عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 03:04
المحور:
الادب والفن
4/ وتلك... "الرؤى"، ومدينة:
سؤال 14
أنتم مؤسس "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" بكل برامجها وامتداداتها، وقد كنتم قبلها مؤسسَ "مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد"، لم هذا التبديل في العناوين؟ ما الفلسفة التي استندتم عليها وجعلتكم تنتقلون مثلا من امتدادات الرؤى الثقافية إلى الرؤى الثقافية؟
جواب 14
هي "الرؤى" رحلة... لها محطة ولادة، ولها محطات امتدادات، وحتما ستكون لها محطة نهايات.
تغيّر تسميات "الرؤى" ليس اختيارا عشوائيا... المنابر تولد وتنمو وتتضخم وتترهل... وهذا حال "الرؤى"... مسار تطوري يراعي خصوصية الذات، ويستجيب لمتطلبات التلقي.
تعدد صيغ "الرؤى" فرض نفسه من باب الاستجابة لنوعية راهنية "التخصص"... لكلٍّ منبرُه، الذي إليه وفيه يرتاح.
الانتهاء اليوم إلى محطة "مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" اختيار مقصود، راعى تقليص حجم "الرؤى الأم" المتضخم، دون تجاوز لثوابتها المنصوص عليها في "ميثاق الرؤى".
وتبقى "الرؤى" منبرا منفتحا على التغير والتجدد، حسب ظروف واختيارات.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 15
وماذا عن شقيقات الرؤى، أقصد مجلة رؤى السرد والنقد، ومجلة الترجمة الأدبية ودراساتها الأكاديمية، ومجلة قصيدة النثر الحداثية؟ مشروعكم مشروع فكري كبير.
جواب 15
هي منابر متخصصة موازية... لها حضور، ولها إكراهات، عساها تنتعش.
الاستجابة الممكنة، قدر المستطاع، لانتظارات طيبة من رواد كرام تفرض نفسها، قد نجد من لا يهوى السباحة في مسبح عام... الرؤى تحاول توفير مسابح خاصة، وما هي السبّاقة في هذا.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 16
لديك خبرة مهمة في الحياة، وأنت من مدينة عملاقة، الدار البيضاء - فيها تم تعييني أستاذة في بداية مزاولتي التدريس - مدينة صاخبة، ومستقر مكين لكتابة الرواية، الجنس الذي لا يمكن كتابته بلا خبرة حياتية...
هل سيطلع علينا عبد الرحمن بوطيب برواية فيما يأتي من الأيام؟
جواب 16
البيضاء، هي "كازانيغرا"... موطن القلب والروح، وقد خبرتِ سيدتي عوالمَها المدهشة.
المغامرةُ في عوالم "البيضاء"، وبالموازاة في معالم الرواية، مغامرة محفوفة ب"مخاطر"، المادة موجودة، والتهيب حاضر... وقد تفرض المادة نفسها ذاتَ مغامرة... ساعتها لن يكون بيده القرار... البيضاء تسكنه، تحرق أوراقه... وبها يتغزل، ولها منه عتاب... قد تبوح به رواية منتظَرة.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 17
لا تتوانى سيدي في هندسة مجلتكم بعدد من البرامج، مع اختيار مديريها، وتعيين توقيت لكل برنامج، والإضافة النوعية المتجددة إلى موادها، ما يكشف عن مهندس بارع ومدبر جيد، من أين جاءتكم هذه الملكة التي لا تؤتى للجميع ممن هم في نظير موقعكم؟
جواب 17
وللمرة الثانية يقول: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"...
قد ترجع مهارة "فوضى التخطيط" لترسبات تنظيم حياة عملية زمنَ معانقة تدريس بمختلف المستويات التعليمية... دقة وتخطيط.
وقد ترجع إلى "غواية تجديد".... هوسٌ ملازم للذات.
وقد ترجع إلى واجب استجابة لانتظارات طيبة من رواد كرام...
واجب ومسؤولية.
