أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - أنا... صوت الحكاية الأولى














المزيد.....

أنا... صوت الحكاية الأولى


بن سالم الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:33
المحور: الادب والفن
    


عدت من الضفة التي لا تعود منها الأجساد.

لا تحملني قدمان، ولا يسبقني ظل. أنا مجرد صوت عالق في ذاكرة التراب، وشظية من سؤال قديم ما زال يدور حول الأرض منذ أن كان الفجر طفلا.

كنت أول سنبلة قطفتها يد العنف.

وأول قطرة دم رأت السماء لونها على وجه الأرض.

منذ ذلك الزمن البعيد، وأنا أعبر القرون كهمسة تائهة بين الرياح، أراقب أبناء الطين وهم يكررون الحكاية نفسها، لكن بأقنعة جديدة.

في البدء لم تكن هناك مدن ولا أسوار ولا أعلام.

لم تكن هناك جيوش ولا خطب ولا مؤتمرات.

كان هناك قلبان فقط...

وبينهما بذرة صغيرة.

كان يمكن أن تصير شجرة.

لكنها تحولت إلى حجر.

وحين ارتفع الحجر لأول مرة، سقطت أنا.

لم يكن سقوطي نهاية حياة، بل بداية حكاية طويلة ستتعلم البشرية قراءتها ببطء شديد.

أما الذي بقي واقفا فوق الصمت، فقد وجد نفسه وحيدا أمام ما صنعت يداه.

كان الموت جديدا على الأرض.

وكان القاتل أكثر حيرة من القتيل.

عندها مر المعلم الأسود.

طائر جاء من أسرار الغيب، يحمل في منقاره درسا لم تعرفه البشرية بعد.

رأيته يشق التراب ويعيد إليه ما خرج منه.

كان يحفر في الأرض، لكنه في الحقيقة كان يحفر في وعي الإنسان.

وهكذا تعلم أبناء الطين أن للأجساد طريقا إلى السكون، وأن التراب ليس نهاية الأشياء بل عودتها إلى أصلها.

ظننت يومها أن الدرس قد اكتمل.

لكن الزمن كشف لي أن البشر يتعلمون كيف يدفنون موتاهم، ولا يتعلمون دائما كيف يمنعون موتهم.

ومرت القرون.

كبرت المدن.

ارتفعت الأبراج.

امتلأت الأرض بالمجالس والمواثيق والمؤسسات والرايات.

وصارت الكلمات أكبر من الجبال.

لكنني كنت أرى، تحت كل ذلك، الحجر القديم ما يزال نائما في أعماق القلوب.

كلما ظن الناس أنه مات، استيقظ.

مرة باسم الخوف.

ومرة باسم المجد.

ومرة باسم الوطن.

ومرة باسم المقدس.

وفي كل مرة كان يبحث عن ضحية جديدة.

رأيت أنهارا من الدم تسيل بينما تتحدث المنابر عن الخلاص.

ورأيت أطفالا يبحثون عن ألعابهم بين الأنقاض، فيما كان الكبار يتجادلون حول أسماء الحروب.

ورأيت الحمام يحاول عبور السماء، فتطارده نيران الأرض.

عندها أدركت أن الحكاية الأولى لم تنته.

إنها فقط تغير ثيابها.

لكنني، رغم كل شيء، لم أفقد إيماني بالشجرة.

تعلمت من موتي أن الحياة أكثر عنادا من القتل.

وأن كلمة واحدة قادرة على النجاة من ألف سيف.

وأن الحوار ليس جسرا بين المتشابهين، بل بين المختلفين.

وأن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور الإنسان في قلب الإنسان.

لهذا عدت.

لا لأطارد القتلة.

ولا لأحصي المقابر.

بل لأجمع البذور التي ما زالت تنجو من العواصف.

أجمع حكايات الأمهات اللواتي انتصرن للحياة.

وأصغي إلى ضحكات الأطفال التي تنبت وسط الركام.

وأحفظ قصص الغرباء الذين اختاروا المصافحة حين كان الطريق إلى العداوة أقصر.

فالحكايات هي الذاكرة السرية للعالم.

وحين تموت الحكايات، تصبح الحجارة أكثر بلاغة من القلوب.

لهذا كنت أبحث دائما عن المادة الخام للسلام.

عن تلك الشرارة الصغيرة التي تجعل الإنسان يختار الشجرة بدل الحجر.

وكلما أوشكت أن أفقد الأمل، كنت ألمح في البعيد ضوءا يتحرك بين الظلال.

لم يكن فارسا.

ولم يكن ملكا.

كان مجرد حامل لقنديل.

يجوب خرائب الأزمنة كما يجوب الفلاح حقله بحثا عن بذور الموسم القادم.

كان يجمع الحكايات التي سقطت من ذاكرة العالم.

يلتقط من بين الرماد كلمة.

ومن بين الدموع أغنية.

ومن بين الأنقاض حمامة صنعتها الأحلام.

وحين كانت الحروب ترفع أصواتها، كان يرفع قنديله أعلى.

لا ليهزم الظلام...

بل ليمنع الضوء من الانطفاء.

لم أسأله عن اسمه.

فالرموز لا تحتاج إلى تعريف.

لكن الريح كانت تهمس أحيانا باسم يشبه حكاية قديمة:

بن سالم الوكيلي.

حارس القصص وحكايات السلام.

وربما لم يكن يبحث عن الحكايات وحدها.

وربما لم أكن أنتظر الجواب وحدي.

فمنذ الضربة الأولى، ما زال السؤال نفسه معلقا بين الأرض والسماء:

متى يتعلم الإنسان أن اليد التي تستطيع حمل الحجر...

تستطيع أيضا أن تزرع شجرة؟

ومنذ ذلك اليوم البعيد، ما زلت أنتظر.

وما زال حارس الحكايات يبحث.

وبين انتظاري وبحثه...

تواصل الإنسانية كتابة الحكاية الأولى من جديد.



#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين رفض القبر أن يبتلع السر
- عند عتبة الرحمة
- سيرة الروح التي كانت تمشي على أربع عجلات
- ظل الكبش الأبيض
- تاھركويت… حين يصبح الصوت صدى لنفسه
- حين يورث الضوء سنابله
- قياس الطريق إلى لا مكان
- حارس البوصلة وفتات الجهات
- الجدار الذي لم يكن جدارا
- حين صار القمر قرية… لا تغلق أبوابها
- مضيق الفجر… حين تتكلم الأصوات في عنق العالم
- مدن من ملح وزجاج
- حارس الحكايات… وساحة تستعيد اسمها في القلب
- وادي عين جعفر: حارس الكلمات والحلم
- سر الكهف… وأنا حارس الحكاية/ قصة قصيرة
- عودة النبض إلى الساحة الخالية
- حارس الوثائق التي تعلمت الشهوة
- نافذة الروضة
- اعترافات ظل من جبل
- حين هَمَتْ جدران الله… صمت التاريخ


المزيد.....




- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟
- متحف النصر يحيي ذكرى الحرب الوطنية العظمى بمعرض تشكيلي للفنا ...
- رواية -غرفة حنا دياب- تفك شفرة الهوية الحلبية وأسرار ألف ليل ...
- فقر بـ-فلاتر- وموسيقى مرحة.. كيف يجمّل -ورد على فل وياسمين- ...
- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بن سالم الوكيلي - أنا... صوت الحكاية الأولى