الخبز، والقصائد، والطلبة، والتعب، والفرح… فمن ينصفها إن لم نفعل نحن؟”
ومنذ تلك اللحظة، بدأت أرى السيارة بعين أخرى. صارت تبدو لي كأنها روح مقدسة تسير في الطريق، لا مجرد مركبة تستهلك الوقود. كانت تمضي بين القرى بهدوء مهيب، فيحبها الجميع دون تفسير واضح.
الأطفال يركضون خلفها ملوحين بأيديهم الصغيرة، والعجائز يبتسمون حين يسمعون صوت محركها قبل أن تظهر من المنعطف البعيد. وحتى رجال الأمن والدرك، وكل المسؤولين الذين صادفتهم في الطرق والمسالك، كانوا يستقبلونها بمودة خاصة، كأنهم يعرفون أنها لا تحمل إلا الخير.
لم تكن سيارة تثير الريبة، بل كانت تثير الطمأنينة. فهي، في نظر الجميع، تحمل دوما شيئا من الحياة: طالبة عائدة إلى قريتها، أو فلاحا أثقله السوق، أو مؤونة بيت، أو حكاية جديدة في طريق الجبل.
وقد ركبها أيضا أجانب جاءوا من وراء البحار؛ فرنسيون وإيطاليون اندهشوا لقدرتها على اختراق المسالك الوعرة، وجلسوا داخلها كما يجلس المسافرون داخل أسطورة محلية قديمة. كانوا يلتقطون الصور، ويضحكون مع أهل القرى، ويشعرون، ربما لأول مرة، أن البساطة يمكن أن تكون شكلا راقيا من أشكال الإنسانية.
ومن الرحلات التي ازدانت بها سيرة هذه السيارة، تلك الرحلة التي جمعتني بالسي أحمد بوعسرية، أحد حراس الجهات البعيدة من الوطن، حين شددنا الطريق من قرية كرمة بن سالم نحو بير كندوز بأقصى الجنوب، قصد استكمال إجراءات الإمضاء والتسليم والتسلم بعد استفادته من تقاعد نسبي.
كانت بدلته العسكرية مطوية إلى جانبه في صمت مهيب، كأنها تختزن أعواما من السهر عند تخوم الريح والرمال، بينما كانت السيارة تشق المسافات بثبات القرويين الذين تعودوا خدمة الناس دون ضجيج. يومها شعرت أن هذه العجلات الصغيرة، التي حملت التلاميذ والمرضى والفلاحين وأحلام القرى، تستحق هي الأخرى وساما غير معلن؛ وساما منحته لها الطرق الوعرة، ودعوات الأمهات، وثقة العابرين، لأنها لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل رفيقة صامتة في خدمة الوطن والمواطن، تحمل الواجب كما يحمل القلب نبضه الخفي.
ومع السنوات، اكتسبت السيارة شيئا يشبه البركة. صارت تمر في الطريق كما تمر الأرواح الطيبة؛ محاطة بمحبة الناس ودعواتهم الصامتة. وكان الأستاذ أناس يقول ضاحكا:
“هذه السيارة لا تسير بالوقود وحده… إنها تسير بدعوات القلوب.”
ولم يتوقف أثر هذه السيارة عند حدود الحياة اليومية العادية، بل امتد أيضا إلى واحدة من أكثر الفترات عسرا واضطرابا في الذاكرة المعاصرة؛ مرحلة جائحة كورونا، حين عاش المغرب ـ كما عاش العالم بأسره ـ زمنا استثنائيا اختلط فيه الخوف بالحذر، وضاقت فيه حركة الناس تحت وطأة الحجر والإغلاق والقلق الجماعي.
في تلك المرحلة الدقيقة، أدت السيارة دورا إنسانيا هادئا، لكنه بالغ الأهمية، إذ ساعدت على ضمان تنقلات محسوبة اقتضتها الضرورة، كما أسهمت في إيصال المؤونة والحاجيات الأساسية إلى عدد من الأسر والساكنة التي أثقلتها ظروف العزلة وصعوبة الحركة. وقد كنت، آنذاك، قد سلمتها إلى أخي إدريس، الذي كان يشتغل ضمن جهاز الإدارة الترابية، الذي جعل منها وسيلة لخدمة المواطنين وقضاء أغراضهم الإدارية والمعيشية، كما كان يعتمد عليها في تنقلاته اليومية نحو مركز قيادة وليلي، في ظل ما كانت تفرضه تلك المرحلة من صعوبات حقيقية في وسائل التنقل والتنظيم.
