أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الشيخ الذي كان يفهم لغة الماعز/ مجموعة قصصية















المزيد.....



الشيخ الذي كان يفهم لغة الماعز/ مجموعة قصصية


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 16:09
المحور: الادب والفن
    


الفصل الأول: الاسم
قبل أن يعرف أهل الدوار الشيخ راعيا، عرفوه رجلا ينادي الماعز بأسمائها.

لم يكن يقف عند باب الزريبة صارخا أو يلوح بعصاه، بل يفتح الباب ببطء، ثم يشرع في النداء، كأنه يتلو أسماء أفراد عائلة غابوا ليلة كاملة:

"شامة..."

فتلتفت شامة.

"البيضاوية..."

فتتقدم البيضاوية.

"الدايكة... نوال... علي... شيبان..."

وكانت كل واحدة تعرف متى جاء دورها، فتجيبه بطريقتها؛ هذه تهز رأسها، وتلك تطلق صوتا خافتا، وأخرى تقترب حتى تكاد تلامس كتفه.

كان المارة يقفون لحظات. بعضهم يبتسم إعجابا، وبعضهم يراه ضربا من الجنون الجميل.

أما أمه، فكانت تخرج من البيت وهي تمسح يديها في مئزرها:

"آش بقى ليك آولدي؟ حتى الماعز وليتي كتعطيها السميات بحال الناس!"

فيبتسم ويجيب:

"إلى كان الإنسان كيعرف ولادو باسمياتهم، حتى هادو عندهم حق يكون عندهم اسم."

ثم تعود إلى أشغالها، مقتنعة أن ابنها يحمل قلبا أكبر مما ينبغي.

أما هو، فلم يكن يرى في الأمر فضيلة، بل عدلا.

فالاسم، في نظره، ليس زينة للكلام، بل اعتراف بأن لكل كائن حياة لا تشبه حياة غيره.

لهذا لم تكن نوال هي البيضاوية، ولا الدايكة تشبه شامة، ولا علي نسخة من شيبان. لكل واحد منها طبعه وذاكرته وخوفه وطريقته الخاصة في فهم الجبل.

ومع مرور السنين، لم يعد الشيخ يحصي عدد ما يملك من الماعز، بل عدد الحكايات التي عاشها معها.

وكان يقول:

"اللي ما كيقدرش يفرق بين وجهين... عمره ما غادي يفهم الناس."

وحين يرددها، لم يكن أحد يعرف إن كان يقصد الماعز... أم البشر.

الفصل الثاني: نوال
لم تكن نوال أكثر الماعز جمالا ولا أقواها، لكنها كانت الوحيدة التي تؤمن أن الطريق لا يختصر.

كل صباح، تسير مع القطيع حتى يبلغ السفح الأول، ثم تتوقف، تنظر نحو الشيخ كأنها تستأذنه، قبل أن تنعطف وحدها في اتجاه عين جعفر.

لم يكن أحد يرافقها. كانت تعرف المسالك الحجرية، وتحفظ أشجار الزيتون العتيقة، وتعرف أين تتجمع الحبات التي أسقطتها الريح قبل الطيور.

وكان الشيخ يراقبها ويبتسم.

قال له أحد الجيران:

"اربطها... غدا تضيع."

أجاب:

"اللي حافظ طريقو... ما كيضيعش."

كانت نوال تقضي ساعاتها بين الزيتون، تشرب من ماء العين وتأكل ما تشتهي، ثم تعود قبل الغروب، دون أن تسبقها إلى باب الزريبة.

وكانت بناتها الثلاث يبقين مع القطيع، كأنهن تعلمن منذ الصغر أن للأم موعدا يوميا مع الحرية.

ولم يحدث طوال سنوات أن تأخرت.

ذات مساء، سأل صبي الشيخ:

"واش نوال كتفهم كلامك؟"

صمت لحظة وقال:

"أنا اللي خاصني نفهمها."

لم يفهم الصبي.

أما نوال، فمرت بجانبهما ودخلت الزريبة كأنها لم تغادرها.

