أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هاجس الخوف














المزيد.....

قصة قصيرة: هاجس الخوف


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:11
المحور: الادب والفن
    


يتمدد في أحد جوانب الغرفة الطينية بعد أن تناولَ وجبة الغداء في ذلك الجو الصيفي اللاهب، وما أن وضع رأسه على الوسادة حتى داهمته الأفكار وأصبح فريسة الخواطر، استدار إلى جهة أُمه وكان يعتقد بأنها قد نامت في تلك اللحظات، إلاّ أن نظراتهما قد تقاطعت فابتسم ابتسامة خفيفة، فأخذت تتفحصه وتطيل النظر فيه، اغمض عينيه ليوهمها بأنه على وشك أن ينام، وأخذ يفكر في ذلك النهر القريب والذي ذهب إليه في صبيحة هذا اليوم، لاحظ أشعة الشمس الساطعة قد تكسرت على السطح لتبدو قطعة بيضاء متوامضة لمساحة واسعة، بدأ شيء يتوالد في قلبه، ليتحول إلى حالة من الانفعال الكبير وأخيرا إلى ألمٌ يعصر قلبه ويقبض نفسه، إنه الكابوس الذي يمكن أن يصير في قراره شيء من المشروعية، أخذ يتأوه بعد أن نفذ صبره. يفتح عينيه بشكل بطيء ليتأكد ليجد امه قد غطت في نوم عميق، ينهض ببطء مستندا على ذراعيه ونظره شاخصا باتجاه أُمه وأخذ يمشي على رؤوس أصابعه لكي لا يحدث أي صوت ونظره لا زال باتجاهها، هو يعلم بأن والدته حريصة كل الحرص على سلامته فليس لديها سواه، كانت وعلى الدوام متوجسة تخاف عليه كأنه طفل صغير، وتنبهه في أكثر الأوقات.
- أن إيّاك والنهر فقد سرق مني أخاك.
يتذكر أخاه بدون انقطاع ويدرك تسلسل الأحداث ومنطق الأمور، لكنه يشعر بدافع قوي يجره إلى ضرورة الاقدام والتوجه إليه مهما حصل، فلابد من ذلك. يصل المكان، يقف عند الحافة وأخذ يحدق في أمواجه المتلاطمة، فالمكان خالي إلا من صبية يسبحون على مسافة بعيدة في الشاطئ، يمسك حصاة دائرية مسطحة ويقذفها بقوة على سطح الماء بشكل يوازيه لتتقافز مكونة دوائر صغيرة هنا وهناك مبتعدة إلى وسط النهر، يقرر السباحة وأن يتجاوز حاجز الخوف الذي توالد بسبب تكرار التنبيه والسباحة لوحده بعد أن كان لا يقترب منه إلا في وسط مجموعة، أخذ يتأمل الماء من دون انقطاع، وإذا به يتخيل شخص عملاق مفتول العضلات يقف في وسط النهر والماء يغطيه إلى المنتصف تقريبا وأخيه الغريق الذي يقف بالقرب منه وآخرين يخيل إليه أنه يعرفهم، يبدون أقزاما مقارنة بهذا العملاق، الذي يضع يداه الواحدة فوق الأخرى، ثم يؤشر له بسبابته.
- أن تعال إليّ فأنا أعرف ما يجول في خواطرك.
يشعر في تلك اللحظة بالثقة الكاملة في نفسه لا يشوبها أي شائب، أخذ يحدثه بصوت مسموع.
- أنت تعلم أيها النهر ما الذي دفعني إلى المجيء اليك، فأنا لا اخافك مطلقا رغم أنك أخذت أخي وتركتني وحيدا، واعرف ما أنا بالقياس اليك، فأين أنا منك أيها النهر؟ لن أستطيع أن اؤذي كرامتك مهما فعلت، ولن أعتبرك ندا لي في يوم من الأيام، لكني سأسبح في مياهك لوحدي اليوم، ولن أسمح لك بأخذي كما فعلت بأخي.
يسبح بكل الاتجاهات ويشعر بنشوة الاستمرار والشبح العملاق أخذ بالتلاشي شيئاً فشيئاً.
تنهضُ الأم فزعة وجلة كأن شيئا يجرها ليوقظها عنوة، لتجد المكان خالي تماما، عرفت بأنه قد أتجه صوب النهر، أصابها ذعر رهيب، وأخذت تركض وتصيح.
- ولدي.... ولدي... رحماك يا رباه.. فما أن وصلت حتى رأته يلوح لها بيديه وهو يسبح على ظهره ويقول لها:
- انظري أيتها الأم العزيزة، فقد قبلت التحدي، وها أنا أسبح ضد اتجاه تياره، وقد عبرته ذهاباً وإيابا، ولن أستسلم له أبدا.
تصيح عليه:
- كفى يا ولدي، رحماك بأمك، أُخرج لنعود إلى البيت.
- سأخرج حالا بعد أن أغطس لآخر مرة، مرة واحدة فقط يا أمي.
توافق على مضض كون حبه في شغاف قلبها، يصعد على المرتفع ويرجع عدة خطوات إلى الخلف، ثم يركض إلى الأمام بسرعة ويقفز، تغطي الأم عيونها بيديها وهي تسمع صوت اختراق جسمه في الماء، تنتظر وتنتظر ولا زالت تغطي وجهها، رباه متى سيخرج ونعود، أصابها القلق، خوفٌ شديدٌ بعد أن تراءت لها صورة أخيه الغريق، لتصيح من أعماقها:
- لا.. لا.. لا يمكن أن يحصل هذا.
أخذت تجهش في البكاء بصوت يخلع نياط القلوب..
- لا.. يا نهر... لا.. يا.. ن.. هر..
تستيقظ فزعةُ وهي تردد تلك الكلمات بشكل متقطع لتكتشف بأنه كان كابوس مخيف وحسب.
تنظر إلى مكانه تجده خاليا بالفعل، تتلفت مذعورة لا تدري ماذا تفعل وإذا به يدخل الغرفة، تنهضُ، ثم أخذت تعانقه وتتلمس جسمه من رأسه حتى أخمص قدميه لتتأكد أنه ولدها حقيقة أمامها لا خيال.... ثم تحمد الله .