عساها تفيد... وتستفيد... ولا للرتابة وتكرار الذات.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 18
على ماذا تراهنون بهذه المجلة؟ ما الدور الذي تريدون أن تضطلع به هذه المنابر في بناء الشخصية السوية المتوازنة وبناء رؤيتها للحياة؟
جواب 18
ربما، في "ميثاق الرؤى" جواب على تساؤل مشروع:
"مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية" مجلة ثقافية أدبية للإبداع والنقد والفكر، تعنى بكل الأنواع التعبيرية الأدبية والفنية، وتعتمد اللغة العربية الفصحى لغة رسمية لها، وتنفتح على اللغات العالمية قدر الإمكان، وتحتفي بالإبداع الأدبي المحمول باللهجات المحلية وفق المتعارف عليه من خصائصها الفنية.
تصرف منتوجها رقميا على صفحتها، وفي مدوناتها الرسمية، وفي كتبها الرقمية الخاصة، وفي أنشطتها الثقافية الحضورية الموازية.
وتنظم فعاليات ثقافية حضورية في مركبات وفضاءات ثقافية محترمة.
وتنفتح على العمل التشاركي المؤسسي والفردي في جميع فعالياتها الرقمية والحضورية.
هي فضاء ثقافي لكل الثقافات العربية، ولكل الثقافات الدولية العالمية، لا تؤمن بالشوفينية القطرية، وتحترم كل الجنسيات الشرعية بخصوصياتها المحلية، ولا تعبر عن أي توجه سياسي أو دعوي، وتحترم الديانات السماوية، وتسعى لتكريس ثقافة السلم والسلام والتعايش الحضاري البناء بين الثقافات العالمية المختلفة، في أفق تجذير ثقافة حداثية تنويرية تقدمية تسهم في مشاريع بناء الإنسان والمجتمعات والإنسانية الخلاقة، وتؤمن بالحق في الاختلاف، والحق في التعبير المسؤول عن الرأي، والحق في الحوار الإيجابي، وتسهر في صفحتها على احترام معايير الأخلاق السامية وأهدافها الكونية النبيلة.
غايات كبرى... وللتساؤل العميق امتدادات.
ـــــــــــــــــــــ
5/ مشهد ثقافي... تحديات:
سؤال 19
ما هي التحديات والاكراهات التي تواجهكم في حضوركم في المشهد الثقافي المغربي المعاصر؟
جواب 19
"الإكراهات"... حدثي، ولا حرج، ضريبة ثقافية مفروضة على كل مغامر في رحلة بحث عن تجذير وتميز وإبداع... ولا ندعي أكثر من حجمنا المتواضع.
إكراهات ذاتية، وإكراهات مؤسسية، وإكراهات ثقافية / حضارية... ومع
ذلك نحاول أن نستمر في المغامرة.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 20
كيف تقرؤون هذا المشهد؟
جواب 20
ظاهرة شاخصة بنيوية... ملازمة للفعل الثقافي في كل زمان، وفي كل مكان.
نحن ذرة في كون غريب.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 21
ألا ترون معي أن هذه الرقمنة قد أثرت على مفهوم الأدب، ومفهوم النقد خصوصا، مع الإمكانات التي أتاحتها في التفاعل وسهولة التواصل بين الكاتب والقارئ؟
جواب 21
أجل، ونغامر فنقول:
هذا عصر رقمنة، وصورة، وذكاء اصطناعي.... "الإنسان" في قلب العاصفة.
تأثير المستجدات الرقمية على الأدب والنقد ملاحظ، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله، الحامل يؤثر سلبا وإيجابا على المحمول...
التواصل الرقمي رحمة بالناس... ونقمة.
لنا حنين إلى ورق... وريشة ومداد وأوراق وكتاب، ورسالة، وساعي بريد...
ولنا - في نفس الآن - انبهار بوسائل ذاهبة بنا إلى عوالم "خيال علمي / أدبي"،
فهل نرفض، أو نتخلف عن ركب؟
لكن، حذار من قرصنة نقد "غباء اصطناعي"... هذه معضلة تستفحل
ثانية بعد ثانية.