ومنذ ذلك اليوم، صار الشيخ يقول:

"الوفاء ماشي هو تبقى... الوفاء هو ترجع."

وكان كلما عادت نوال من عين جعفر، ازداد يقينا أن الحرية لا تناقض الانتماء، وأن الكائن الذي يعرف طريق العودة لا يخيفه اتساع العالم.

الفصل الثالث: البيضاوية
لم يكن الشيخ يقول إن البيضاوية أذكى الماعز، بل إنها لا تنسى الوجوه.

وكان يضيف:

"اللي كيحفظ الوجوه... كيحفظ القلوب."

لم يفهم أحد ما يقصده حتى جاء عبد الحق.

كان أهل الدوار ينادونه مرة "مسكين"، ومرة "مريكان". أما الشيخ، فلم يكن يناديه إلا باسمه.

وكلما جاء عبد الحق إلى المرعى، كانت البيضاوية ترفع رأسها، تترك العشب، وتمشي نحوه في هدوء حتى تقف أمامه كأنها جاءت إلى موعد قديم.

يجلس الشيخ إلى جوارها، ويحلب قليلا من لبنها، ثم يناوله لعبد الحق. يشرب الرجل اللبن طازجا، بينما تظل البيضاوية ثابتة حتى يفرغ الإناء. بعدها تهز ذيلها برفق وتعود إلى القطيع.

تكرر المشهد حتى صار جزءا من ذاكرة الجبل.

ولم يسأل الشيخ يوما كيف عرفت البيضاوية الرجل من بين الناس. كان يكتفي بالمشاهدة:

"بعض المعارف ما كتحتاجش للكلام."

مرت السنوات. رحل عبد الحق أولا، ثم البيضاوية بعده بمدة.

وكان الشيخ كلما مر بالمكان الذي كانت تقف فيه، يطيل النظر قليلا ثم يبتسم، لا يعرف أحد إن كانت ابتسامة للحياة أم للغياب.

وحين سأله أحدهم:

"واش بصح كانت كتعرفو؟"

أجاب:

"يمكن... ولكن السؤال الحقيقي هو: واش حنا ما زال باقين كنعرفو بعضياتنا؟"

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد البيضاوية مجرد ماعزة في ذاكرته، بل شاهدا على أن الوفاء أحيانا يختار قلبا لا يتكلم.

الفصل الرابع: الدايكة
كان الشيخ يقول إن الجبل يسمع الهمس أكثر مما يسمع الصراخ.

لذلك لم يكن يرفع صوته في المرعى. كان يعرف أن الصوت العالي قد يجمع الأجساد، لكنه لا يطمئن القلوب.

وحين يفزع القطيع، لا ينظر إلى الجميع، بل يبحث بعينيه عن الدايكة.

لم تكن أكبر الماعز سنا ولا أقواها، لكنها كانت تحمل هدوءا يجعل من حولها أكثر اطمئنانا.

إذا تحركت، تحركت الأخريات وراءها. وإذا توقفت، هدأ القطيع. لم تكن تنطح ولا تزاحم ولا تنتزع مكانها بالقوة؛ كان يكفي أن تمر حتى تنفرج لها الطريق.

راقبها أحد الرعاة وقال ساخرا:

"واش علمتيها تكون القايدة؟"

ابتسم الشيخ:

"أنا ما علمتها والو... هي علمات راسها."

ثم أضاف:

"الزعامة ما كتتعلمش... كتبان."

في مساء هبت فيه ريح قوية من جهة الوادي، تفرقت الماعز بين الصخور. لم يركض الشيخ. ظل واقفا وعيناه على الدايكة.

رفعت رأسها، أطلقت صوتا قصيرا، ثم بدأت تمشي ببطء. خرجت الماعز من مخابئها والتحقت بها حتى عاد القطيع كما كان.

قال الراعي:

"كيفاش عرفات تجمعهم؟"

أجاب الشيخ:

"اللي كيطمن... ما كيحتاجش يتأمر."

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى رجلا يكثر من الكلام ليثبت مكانته، تذكر الدايكة.

بعض الكائنات تطاع لأنها تمنح من حولها الأمان، لا لأنها تبعث فيهم الخوف.