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجيا المكان: من الدفء النفسي إلى الرفض المكاني في رواية ...
- قصة قصيرة: تحت الصفيح
- قصة قصيرة: الحوتُ والقمر
- رحلةٌ في السرد والتأمل: وقفة على مائدة الإبداع والكاتب داود ...
- قصة قصيرة: حلم السقوط
- الروائي داود سلمان عجاج يضيء العتمة بسرد متقن ولغة راقية للك ...
- قصة قصيرة: لحظات الأفول
- رحلة البحث عن الهوية والذات بين صراع الواقع والخيال في رواية ...
- تجليات المكان وابعاده في المجموعة القصصية فتاة التيه للقاص د ...
- قصة قصيرة: وجه من الحرب
- العقل الواعي والكينونة امام تحديات العقل الجمعي: قراءة في رو ...
- قصة قصيرة: العقدُ الذي لم يكتبه القلب
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- حين يصبح الوطن خندقاً: تأملات في جدلية الانتماء والموت في رو ...
- قصة قصيرة: ما تبقى من الكبش
- قصة قصيرة: القرار
- قصة قصيرة: أحضان أُم
- قصة قصيرة: ليلة لا تُروى
- قصة قصيرة: السرّكال
- قصة قصيرة: همس القيد


المزيد.....




- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي
- بحّار الرواية العربية.. كيف حوّل حنا مينه زرقة المتوسط إلى م ...
- فستان من أرشيف 1995.. كيندال جينر تخطف الأنظار في مهرجان الب ...
- -كسارة البندق – ليست حكاية خرافية-.. عرض روسي معاصر في إسطنب ...
- بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هاجس الخوف