أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين حوكم الضوء وتوارى الظلام














المزيد.....

حين حوكم الضوء وتوارى الظلام


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 09:37
المحور: الادب والفن
    


في ذلك المساء، كنت أعبر وادي الشقوق على ظهر حصان حديدي أنهكته الرحلة. لم يكن الطريق طريقا بالمعنى المعروف، بل مخطوطة قديمة محتها السنوات، وتركت عليها الحفر توقيعاتها العميقة.

كنت، كما اعتدت دائما، أحمل في جعبتي ما تبقى من حكايات السلام، أجمعها من القرى المنسية وأحرسها من الضياع. فمنذ زمن بعيد، اختارتني الحكايات حارسا لها، وكنت أظن أن الحارس يمنح بعض الأمان وهو يؤدي مهمته.

غير أن الطريق كانت ترى الأمر على نحو آخر.

كل حفرة كانت تقتطع من الحصان الحديدي جزءا من صبره، وكل ارتجاجة كانت تنزع برغيا من ذاكرته. وعندما بلغت بوابة العبور، أوقفني حارس البوابة، وتأمل الحصان طويلا، ثم أشار إلى مصباح صغير في مؤخرته.

قال:

— هذا المصباح لا يضيء.

نظرت إلى المصباح، ثم إلى الطريق الممتدة خلفي كأثر زلزال قديم، وقلت في سري: عجيب أمر هذا العالم؛ فالطريق التي تطفئ المصابيح لا تسأل، أما المصباح المنطفئ فيستدعى إلى المحاكمة.

فتح الحارس دفتره.

أما أنا، ففتحت جرح السؤال.

قلت له:

— هل يحاسب الظل لأنه ولد من غياب الضوء؟

لم يجب.

كان منشغلا بتسجيل أثر الجريمة، لا بالبحث عن الجاني.

وحين احتدم الحوار بين لغة الدفتر ولغة الطريق، قال لي:

— عليك أن تفهم.

فقلت:

— وما جدوى الفهم إذا كان يطلب دائما من الضحية؟

ثم أضاف:

— أنت لا تريد أن تفهمني، وأنا لا أريد أن أفهمك.

في تلك اللحظة، شعرت أنني أقف في قلب حكاية أكبر من مصباح وأكبر من طريق.

حكاية عالم يتقن عد الخسائر، لكنه يعجز عن رؤية أسبابها.

عالم يضع الحفر في مرتبة القدر، ويضع الضحايا في خانة المسؤولية.

وقبل أن تتحول الحكاية إلى مأساة جديدة، تقدم حارس آخر. لم ينظر إلى المصباح وحده، بل نظر إلى الطريق أيضا. كان يعرف أن العدالة العمياء ليست تلك التي لا ترى الوجوه، بل تلك التي لا ترى السياق.

أغلق الدفتر.

وأعاد إلي أوراق الرحلة.

ومضيت.

لكنني أدركت شيئا في ذلك اليوم:

أن حارس الحكايات قد يصبح أحيانا إحدى شخصياتها.

وأن من يخرج كل صباح ليجمع قصص السلام من بين الأنقاض، قد يعود مساء حاملا قصة جديدة عن نفسه.

قصة ضحية وجدت نفسها مطالبة بتبرير الجرح، بينما ظل السكين حرا يتجول في الطرقات.

أما الحفرة...

فبقيت هناك.

تبتلع الضوء من مصابيح أخرى، وتنتظر ضحايا جددا، إلى أن يأتي زمن تستدعى فيه هي إلى منصة الأسئلة، بدل أولئك الذين نجوا منها بالكاد.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا... صوت الحكاية الأولى
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل


المزيد.....




- كيف تشكلت -الشجاعة الأسطورية للشعب الروسي-؟
- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...
- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - حين حوكم الضوء وتوارى الظلام