أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - طِرسٌ لا يُمحى: قراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحمن بوطيب / الدكتورة فاطمة الديبي














المزيد.....

طِرسٌ لا يُمحى: قراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحمن بوطيب / الدكتورة فاطمة الديبي


عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 00:18
المحور: الادب والفن
    


تمثل الشذرة السردية شكلا أدبيا يقوم على مبدأ الاختزال الخلاق، إذ تسعى إلى احتواء عوالم دلالية متشعبة في فضاء نصي ضيق. وهي بذلك تضع الكاتب والقارئ معا أمام رهان مزدوج؛ رهان الكثافة التعبيرية من جهة، ورهان القدرة على ملء الفراغات الدلالية المتعمدة من جهة أخرى. وفي هذا السياق تتنزل شذرة "طِرس" للكاتب المغربي عبد الرحمن بوطيب، التي لا تتجاوز في مبناها أربعة أسطر، غير أنها تنطوي على بنية سردية مكتملة، وطبقات دلالية متراكبة، وشبكة من الصور البيانية التي تجعل منها نصا يستحق الوقوف والتأمل. فما الذي يجعل هذه الشذرة القصيرة نصا أدبيا كاملا؟ وكيف تتضافر مستوياتها المختلفة لتنتج هذا المعنى الثري في أقل قدر ممكن من الكلمات؟
لا يمكن مقاربة هذه الشذرة دون الوقوف عند عنوانها الذي يشكل عتبة دلالية موجِّهة للقراءة. فكلمة "طِرس" هي في الأصل مصطلح عربي فصيح يحيل إلى الصحيفة التي مُحي ما كُتب عليها ثم أُعيدت إليها الكتابة من جديد. وهو بذلك يحمل في ثناياه ثلاثة أبعاد متشابكة لا يمكن فصلها؛ بُعد مادي يتمثل في الورق موضع المحو والكتابة، وبُعد زمني يجمع بين الماضي الممحو والحاضر المكتوب، وبُعد وجداني يختزن ما لم يُقَل في مقابل ما يُقال الآن. والمفارقة البليغة في هذا العنوان أنه يتحول إلى ميتانص، أي أن النص يتحدث عن طِرسه في الوقت الذي هو فيه طِرس بذاته، فيغدو الشكل مرآة للمضمون قبل أن تُقرأ الكلمة الأولى.
رغم قِصر النص، تتجلى فيه بنية سردية ثلاثية المراحل تحاكي البنية الكاملة للحكاية الكلاسيكية. تبدأ بلحظة الانطلاق المتجسدة في "عاد إلى طِرسه القديم"، وهي جملة تفتح أفق التساؤل فورا؛ لماذا العودة؟ وما الذي انقطع أصلا؟ ثم تنتقل إلى لحظة التحول مع "مسح رسالة لم ترسل"، وهي لحظة تحمل ثقل الصمت الطويل وتعلن في الآن ذاته القطيعة معه. ولا يلبث السرد أن يبلغ ذروته وختامه في آن واحد مع "دوَّن بحبر من رحيق نجيع / أنتِ القصيدة"، حيث تنفجر الدلالة في أقصر جملة وأكثفها. وهذا التصاعد الثلاثي المحكم يمنح الشذرة إيقاعا داخليا يعوض غياب الإطالة، ويجعل القارئ يشعر أنه أتم قراءة نص كامل لا مقطعا مبتورا.
يُحكم الكاتب توظيف آليات أسلوبية متعددة تجعل من لغة النص طرفا فاعلا في إنتاج المعنى لا مجرد أداة ناقلة له. فعلى صعيد الصور البيانية، تبرز استعارة "بحبر من رحيق نجيع" بوصفها الصورة الأكثر كثافة دلالية في النص؛ إذ تجمع بين معجمين متباعدين، معجم الكتابة ممثلا في الحبر، ومعجم الحياة العضوية ممثلا في الرحيق والدم الأحمر الخالص الذي تعنيه كلمة "نجيع"، لتنبثق من هذا الجمع دلالة عميقة مفادها أن فعل الكتابة هنا ليس ممارسة ذهنية باردة، بل هو نزيف حي ينبع من أعماق الوجدان. وتجيء استعارة "أنتِ القصيدة" لتكون التجلي الأعظم في النص، فهي لا تقول إن المحبوبة مثل القصيدة، بل تُلغي كل مسافة بينهما، فتغدو المرأة هي الشعر في جوهره قبل أن يُصاغ الشعر في كلمات. وعلى صعيد التضاد البنيوي، يقوم النص على شبكة من الثنائيات الضدية التي تُولِّد التوتر الدلالي المحرك للمعنى؛ فالمحو يقابل الكتابة، والقديم يواجه الجديد، والصمت يصطدم بالبوح، والنثر يتحول إلى شعر. ويُضاف إلى ذلك توظيف الحذف الدلالي بوصفه أداة إبداعية واعية؛ فالنص يسكت عمدا عن هوية "أنتِ" وعن سبب بقاء الرسالة دون إرسال، تاركا هذه الفراغات للقارئ كي يملأها بتجربته وذاكرته الوجدانية الخاصة، فيصبح القارئ شريكا في صناعة النص لا متلقيا سلبيا.
تتقاطع في "طِرس" ثيمات كبرى تمنحه أبعاده الإنسانية الجامعة. تتصدرها ثيمة المحو والكتابة بوصفها استعارة وجودية شاملة؛ فالطِّرس لا يُمحى تماما، بل يحمل إلى الأبد أثر ما كُتب تحت السطور الجديدة، وكذلك الذات الإنسانية تحمل رواسب صمتها وكلامها المكبوت في الوقت ذاته. وتتشابك مع هذه الثيمة ثيمة الصمت والبوح؛ فالرسالة التي لم ترسل رمز لكل ما حبسه الإنسان في داخله من مشاعر جراء الخوف أو التردد، والعودة إلى الطِّرس هي شجاعة كسر هذا الصمت ومواجهة الذات. أما ثيمة الحب والإبداع فتبلغ في النص مداها الأعمق حين يطرح الكاتب معادلة جمالية مفادها أن المحبوبة ليست موضوعا للقصيدة، بل هي القصيدة ذاتها قبل أن تُكتب. وتغلق ثيمة الزمن هذه الموضوعات في دائرة متكاملة؛ فصفة "القديم" التي تلازم الطِّرس في مستهل النص وفعل "دوَّن" الذي يختمه، يكشفان عن صراع الإنسان مع الزمن ومحاولته المستمرة لاستعادة ما فاته وتحويله إلى كلمة خالدة.
لا يقف "طِرس" وحيدا في الفضاء الأدبي، بل يتحاور مع أصوات سابقة ويستدعيها. فعلى المستوى الصوفي، تُحيل ثنائية المحو والكتابة إلى مفهوم "المحو والإثبات" في التصوف الإسلامي كما صاغه ابن عربي، إذ يعتبر المحو شرطا للتجلي والوصول. وعلى مستوى التراث الكتابي، يستدعي النص عالم الرسائل الأدبية العربية والأندلسية حيث كانت الكلمة المكتوبة فعلا عاطفيا وجماليا في آن معا. وعلى المستوى الشعري الحديث، يتقاطع النص مع الشعرية النزارية التي جعلت من المرأة مرادفا للقصيدة ومصدرا لها، وإن كان بوطيب يبلغ هذه الفكرة بأقل الكلمات وأشدها إيجازا وتكثيفا.
في أربعة أسطر فحسب، ينجح عبد الرحمن بوطيب في إنجاز ما تعجز عنه بعض القصائد المطولة؛ إذ يبني نصا يجعل من الشكل رسالة موازية للمضمون، فكما يحمل الطِّرس في صمته كل ما مُحي، يحمل النص في فراغاته كل ما لم يُقَل. وتكمن عبقرية الشذرة في أنها تحول فعل الكتابة إلى موضوع للكتابة، فتصبح الميتانص والنص في آن واحد. وما يجعل "طِرس" تجربة أدبية ناضجة ليس فقط ما تقوله، بل ما تصمت عنه عمدا، إذ تُقر بحكمة أن للصمت لغة، وأن في الفراغ معنى، وأن أبلغ القصائد أحيانا هي تلك التي تكتفي بأن تُسمّي ولا تُعرِّف، وتُشير ولا تُفسِّر، تاركة للقارئ شرف اكتشاف ما بين السطور.