ولهذا لم تكن الدايكة تقود القطيع... بل كانت تحفظ توازنه.

الفصل الخامس: شامة
إذا كانت الدايكة تعلمه معنى الطمأنينة، فإن شامة كانت تعلمه معنى الألفة.

لم تكن تطلب شيئا. كانت تكتفي بأن تكون قريبة.

كلما جلس الشيخ فوق صخرة عند حافة المرعى، جاءت إليه في هدوء ووقفت إلى جواره، كأنها تشاركه الجلسة.

كان يقول:

"يا شامة يا بنتي... فين الكيسان اللي هرستي؟"

فتحرك أذنيها وتنظر إليه بعينيها الواسعتين وتميل برأسها قليلا، فيضحك ويعيد الموال.

سأله أحد الفتيان:

"واش كتفهم شامة هاد الكلام؟"

ربت الشيخ على عنقها:

"يمكن لا... ولكنها كتفهم الصوت."

ثم أضاف:

"والبشر مرات كثيرة كيفهمو الكلمات... وما كيفهموش النبرة."

استلقت شامة غير بعيد، وأغمضت عينيها، كأن الصوت وحده يكفي ليجعل العالم أقل قسوة.

لم تكن لها مغامرات نوال، ولا وفاء البيضاوية، ولا هيبة الدايكة، ومع ذلك كانت أقربهن إلى قلب الشيخ.

لأنها لم تكن تحتاج إلى شيء... إلا أن يكون قريبا منها.

وكان يقول مع آخر النهار:

"الكلام كيقرب الناس مرة... أما الألفة، فهي اللي كتخليهم يبقاو."

ثم ينهض، فتنهض شامة وراءه، لا لأنها أمرت، بل لأنها اختارت أن تمشي معه.

وكان يوقن أن أصدق العلاقات هي التي يستطيع فيها الصمت أن يقول كل شيء.

الفصل السادس: علي
ولد علي في ليلة باردة من ليالي زرهون.

كان الضباب ينزل على السفوح حتى يبدو الجبل كأنه يختفي داخل نفسه.

جففه الشيخ بقطعة صوف قديمة وربت على رأسه:

"مرحبا آ علي... الجبل ما كيعطيش الحياة بسهولة."

وقف الجدي مترنحا، ثم سقط. حاول ثانية فسقط مرة أخرى.

ابتسم الشيخ ولم يساعده.

كان يعرف أن الأرجل لا تتعلم الوقوف إذا حملها غيرها.

وبعد محاولات كثيرة، وقف علي أخيرا. بقي ملتصقا بأمه، ثم بدأ يبتعد عنها قليلا. كان الفضول يقوده أكثر مما تقوده قدماه.

يشم حجرا، يطارد فراشة، ويقف أمام ظل شجرة كأنه يكتشف العالم لأول مرة.

قالت امرأة من الدوار:

"رد بالك عليھ... راه صغير."

فأجاب:

"الصغار خاصهم غير العين... ماشي القيد."

كبر علي بين الماعز، لكنه احتفظ بدهشة الصغار.

وفي أحد الأيام، ابتعد أكثر من المعتاد واختفى بين الصخور. ساد صمت ثقيل.

لم يناد الشيخ ولم يركض.

وبعد دقائق، خرج علي من بين الأعشاب، يحمل في عينيه دهشة المنتصر على خوفه الأول.

اقترب منه الشيخ وربت على عنقه:

"دابا بديتي تكبر."

لم يكن يقصد جسده، بل تلك الخطوة التي يخطوها كل كائن وحده حين يكتشف أن العالم أوسع من حضن أمه، وأن العودة إليه تصبح أجمل بعد أن يعرف الطريق.

وكان يقول حين يرى طفلا يخاف من التجربة:

"الشجاعة ماشي هي غياب الخوف... الشجاعة هي أول خطوة بعده."

الفصل السابع: شيبان
لم يكن شيبان يعرف حدود المرعى.

كان يعرف طريقا واحدا فقط: طريق المقهى.