وهكذا، وجدت السيارة نفسها مرة أخرى في قلب وظيفة اجتماعية تتجاوز معناها المادي البسيط؛ إذ لم تكن مجرد وسيلة لعبور المسافات، بل أصبحت، في زمن الوباء، جزءا من شبكة التضامن الصامت التي حافظت على شيء من توازن الحياة وسط ارتباك العالم، مؤكدة ـ كما في كل مراحل سيرتها ـ أن الأشياء البسيطة قد تتحول، في لحظات المحنة، إلى أشكال خفية من الطمأنينة والوفاء الإنساني.
وقد قامت أيضا، في أوقات الشدة والاضطرار، بدور شبيه بسيارة الإسعاف، حين كانت تتحول من وسيلة نقل عادية إلى وسيلة إنقاذ سريعة، تحمل معها ما يفوق طاقتها من الأمل والخوف معا. وكم من مرة كانت سببا في نجاة أشخاص كانوا على حافة الموت، سواء بسبب التسمم، أو حالات الولادة العسيرة، أو تناول مواد سامة، حيث كانت السرعة البسيطة الممكنة آنذاك تعني الفارق بين الحياة والموت.
غير أن الطريق، مثل الحياة، لا تهب الإنسان صور النجاة وحدها، بل تضع أمامه أحيانا امتحانات موجعة لا تنسى. ومن أكثر اللحظات حزنا في سيرة هذه السيارة، ذلك اليوم الذي اهتز فيه قلبي قبل أن تهتز العجلات، بدوار جعادنة، حين ارتمت نعجة فجأة أمام السيارة، فأصابتها إحدى العجلات في رجلها الخلفية، وسقطت وسط الطريق بعينين مذعورتين كأنهما تستنجدان بصمت الريف كله.
ولم تكن الصدمة عابرة بالنسبة إلي، لأن النعجة كانت تعود إلى صديقي عمي عبد العزيز بوسروت، بينما كان ابنه الصغير يقود القطيع ببراءة الأطفال الذين لا يدركون كيف يمكن للحظة خاطفة أن تقلب هدوء النهار إلى قلق ثقيل. يومها شعرت بأن الطريق، التي حملت طويلا صور الدفء والنجاة، قادرة أيضا على أن تمنح الإنسان درسا مؤلما في هشاشة الكائنات وضعفها أمام المباغتة.
ولم أجد راحتي إلا حين سارعت إلى استدعاء البيطري، ثم ذهبت إلى الصيدلية لاقتناء كل المستلزمات الضرورية لعلاجها. وحين حضر الطبيب وبدأ يضمد رجلها المصابة، شعرت كأن شيئا من الطمأنينة يعود ببطء إلى المكان، وكأن السيارة نفسها كانت تستعيد هدوءها بعد ذلك الارتباك المفاجئ.
ومنذ تلك الواقعة، ازددت اقتناعا بأن الطريق ليست مجرد مسافة تعبرها العجلات، بل مسؤولية أخلاقية أيضا؛ مسؤولية تجعل الإنسان مطالبا بأن يحمل الرحمة معه أينما سار، لا تجاه البشر وحدهم، بل تجاه كل روح تصادفه في دروب الحياة، لأن القرى، في عمق معناها الإنساني، لا تقاس فقط بما تمنحه للناس، بل أيضا بما تحفظه من رفق بالكائنات الضعيفة التي تشاركهم الأرض والعيش والذاكرة.
ومن طرائف الطريق وغرائبه أيضا، تلك الكائنات البرية الصغيرة التي كانت تعترض مسارنا بين الحين والآخر، حتى بدا الأمر وكأن السيارة نفسها دخلت في ألفة خفية مع وحوش الهضاب وأرواح الحقول. فعلى مقربة من قرية عين السي عمار، بالضفة المعروفة باسم “ديك الديز”، وعند مدخل دوار تازّة قرب عرصة رشيد، وكذلك بمحاذاة مسكن المرحوم الملقب في حياته بـ“الغلبوني”، كثيرا ما كانت الأرانب البرية و”القنية” تظهر فجأة وسط الطريق، تقف لحظات قصيرة أمام أضواء السيارة ثم تنطلق بخفة نحو الأعشاب والمنحدرات، كأنها تمارس لعبتها السرية مع العابرين.
وكلما حدث ذلك، كنت أبادر إلى التخفيف من السرعة أو التوقف الكامل حتى لا تصيبها العجلات، بينما كان بعض مرافقي الطريق يقترحون، على سبيل المزاح أو بدافع غريزة الصيد القديمة، أن أعميها بضوء المصابيح ثم أدهسها قبل أن تفلت. غير أنني كنت أرفض دائما، لا بدافع الشفقة العابرة فحسب، بل لأنني كنت أشعر، في أعماقي، أن تلك الكائنات جزء أصيل من ذاكرة المكان، وأن الطريق لا يكتمل معناها الإنساني إلا إذا ظلت تتسع أيضا لحق الوحش في العبور والحياة.