#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)       Boutaib_Abderrahman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لزوميات / شذرات متتاليات / عبد الرحمن بوطيب
- قراءة منهجية متعددة المرجعيات النقدية في مشروع -العطفات الشع ...
- الناقدة الأردنية الدكتورة منال العبادي تقدم قراءة نقدية في ا ...
- [ سيرة وفاء ] {الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب الأم الراحلة بعد ...
- الأديبة السودانية الأستاذة زكية أحمد عيسى (أم تاجوج) في حوار ...
- «عبد الرحمن بوطيب / من تعدد الكتابة إلى وحدة المشروع: تطور ا ...
- (الكتابة على حافة الآخر: في فلسفة التواشج الشعري، في ديوان - ...
- [من شعرية الهامش إلى أنطولوجيا الإنسان الجريح: مقاربة سردية ...
- شرارات بنيات قصيدة النثر الحداثية الكامنة في ديوان عبد الرحم ...
- -تجربة الشاعر عبد الرحمن بوطيب: القلق الوجودي، وهندسة السطر ...
- (قراءة في شعرية الهامش وأنطولوجيا الحرمان، في القصة القصيرة ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- رمزية تآويل رماد فاطمتنا الخنسائية: تنوع عابر لحدود بين أنوا ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- حوار ثقافي مع الأديب المغربي المتعدد والناقد الأستاذ عبد الر ...
- قراءة نقدية تقديمية للنص الشعري النثري: أنا والمطر، للشاعرة ...
- قراءة موجزة في النص النثري الفني -موتُ الحياةِ في طفولةِ رجل ...
- عبد الرحمن بوطيب: سادن الضاد وهندسة الرؤى الثقافية / شخصيةال ...
- [كنت معلما] استرجاعات من ذاكرة رجل تربية وتعليم (1972 / 2011 ...
- طفل... والمدينة العاهرة / قصة قصيرة


المزيد.....




- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحمن بوطيب - طِرسٌ لا يُمحى: قراءةٌ في شعرية الشذرة السردية عند عبد الرحمن بوطيب / الدكتورة فاطمة الديبي