أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - عند عتبة الرحمة














المزيد.....

عند عتبة الرحمة


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 07:57
المحور: الادب والفن
    


أنا... حارس الحكايات

لست إماما في مسجد، ولا رجل أمن عند بابه، ولا واحدا من أولئك الذين تسجل أسماؤهم في دفاتر المدن. أنا مجرد شاهد. حارس قديم للحكايات التي تولد بين الناس وتموت بصمت، قبل أن يجدها من يرويها.

ومن بين آلاف الحكايات التي مرت أمام عيني، بقيت هذه واحدة من تلك القصص التي كلما تذكرتها ازددت يقينا أن الإنسان أكبر من خطئه، وأن الرحمة أحيانا تفعل ما لا تفعله العدالة نفسها.

كان ذلك في مساء شتوي بارد. المسجد مضاء كفانوس صغير وسط ضجيج الحياة، والمصلون يتوافدون إليه من كل صوب. عند العتبة تراصت الأحذية في نظام عفوي، كما تتراص هموم البشر قبل أن يدخلوا إلى الصلاة.

راقبت المشهد كعادتي. فالحكايات تبدأ غالبا من تفاصيل لا ينتبه إليها أحد.

وهناك رأيته. شابا في مقتبل العمر، يقف بعيدا عن الباب. لم يكن ينظر إلى المسجد. كان ينظر إلى الأحذية.

لكنني لم أر في عينيه نظرة لص. رأيت شيئا أعرفه جيدا. رأيت وجع الحاجة.

كان يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، كأن معركة كاملة تدور في صدره. وفي تلك اللحظة أدركت أن خصمه الحقيقي لم يكن ضميره، بل ظروفه.

فبعض الناس يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وبعضهم يولدون وفي أقدامهم طرق طويلة من الشقاء.

انشغل المصلون بالصلاة. وانشغل الشاب بصراعه الأخير.

ثم اقترب. انحنى سريعا. أخذ حذاء متواضعا من بين الأحذية. ومضى.

لم يكن يمشي كمن انتصر. بل كمن هزم.

ورأيته يختفي في زحام الشارع.

عندما انتهت الصلاة خرج صاحب الحذاء. رجل في الخمسين من عمره. وجهه يحمل وقار السنين وهدوء من تصالح مع الدنيا منذ زمن.

بحث قليلا. ثم فهم.

كان المكان الذي ترك فيه حذاءه فارغا.

انتظرت الغضب. انتظرت الاستنكار. انتظرت كلمات اللوم التي اعتاد الناس إطلاقها في مثل هذه المواقف.

لكنه فاجأني.

رفع رأسه نحو السماء وقال:

"اللهم إن كان قد أخذه محتاجا فاجعل حاجته تنقضي، وإن كان مخطئا فاهده إلى الطريق."

ثم انصرف.

أما أنا فبقيت واقفا. لأنني شعرت أن الحكاية لم تنته بعد.

ومرت أيام.

وفي أحد الأزقة القديمة رأيت الشاب من جديد. كان جالسا على حافة الرصيف. منحني الرأس. متعب الملامح. كأن الحياة ما زالت تطالبه بأكثر مما يستطيع.

وعلى قدميه كان الحذاء نفسه.

بعد دقائق ظهر الرجل.

الصدفة وحدها جمعت بينهما.

عرف الحذاء فورا.

وعرفت من عينيه أنه عرف صاحبه أيضا.

لكن شيئا نادرا حدث. شيئا لا يتكرر كثيرا في هذا العالم.

اقترب منه وجلس إلى جواره. كأنهما صديقان قديمان.

سأله عن اسمه. وعن حاله. وعن أمه المريضة. وعن عمله. وعن الأيام التي تثقل قلبه.

وتكلم الشاب. تكلم طويلا.

ربما لأن التعب حين يجد أذنا رحيمة يتحول إلى كلام.

حكى عن الفقر. وعن المرض. وعن الأبواب التي أغلقت في وجهه. وعن الليالي التي نام فيها وهو يفكر كيف سيؤمن دواء أمه في الصباح.

كان الرجل يستمع. دون أن يقاطعه. دون أن يحاكمه. دون أن ينظر إلى الحذاء.

وعندما انتهى الشاب، أخرج الرجل ورقة صغيرة كتب عليها عنوان ورشة يعرف صاحبها.

وقال له:

"اذهب إلى هذا المكان غدا. أخبره أنني أرسلتك."

ثم وضع في يده مبلغا بسيطا من المال.

ونهض.

وكاد يغادر.

لكن الشاب نظر إلى الحذاء في قدميه. ثم إلى الرجل. وفهم.

فجأة فهم كل شيء.

ارتجفت شفتاه. وامتلأت عيناه بالدموع.

وحاول أن يتكلم.

لكن الرجل لم يمنحه فرصة للاعتذار.

ربت على كتفه وقال:

"لا تشرح شيئا يا بني... أعرف أن الحياة قد تضيق أحيانا حتى يظن الإنسان أن لا باب أمامه."

ثم مضى.

حاملا معه حقه.

لا في الحذاء.

بل في إنسانيته.

بعد أشهر طويلة رأيتهما مرة أخرى عند باب المسجد نفسه.

كان الشاب مختلفا. أكثر ثقة. أكثر هدوءا. وأقرب إلى نفسه.

اقترب من الرجل يحمل صندوقا صغيرا. وفي داخله حذاء جديد.

مده إليه وقال بصوت اختلطت فيه الدموع بالامتنان:

"جئت أعيد ما أخذته."

ابتسم الرجل. وأغلق الصندوق برفق.

ثم قال:

"يا بني... لو كان ما ضاع مني حذاء فقط، لما استحق الأمر كل هذا العناء."

سكت لحظة.

وأضاف:

"الشيء الذي كنت أخشى ضياعه يومها هو أنت."

عندها انحنى الشاب باكيا.

أما أنا...

أنا حارس الحكايات...

فأغلقت دفترا قديما وفتحت آخر.

لأنني أدركت أن هذه القصة لم تكن عن حذاء سرق عند باب مسجد.

كانت عن إنسان كاد أن تسرقه الحاجة.

فاستردته الرحمة.

ومنذ ذلك اليوم كلما رأيت أحذية مصطفة عند أبواب المساجد، تذكرت أن بعض الناس يتركون أحذيتهم عند العتبة، بينما يترك آخرون قلوبهم مفتوحة للغفران.

وأولئك هم الذين يجعلون هذا العالم أقل قسوة مما يبدو.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ
- النظارة التي رأت ما لم ير
- سياج الابتسامة


المزيد.....




- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - عند عتبة الرحمة