ومع مرور الزمن، صرت أرى في تلك اللحظات العابرة معنى أعمق من مجرد مصادفات طريق؛ إذ كانت تذكرني بأن القرى لا تحفظ ذاكرة البشر وحدهم، بل تحفظ كذلك آثار الكائنات الصغيرة التي تشاركهم الأرض والليل والمواسم، وأن الرحلة الحقيقية ليست فقط انتقالا بين الأمكنة، بل نوع من المصالحة الهادئة بين الإنسان والطبيعة، حيث تصبح الرحمة شكلا آخر من أشكال الوفاء للمكان.
وفي سياق تجربتي اليومية معها، لم يقتصر دورها على التنقل فحسب، بل تجاوز ذلك إلى فضاءات اجتماعية وثقافية غير متوقعة؛ إذ أتاح لي حضورها الدائم في الساحة العمومية بين مختلف الفئات العمرية أن أمارس شكلا من أشكال الحكي الشفهي، حيث امتزج صوت السرد بحياة الناس اليومية، فكانت السيارة بذلك وسيطا غير مباشر في إعادة إنتاج فن الحكواتي في فضاء مفتوح يجمع الأطفال والشباب والشيوخ.
كما أسهمت هذه الرحلات المتكررة في فتح أفق إنساني أوسع للتعرف على شخصيات محلية ذات قيمة اجتماعية وأخلاقية رفيعة، من بينها صانع العقول ومهندس المعرفة، الأستاذ سليم الرامي، الذي يعد نموذجا في الكرم والسخاء، وذاكرة الضوء، الأستاذ عبد الرحمان الوكيلي، المعروف بشهامته ونبل مواقفه، وحارس الأجيال وباني القيم، عمي حمادي لكرمتي، الذي اقترن اسمه بالحكمة والوقار والتفاني، ومشعل التربية ورفيق السبورة، الأستاذ صالح الوكيلي، الذي ظل مثالا في نبل الرسالة وروح العطاء، إلى جانب شخصيات أخرى شكلت، كل بطريقته، ملامح نسيج اجتماعي غني بالمعاني والقيم.
وفي واحدة من محطات سيرتها، كان سعيد الرامي، القادم من ضوء الطباشير وهم التعليم، يشق الطريق من دوار تازة نحو مولاي إدريس، عابرا منحدرا مثقلا بالحفر، كأن الإهمال ترك عليه ندوبه الحجرية. هناك، وفي منتصف المسلك، خفت نبض السيارة فجأة، واستسلمت البطارية لصمتها البارد، فكأن الطريق أراد أن يختبر هشاشة العابرين قبل صلابة الآلات. وحين وصلني نداؤه، سارعت إلى استبدال البطارية، فعاد الضوء إلى السيارة كما تعود الفكرة إلى ذهن متعب. ومنذ ذلك اليوم، ظلت سيارتي تحتفظ بتلك الواقعة في سيرتها الخاصة، لا كحادثة عابرة، بل كأثر صغير يؤكد أن بعض الطرق لا تعبرها الآلات وحدها، وإنما تعبرها أيضا قيم النجدة والوفاء الخفي بين الناس.
واليوم، حين أتأملها بعد كل تلك الرحلات، لا أرى عجلات ومحركا وهيكلا قديما. أرى زمنا كاملا يتحرك ببطء فوق طرق زرهون: فتيات يحلمن بالمستقبل، وأستاذا اسمه أناس يؤمن أن الوفاء يستحق أن يخلد، وأجانب اكتشفوا إنسانية القرى، ورجال أمن ودرك يبتسمون احتراما.
وأرى، في عمق هذا المشهد، أنني أنا “بن سالم الوكيلي”، لم أكن مجرد سائق أو راو، بل كنت حارسا لقصص الناس وحكايات السلام، أجمع على متن هذه العجلات الصغيرة شتات الذاكرة اليومية، وأصون ما يتساقط من المعنى على الطرقات. كما أرى أن الأستاذ أناس، حارس العدالة العليا، لم يكن فقط مرافقا في الرحلات، بل كان هو الآخر يشارك في حراسة هذا المعنى الخفي، حيث تتحول العدالة من مفهوم مؤسساتي إلى أخلاق يومية تحفظ كرامة الحكاية وحرمة الإنسان داخلها.
وهكذا، في هذا التقاطع بين الحركة والحكاية، بين الطريق والسرد، تشكلت مهنة غير مكتوبة: حراسة القصص وحكايات السلام، حيث تلتقي العدالة بالذاكرة، ويجتمع الإنسان مع إنسانيته في أبسط تفاصيل الرحلة.
لهذا، لم تعد تلك السيارة مجرد وسيلة نقل. لقد أصبحت سيرة روح مشت طويلا بين الناس، ووزعت على الطرقات ما لا تستطيع المصانع صنعه: الدفء، والوفاء، والمحبة.