ما إن يبتعد الشيخ قليلا بين الصخور حتى ينسل من القطيع، ويسلك الطريق الترابي المؤدي إلى الدوار كأنه ذاهب إلى موعد.

لم يكن أصحاب المقهى يستغربون حضوره.

كان يقف عند الباب، فيضحك الرجال:

"ها هو الزبون وصل."

كانوا يملأون له السبسي بقليل من الكيف، فيقربه أحدهم من فمه، فيسحب أنفاسا قصيرة ثم يقف ساكنا، وعيناه نصف مغمضتين.

أما إذا أخفوا عنه السبسي، فكان يلتفت حوله لحظة، ثم يرفع إحدى رجليه ويتبول على أول من يقف قريبا منه. وعندما تعلو الصيحات، يفر هاربا نحو الجبل كأنه لم يرتكب شيئا.

وكان الشيخ يعرف القصة قبل أن يراها.

ما إن يعود شيبان حتى يقول:

"ها... رجعتي من المقهى؟"

فيقف شيبان مطأطئ الرأس.

فيجلس الشيخ إلى جواره:

"قلت ليك الكيف ما فيه خير."

وكان الحاضرون يضحكون من حوار يسمع فيه طرف واحد فقط.

أما الشيخ، فكان ينظر إلى شيبان بعين من يعرف أن العادة إذا تمكنت من صاحبها صارت هي التي تقوده.

قال له رجل:

"غير ماعز... آش فهمو؟"

أجاب الشيخ:

"هو عارف شنو باغي... ولكن الإنسان هو اللي خاصو يعرف شنو خاصو."

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى إنسانا يسخر من ضعف غيره، تذكر شيبان:

"بعض الإدمان يسكن الجسد... وبعضه يسكن القلب. والثاني أصعب علاجا."

الفصل الثامن: أم الشيخ
لم تكن أم الشيخ تفهم ما يفعله ابنها مع الماعز.

كانت ترى في الأمر مضيعة للوقت ورفقة لا تليق برجل في سنه.

كل صباح تراقبه وهو يخرج إلى المرعى، ثم تهمس:

"ولدي كيهضر مع الماعز... والناس كيهضرو مع الناس."

كانت تؤمن أن لكل شيء مكانه الطبيعي، وأن الإنسان لا ينبغي أن ينزل إلى ما دون مرتبته.

أما الشيخ، فكان يسمع ملاحظاتها بصمت.

قالت له يوما:

"آش غادي تعلمك الماعز؟ الحكمة؟"

فأجاب:

"يمكن علمتني نسكت."

لم تقتنع.

لكنها كانت ترى شيئا مختلفا في عينيه كلما عاد من الجبل: ليس مالا ولا منصبا، بل نوعا من السكون لا تعرف مصدره.

وذات يوم سألته:

"واش كتفضل القطيع على الناس؟"

توقف وقال:

"أنا ما كنفضل حتى حاجة... أنا غير كنسمع."

ومع مرور السنوات، بدأت تلاحظ أن الناس كلما أكثروا الكلام عاد هو أقل كلاما، وكلما اشتد الضجيج في الدوار أصبح صمته أعمق.

حتى صارت تقول في سرها:

"يمكن هاد الصمت ماشي فراغ... يمكن هو امتلاء بطريقة أخرى."

لكنها لم تقلها له.

وفي آخر مرة رأته يغادر نحو المرعى، وقفت عند الباب وقالت بصوت خافت لم يسمعه:

"الله يعاونك على اللي كتفهمو بوحدك."

ومضى الشيخ.

ولم يكن يعرف أنه لم يعد يتحدث فقط مع الماعز، بل أصبح يشرح صمته للعالم كله دون أن ينطق.

الفصل التاسع: حارس القصص
لم أكن هناك حين بدأ الشيخ ينادي الماعز بأسمائها.

لكنني سمعت القصة كما تسمع الأشياء التي لا تموت بسهولة.

قالوا إنه كان ينظر إليها كما ينظر الناس إلى أبنائهم، ويرفض أن يختزلها في قطيع واحد بلا ملامح.

