أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - ظل الكبش الأبيض














المزيد.....

ظل الكبش الأبيض


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 02:46
المحور: الادب والفن
    


في ذلك العام، بدا العيد كطائر ضل طريقه إلى المدينة. كانت الوجوه تمشي في السوق كما لو أنها تبحث عن شيء أعمق من الأضحية؛ شيء يشبه الطمأنينة القديمة التي كانت تسكن البيوت قبل أن تتكاثر الشاشات ويكثر الكلام ويقل المعنى. السماء نفسها بدت شاحبة، كأن الغيم تعب من الدوران فوق الحقول العطشى.

دخل عبد الرحيم السوق متأخرا. كان يكره الوصول المتأخر، لأن الأشياء الجميلة غالبا ما تختطف باكرا: الخبز الساخن، المقاعد القريبة من النافذة، والقدرة على الحلم. سار بين الحظائر بخطى حذرة، كأنه يخشى أن توقظه الأسعار من آخر أوهامه. كانت الأكباش مربوطة إلى أوتاد خشبية تشبه رجالا صامتين ينتظرون حكما لا يعرفون متى يصدر.

تبعه ابنه ياسين بعينين واسعتين، يلمس الصوف الأبيض ببراءة من يظن العالم ما يزال بسيطا. توقف عند كبش صغير ذي بقعة سوداء قرب العين، وقال مبتسما:
— هذا يعرفني يا أبي.

ابتسم عبد الرحيم دون أن يجيب. كان يعرف أن الأطفال يظنون الأشياء تحبهم، بينما الكبار يتعلمون باكرا أن كل شيء في هذا العالم له ثمن، حتى الألفة العابرة.

في زاوية السوق، كان مقهى صغير يفيض بالضجيج. شاشة معلقة على جدار متشقق تنقل تصريحا لمسؤول يتحدث بطمأنينة باردة:
«الأوضاع مستقرة… والمواطن مطالب بتفهم المرحلة.»

ضحك رجل قرب الباب ضحكة قصيرة تشبه سعالا قديما، ثم قال:
— دائما يطلبون من الجائع أن يفهم أكثر من اللازم.

لم يلتفت أحد إليه. كانت الهواتف قد بدأت تبث مقاطع جديدة لمؤثرين يصرخون كما لو أن البلاد حلبة ملاكمة. وجوه مشدودة، أصابع تشير إلى الهواء، كلمات تتطاير مثل شرر:
«كل شيء ينهار!»
«استعدوا للأسوأ!»
«لقد سرقوا العيد من الفقراء!»

وكان الناس يتابعون في صمت ثقيل؛ ليس لأنهم يصدقون كل ما يقال، بل لأن الخوف حين يجد صوتا مرتفعا يلتصق به مثل طفل ضائع.

أما الجرائد والمواقع، فكانت تتبارى في صناعة العناوين الحادة. لم تعد الكلمات تكتب بالحبر، بل بالأعصاب. كل شيء صار قابلا للاشتعال: السوق، السياسة، الذاكرة، وحتى الدعاء.

وقف عبد الرحيم أمام أحد الباعة وسأل عن ثمن الكبش الأبيض. جاءه الرقم باردا وقاسيا، كأنه حجر سقط في بئر مهجور. شعر لحظتها بأن السوق اتسع فجأة، وأن المسافة بينه وبين ابنه صارت أبعد من المعتاد.

أعاد يده إلى جيبه ببطء. كانت النقود القليلة مطوية بعناية، كأنها تخجل من نفسها. تذكر زوجته وهي تحاول إخفاء قلقها، وتذكر أمه التي أوصته ألا يعود مهموما «فالبيت الذي يدخله الحزن مبكرا يشيخ بسرعة».

أمسك يد ياسين وقال:
— لنذهب.

نظر الطفل إلى الكبش الأبيض طويلا، ثم مشى صامتا. الأطفال أيضا يتعلمون الخيبة، لكنهم يفعلون ذلك دون ضجيج.

عند المخرج، كان شيخ عجوز يجلس قرب ميزان صدئ. بدا كأنه جزء من السوق نفسه؛ شيء قديم نسيه الزمن لأنه لا يؤذي أحدا. كان اسمه الحاج المدني، آخر من بقي من جيل يزن الأشياء بالضمير قبل الميزان.

ناداه بصوت هادئ:
— يا ولدي… لماذا تمشي كأنك تركت قلبك هناك؟

تردد عبد الرحيم قليلا، ثم قال:
— بعض الأثمنة لا تشتري خروفا فقط… تشتري شيئا من كرامة الرجل أيضا.

ظل الشيخ صامتا. نظر إلى الوجوه العابرة، إلى الشاشات المعلقة، إلى الناس الذين يتجادلون أكثر مما يتصافحون. ثم نهض ببطء واتجه نحو الكبش الأبيض. فك الحبل وربت على رأس الحيوان كما لو أنه يواسيه هو الآخر.

مد الحبل نحو ياسين وقال:
— خذه.

ارتبك عبد الرحيم:
— لا أستطيع.

أجابه الشيخ بابتسامة متعبة:
— أعرف. لهذا أعطيك إياه.

في تلك اللحظة، خفت ضجيج السوق قليلا. حتى الصراخ الخارج من الهواتف بدا بعيدا، كأن الرحمة حين تظهر تربك الضوضاء.

قال عبد الرحيم بصوت مرتعش:
— وكيف أرد الدين؟

رفع الحاج المدني عينيه نحو السماء الرمادية وقال:
— حين يتعلم الناس أن الوطن ليس حفلة صراخ. الوطن رغيف نتقاسمه قبل أن يبرد، وكلمة طيبة تقال في وقتها، ومسؤول يفكر قبل أن يتكلم، وصاحب منبر يعرف أن النار حين تكبر لن تفرق بين بيت وآخر.

ثم التفت نحو السوق وأضاف:
— البلاد لا يخيفها الفقر وحده… بل أن يتحول وجع الناس إلى فرجة.

مشى ياسين قرب أبيه وهو يقود الكبش الأبيض بحذر، كأنه يقود غيمة صغيرة نجت من الذبح. أما عبد الرحيم، فكان يشعر أن شيئا دافئا عاد إلى صدره، شيئا يشبه الإيمان البسيط بأن العالم، رغم قسوته، ما يزال يخبئ بعض القلوب النظيفة في زواياه المنسية.

وفي آخر النهار، حين ابتلعت الشمس ما تبقى من الغبار، بقي السوق خلفهم مثل حكاية ناقصة. وحده الراوي كان يتأمل المشهد من بعيد، ويجمع الكلمات المتساقطة من أفواه المتعبين، لأنه يعرف أن القصص لا تغير العالم دائما، لكنها تمنع القسوة من أن تصبح الحقيقة الوحيدة.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة
- وصية العابرين إلى وجدان
- كرامة لا تسجن


المزيد.....




- من قال لا لفيلم -نعم-؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا ...
- في مالمو / السويد تقيم معرض للفنان التشكيلي هادي الصكر
- -بعيون شابة-.. بغداد تحتفي بأفلام توثق قصص الأهوار والتغير ا ...
- كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
- الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي ...
- تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح ...
- -دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت ...
- -ليلة عسل-.. مصطفى غريب يقدم أولى بطولاته المسرحية في السعود ...
- موعد انطلاق عروض الفيلم الكوميدي الرومانسي -الكراش-
- نيللي كريم تبدأ تصوير دورها في فيلم -الفيل الأزرق 3-


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - ظل الكبش الأبيض