وبعد أن حررت وجمعت ما تناثر من حكايات هذه الرحلة الطويلة، أستعيد قول الأستاذ أناس يوم التفت إلي قائلا: “هذه السيارة تستحق أن تكتب لها سيرة.” فأجبته حينها: “نعم، سنفعل… لكن شريطة أن تكون واحدا من شخوصها، وأن تترك بصمتك على صفحاتها.” وقد وافق مبتسما، وظلت كلماته منذ ذلك اليوم تسير إلى جانب السيارة، كما تسير الظلال الوفية بمحاذاة الضوء.
أنا، بن سالم الوكيلي، حارس القصص وحكايات السلام، لا أضع اليوم مفاتيح سيارة على الطاولة، بل أضع قلبا كاملا عاش طويلا بين المنعرجات والغبار وأصوات البشر. هذا القلب ليس عضوا بيولوجيا يضخ الدم فقط، بل قنديل قروي تعلم كيف يضيء الطرقات المنسية دون أن ينتظر الكهرباء. في داخله تنام ضحكات الفتيات العائدات من دار الطالبة، ورائحة التين الناضج فوق سفوح زرهون، وخطوات التلاميذ الصغار وهم يركضون نحو دفاترهم كأنهم يركضون نحو مستقبل يحاول النجاة.
هذا القلب حمل الخبز كما حمل الحكايات، وأنقذ المرتبكين على حافة المرض، وتوقف ذات مساء ليعتذر بصمت لنعجة كسرت الطريق رجلها تحت العجلات. ولذلك، فإنني لا أبحث له عن مشتر، بل عن روح أمينة تستطيع أن تكمل به الطريق، لأن القلب الحقيقي لا يورث بالدم، بل بالمحبة.
أما عنوانه، فليس مكتوبا في الأوراق الرسمية، ولا محفوظا داخل سجلات الإدارة، بل محفور في الجهة الهادئة من الإنسان؛ هناك… حيث ما تزال الرحمة قادرة على النجاة وسط هذا العالم الذي صار أحيانا يرصد المال للموت أكثر مما يرصد للحياة.
وإذا سمعت يوما صوت محرك قديم يعبر ليل القرى ببطء، فلا تظنه مجرد سيارة متعبة؛ ربما كان ذلك قلبي، ما يزال يوزع على الطرقات بقايا الدفء، وأثر الإنسان.
وبعد أن فرغ الأستاذ أناس من قراءة هذه السيرة، وأعاد تنقيح ما أمكن تنقيحه بمحبة العارف بحرمة الكلمة ووفاء الرفيق للطريق، رأينا أن نستعرضها اليوم أمام قرائنا الأعزاء، لا باعتبارها مجرد حكاية سيارة عبرت القرى والمسالك، بل باعتبارها سيرة جزء صغير من الذاكرة المغربية الهامشية التي عاشت في صمت، وحملت الناس وأحلامهم دون ضجيج. فلعل هذه الصفحات تعيد إلى القلوب شيئا من دفء البدايات، وتذكرنا بأن أبسط الأشياء قد تتحول، مع الزمن والمحبة، إلى أشكال خفية من الوفاء الإنساني. قراءة ممتعة للجميع.
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ظل الكبش الأبيض
-
تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
-
حين يورث الضوء سنابله
-
قياس الطريق إلى لا مكان
-
حارس البوصلة وفتات الجهات
-
الجدار الذي لم يكن جدارا
-
حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
-
مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
-
مدن من ملح وزجاج
-
حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
-
وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
-
سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
-
عودة النبض إلى الساحة الخالية
-
حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
-
نافذة الروضة
-
اعترافات ظل من جبل
-
حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
-
النظارة التي رأت ما لم ير
-
سياج الابتسامة
-
وصية العابرين إلى وجدان
المزيد.....
-
فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا
...
-
بيت المدى يستذكر صاحب - المنعطف -..جعفر علي عراب السينما الع
...
-
فيلم -فيورد- يفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 20
...
-
مهرجان كان السينمائي: السعفة الذهبية لفيلم -فيورد-
-
باحثون يفككون أزمة قراءة التراث بمعرض الدوحة للكتاب
-
هل يقرأ الذكاء الاصطناعي ما عجز عنه القراء؟ المخطوط العربي ف
...
-
الشغف وحده لا يكفي.. جلسة في معرض الدوحة تراهن على التخطيط
-
معرض الدوحة للكتاب.. شاعران يدافعان عن القصيدة في وجه -الاست
...
-
في معرض الدوحة.. صحيفة المدينة تُستدعى للرد على عالم بلا موا
...
-
مخرج فيلم -أطباء تحت القصف-.. يوم في مستشفى بغزة يكفي لصناعة
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|