وكلما حكيت لي الحكاية، اكتشفت أن التفاصيل لا تنقص، بل تزداد، كأنها تتنفس من جديد.

لم أكتبها من أول مرة. كنت أتركها تمر في الذاكرة، ثم أعود إليها حين تهدأ اللغة.

فالقصص، في رأيي، لا تكتب دفعة واحدة، بل تصغى أولا، ثم تؤتمن.

سئلت مرة:

"لماذا تكتب عن الماعز؟"

لم أجب مباشرة.

لأن السؤال لم يكن عن الماعز، بل عن الإنسان الذي يختار أن يرى في الكائنات الأخرى مرايا لما لا يقوله عن نفسه.

في القصة التي وصلتني كان هناك شيخ، وقطيع، وأسماء تنادى كأنها اعترافات صغيرة بالحياة.

لكن ما كان يهمني أكثر من الأحداث هو ذلك الخيط الخفي الذي يجعل الراعي يبدو أحيانا كأنه يراقب، لا يراقب فقط.

كأن هناك عينا أخرى تكتب ما لا يقال.

لم أكن أنا تلك العين.

كنت فقط أحرس ما يصلني من أثرها.

وفي كل مرة أضيف سطرا، كنت أشعر أن القصة لا تخصني، بل تخص شيئا أكبر من الجميع:

الذاكرة حين تقرر أن تروى.

ولهذا أسمي نفسي:

حارس القصص.

لا لأنني أملكها، بل لأنني أخاف عليها من النسيان أكثر مما أخاف عليها من الكتابة.

الفصل العاشر: ما لا يقال
أنا ابن هذا الجبل، وأعرف أن الأشياء هنا لا تحتاج دائما إلى تفسير كي تكون حقيقية.

الشيخ كان واحدا من تلك الأشياء.

لم يكن كثير الكلام، لكن حضوره كان يجعل الكلام يبدو زائدا.

كان ينادي الماعز بأسمائها، لكن ما كان يحدث بعد النداء أهم من النداء نفسه:

صمت قصير بينه وبين الكائنات، كأن العالم كله يتوقف ليفسح مجالا لفهم لا يحتاج لغة.

كنت أراقبه وأفكر أن ما يفعله لا يتعلق بالماعز فقط، بل بطريقة وجوده وسط الأشياء.

في الدوار كان كل شيء يشرح: كل حركة لها سبب، وكل سكون له تأويل.

أما الشيخ فكان يعيش كأنه يرفض هذا الاتفاق غير المكتوب.

لا يشرح كثيرا ولا يبرر.

حتى حين يسأل، يترك الجواب معلقا، كأن بعض المعاني لا تكتمل بالكلام.

كنت أراه أحيانا يقف وسط القطيع دون أن يفعل شيئا، لكن وجوده وحده كان كافيا لتتغير الحركة حوله.

إلى أن أدركت أن بعض العلاقات لا تقوم على التفسير، بل على الاعتراف الصامت بوجود الآخر.

الماعز لم تكن بالنسبة له رموزا، ولا هو بالنسبة لها راعيا فقط.

كان هناك شيء أعمق من التبادل: نوع من التعايش الذي لا يحتاج أن يعلن عن نفسه.

ذات يوم، خطر لي أن أكتب عنه، ثم توقفت، لأنني شعرت أن الكتابة قد تفسد هذا النوع من الفهم.

لكنني كتبت لاحقا، لا لأفسر، بل لأحفظ ما لا يمكن شرحه.

وأنا أكتب الآن، لا أبحث عن معنى نهائي لما كان يحدث هناك، بل أترك أثرا صغيرا لفكرة بسيطة:

أن ليس كل ما يعاش يجب أن يفسر، وأن بعض الحقائق تظل أكثر صدقا حين تبقى كما هي... صامتة.

الفصل الحادي عشر: موحا دناس
لم يكن موحا دناس غريبا عن الجبل، لكنه لم يكن واحدا منه أيضا.

كان يأتي إلى المرعى حين يشاء، يقف عند الحافة قليلا، كأنه يتأكد أن الأرض ما زالت كما تركها، ثم يتقدم بخطوات بطيئة.

الشيخ لم يسأله يوما من أين جاء.

كان يقول إن بعض الناس لا تأتي من مكان واحد، بل من سؤال لم يحسم بعد.

في الأيام الأولى، كان موحا دناس يراقب القطيع أكثر مما يراقب الشيخ، كأنه يبحث عن شيء لا اسم له.

ذات صباح قال له الشيخ:

"كتبان عليك ما مرتاحش."

ابتسم موحا:

"أنا ماشي ما مرتاحش... أنا غير ما عارفش فين نحط راسي."

سكت الشيخ، ثم قال:

"اللي ما عارفش فين يحط راسو... كيبقى يشوف الأرض بزاف."

كان موحا يأتي بأسئلة لا تبدأ من مكان واضح:

"علاش كتسمي الماعز؟"

"واش الاسم كيبدل شي حاجة؟"

"واش اللي بلا اسم... ما كاينش؟"

وكان الشيخ لا يجيب بسرعة، كأنه يترك الأسئلة تمشي حتى تتعب.

وفي مرة قال:

"أنا ما كنسميش باش نتحكم... كنسمي باش ما نضيعش."

هز موحا رأسه:

"وأنا كنحس أن الأسماء هي اللي كتخليني نضيع."

جلس طويلا عند طرف المرعى، لا مع القطيع ولا مع الناس، بل في المسافة بينهما.

مر عليه الشيخ عند الغروب:

"باقي هنا؟"

أجاب:

"أنا ما خرجتش من هنا باش نرجع."

ثم أضاف:

"أنا غير كنت كنقلب على نفسي وسط اللي ماشي أنا."

لم يعلق الشيخ، لكن نظرته طالته أكثر من المعتاد.

ومنذ ذلك اليوم، صار موحا يأتي أقل، ليس لأنه اختفى، بل لأنه لم يعد يبحث بنفس الطريقة.

وكان الشيخ كلما رأى أثره عند الحافة يقول في نفسه:

"بعض الناس ما كيحتاجوش الجبل... كيحتاجو غير يعرفو شكون للي داخل الجبل."

الفصل الثاني عشر: ذويبة – ذيبان – هبة
لم تكن الكلاب في الجبل كلها متشابهة.

لكن الشيخ كان يقول إن الكلب، مثل الإنسان، لا يفهم من شكله، بل من الطريقة التي يحرس بها ما يحب.

كانت ذويبة أول من ظهرت عند أطراف المرعى.

صغيرة الجسد، حذرة الخطوات، كأنها لا تثق حتى في ظلها.

إذا اقترب غريب، لا تنبح فورا، بل تراقب أولا، ثم تقرر إن كان الصوت يستحق الإنذار.

أما ذيبان، فكان العكس تماما.

صوته يسبق جسده، ويمشي كأنه يعلن عن نفسه قبل أن يصل. إذا تحرك، تحرك معه القلق في المكان. وكان يحب أن يكون في المقدمة حتى حين لا يعرف إلى أين يتجه.

أما هبة، فلم يكن أحد يفهمها جيدا.

لا هي بالحذرة مثل ذويبة، ولا بالاندفاعية مثل ذيبان.

كانت تظهر حين لا يتوقعها أحد وتختفي حين يظن الجميع أنها موجودة، كأنها لا تنتمي للحراسة فقط، بل لما بعدها.

في أحد الأيام، جاء رجل غريب إلى أطراف الجبل. لم يكن من الدوار ولا من الرعاة. كان يحمل عصا طويلة وينظر إلى القطيع كأنه يعد شيئا في رأسه.

تقدم ذيبان أولا ونبح بصوت عال، لكن الرجل لم يتراجع.

تقدمت ذويبة قليلا، توقفت، ثم عادت خطوة إلى الوراء، تقيس الخطر ولا تواجهه مباشرة.

أما هبة، فكانت خلف الشيخ تراقب دون حركة.

لم يركض الشيخ ولم يصرخ.

كان ينظر إلى الرجل ثم إلى الكلاب، وقال:

"اللي كيخاف بزاف... كيخلق الخوف."

توقف ذيبان عن النباح فجأة.

جلست ذويبة.

وتقدمت هبة خطوة نحو الشيخ ثم توقفت.

كأن شيئا غير مرئي أعاد ترتيب المكان.

نظر الرجل إليهم، ثم إلى الشيخ، ثم إلى الأرض، ولم يقل شيئا.

التفت وغادر كما جاء... بلا تفسير.

قال أحد الرعاة:

"الكلاب ديالك قوية."

ابتسم الشيخ:

"القوة ماشي فالصوت... القوة فاش كتخلي الآخر يراجع راسو بلا ما تضربو."

في المساء، جلس الشيخ قرب الحافة، والكلاب حوله، كل واحدة في مكان مختلف.

ذيبان في المقدمة، ذويبة في الظل، وهبة أقرب إليه دون أن تلمسه.

فقال:

"حتى الحراسة عندها طبقات... بحال الخوف، وبحال الحب."

ثم سكت.

وكان يعرف أن كل واحد منهم لا يحرس القطيع فقط، بل يحرس جزءا مختلفا من نفسه.

الفصل الثالث عشر: ما يثقل المعنى
لم يعد الشيخ يقف في المرعى كما كان.

صار يشعر أن الأرض لا تحتاج إليه ليكتمل المشهد.

الماعز تتحرك وتأكل وتتفرق وتجتمع، كأنها لا تنتظر شيئا منه أصلا.

وهو فقط هناك، كأنه جزء زائد عن الحاجة.

في البداية ظن أن الأمر تعب عابر، لكن الأيام لم تعد تمر بالخفة القديمة.

حتى الأسماء التي كان ينادي بها بدأت تعود إليه ببطء:

"نوال... شامة... البيضاوية..."

ثم يتوقف.

كأن الاسم لم يعد يكفي ليعيد الشيء إلى مكانه.

في أحد الأيام وقف طويلا دون أن يتحرك.

لم يكن هناك حدث ولا اضطراب، فقط صمت واسع، لكنه هذه المرة لم يكن مريحا.

قال بصوت لم يسمعه إلا هو:

"حتى اللي كنسميه... ما بقاش كيرجع كيف ما كان."

نظر إلى القطيع.

كان هناك نظام كامل يتحرك بدونه.

وهنا بدأ السؤال:

إذا كان كل شيء يستمر بدونه... فما الذي كان يفعله هو هنا أصلا؟

لم يجد جوابا.

ولأول مرة، لم يشعر أن الصمت يفسر، بل إنه يضغط.

كأن المعنى صار أكبر من أن يحمل.

في تلك الليلة، لم يكتب شيئا، ولم يناد أحدا.

وفي الصباح خرج كما يخرج دائما، لكن شيئا داخله لم يخرج معه.

شيء ظل عند العتبة.

كأن الشيخ بدأ يترك جزءا منه كلما مر من الباب.

الفصل الرابع عشر: العتبة
في الأيام التي تلت، صار الشيخ أقل حضورا مما اعتاده الناس.

لم يكن أحد يستطيع أن يقول إنه اختفى، لكنه لم يعد كما كان.

كان يخرج إلى المرعى كما يخرج أي يوم، لكن شيئا في خطواته كان يتأخر قليلا، كأنه لا يلحق بنفسه.

والماعز كانت تمشي كما هي.

لكن المسافة بينه وبينها لم تعد تقاس بالخطوات، بل بما لا يقال.

حتى النداء الذي كان يجمعهم صار يصل متأخرا.

ليس لأن الصوت تغير، بل لأن المعنى نفسه لم يعد يستجيب بسرعته القديمة.

في الدوار، بدأ الناس يقولون:

"الشيخ ولى بعيد."

لكنهم لم يعرفوا هل البعد في المكان أم في شيء آخر.

في أحد الأيام مررت قرب المرعى.

لم يكن هناك شيء مختلف في المشهد: نفس العشب، نفس القطيع، لكن حافة غير مرئية كانت تفصل الهواء.

كان الشيخ واقفا هناك.

قال، كأنه لا يخاطب أحدا:

"اللي كان كيجمعنا... ولى كيخليني غير واقف."

ثم سكت.

لم يعد صمته هدوءا، بل مسافة بينه وبين كل شيء يعرفه.

حتى القطيع بدا بعيدا رغم أنه أمامه.

رفع نظره إلى الجبل، لا يبحث عن شيء، بل كأنه يتأكد أن الجبل ما زال موجودا بالطريقة نفسها.

ثم قال:

"يمكن ما بقاش عندي ما نزيدو هنا."

لم يجب أحد.

بعد ذلك اليوم، صار يمر أقل.

ليس لأنه يبتعد، بل لأن المكان نفسه لم يعد يحتاج حضوره بنفس الشكل.

وكان يظهر أحيانا كظل ثم يختفي قبل أن يسأل عنه أحد.

وفي الدوار، لم يعد السؤال: أين الشيخ؟

بل:

لماذا لم نعد نسأل؟

وفي لحظة ما، فهم الجميع دون اتفاق...

أن الشيخ لم يترك المكان.

بل ترك الطريقة التي كانوا يرونه بها.

الفصل الخامس عشر: الأثر
لم يعد الشيخ حاضرا كما كان.

لكن الجبل لم ينسه.

في البداية كان غيابه يرى كفراغ صغير في المكان الذي كان يقف فيه عند المرعى، ثم صار الفراغ نفسه جزءا من المشهد.

الماعز كانت تعود إلى المسارات نفسها، كأنها لا تبحث عنه ولا تنساه. فقط تمشي، كأن العادة أصبحت أعمق من الحضور.

أما أنا، ابن الجبل، فكنت أعود إلى المكان نفسه دون سبب واضح.

لا أبحث عنه ولا أبحث عن غيابه، بل عن الطريقة التي كان بها يجعل الأشياء تبدو أكثر هدوءا مما هي عليه.

ذات يوم وقفت عند الحافة، حيث كان يقف، وحيث كان يقول إن كل شيء يقرأ من تحتها.

لم أسمع صوته.

لكنني سمعت ما يشبهه.

ليس صوتا، بل أثر صوت.

كأن الجبل نفسه يحتفظ بما قيل فيه دون أن يعيده.

تذكرت نوال، التي كانت تذهب وتعود كأنها تكتب حرية صغيرة كل يوم.

والبيضاوية، التي كانت تحفظ الوجوه كأنها تحفظ معنى الوفاء دون أن تشرحه.

والدايكة، التي كانت تمر فتسكت الحركة من حولها دون أن تأمر.

وشامة، التي كانت تكفيها الجلسة قرب الصوت.

وعلي، الذي كان يكتشف العالم كما لو أنه جديد في كل مرة.

وشيبان، الذي كان يضيع في رغباته الصغيرة ثم يعود كأن شيئا لم يكن.

ثم تذكرت الشيخ.

لم أعد أراه كراع، ولا كحكاية، بل كفكرة مرت من هنا وتركت أثرها في طريقة النظر.

في زرهون، لا تمحى الأشياء بسهولة.

هي فقط تغير مكانها في الذاكرة.

وفي تلك اللحظة فهمت أن ما كان يحدث لم يكن قصة عن رجل وماعز.

بل عن طريقة مختلفة في العيش مع المعنى... ومع فقده.

عدت من الحافة دون أن ألتفت.

لأنني أدركت أن بعض الأشياء لا تختتم.

بل تترك مفتوحة، كي تواصل العيش فيمن مر بها.

وهكذا انتهت الحكاية كما بدأت:

لا كقفل...

بل كأثر.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اسفار الندبة والقمر / السفر الثاني / وصية الموج ( برحيل لا ي ...
- الحمار الأبيض... حكاية لا تموت
- الأشرعة التي تبحث عن السلام
- ثلاثية الطريق والعدالة المؤجلة
- حين حوكم الضوء وتوارى الظلام
- أنا... صوت الحكاية الأولى
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم


المزيد.....




- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - الشيخ الذي كان يفهم لغة الماعز/ مجموعة قصصية