"النقد البشري" في خطر... آخر تحذير قبل طوفان كاسح.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 22
ألذلك تلحون كثيرا على مسألة التفاعل وتطالبون قراء المنشورات بضرورة التجاوب معها، وتجعلون ذلك واجبا... هذا يعني أنكم تملكون رؤية جديدة لتلقي الأدب والنقد والمعرفة الأدبية بصفة عامة؟
جواب 22
غواية "تنشيط"...
التفاعل الثقافي الأدبي النقدي رافعة أساس لتطوير التجارب الذاتية والجماعية...
التلقي النقدي واجب ومسؤولية... ولا عزاء لمن يتخلف عن ركب تفاعل.
لا حديث عن فرادة إبداع بعيدا عن عيون نقاد...
الفعل الثقافي أخذ وعطاء...
الإبداع عطاء... والنقد أخذٌ منه واجبٌ لتطوير إبداع.
النقد متاح للجميع، في أبسط صوره كتفاعل أدبي يقدم رؤية معينة معللة مقنعة... ولأهل الاختصاص في النقد حرمة... النقد ليس ساحة لعب.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 23
أهنئكم على إصداركم الأخير المشترك مع الشاعرة السورية روضة الدخيل، ديوان "رابعة الأثافي: خفق جناحين... قصيدة بصوتين"، عن مؤسسة منشورات النورس، شهر أبريل 2026؟
في كلمتكم عنه قلتم: "هذا الديوان بين أيديكم، اهدموه هدما"،
ما فلسفة الهدم هذه؟ أليس في كلمتكم ما يكشف عن تجديد في مفهوم القراءة والنقد أيضا؟
جواب 23
عميق الشكر أستاذتنا الكريمة على التنويه الثري النبيل،
"فلسفة الهدم"... هي روح "فلسفة" مجموعة تأصيل قصيدة النثر الحداثية... (من الهدم، إلى التأسيس، إلى التجنيس، إلى التأصيل، إلى الهدم اللاحق)...
لا مشروعية للسكون والثبات... الكون يتغير.
التعبيرات الثقافية الجمالية أنواع وأشكال، تتميز بخصائص نوعية... تتمايز... وتتشاكل... وتتدافع... حركية حياة نابضة.
للهدم الأول والهدم اللاحق مشروعية واجبة... أنا أتغير، سأجمد ساعة رحيل... عسى أن تبقى مني حروف تنبض.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال24
بسبب فلسفتكم هذه فكرتم في إصدار ديوان مشترك قبل أن تفكروا في إصدار أعمالكم بشكل فردي؟
جواب 24
"النشر... وتلك حكاية أخرى"،
عنيدـ.. لا يستجيب لنداءات طيبة نبيلة... يرفض النشر إن لم يحمل معه قيمة مضافة... يرفض إضافة عنوان باهت إلى عديد عناوين لا تُقرأ... يحترم التميز والتفرد والإضافات النوعية، من كبار المثقفات والمثقفين، ويتهيب أن يغامر بفعل ناقص.
"رابعة الأثافي: خفق جناحين... قصيدة بصوتين"، إصدار مؤسسة منشورات النورس / أبريل 2026، في طبعة أنيقة يُشْكَرُ عليها جزيل الشكر أستاذنا الفاضل، الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس، مدير مؤسسة منشورات النورس... هي رَدُّ دينٍ سابق لشاعرة كبيرة، الشاعرة السورية روضة الدخيل... أختنا الفاضلة، أكرمت حروفنا المتواضعة بعطفات شعرية ندية منذ أزيد من ست سنوات... وكان منّا وعدٌ بنشر ديوان مشترك... تأخر، لكن حان وقته اليوم، لها التقدير والاحترام والامتنان.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 25
كتبتم في سيرتكم: "هذه الكتابة... هذه الورطة"، لماذا هي ورطة؟
جواب 25
هذه الكتابة... هذه الورطة،
"المثقف" عنصر من جملة عناصر كونية، تاريخية، لها حضور في الحاضر المشهود الممتد إلى ماض معلوم، وإلى مستقبل مجهول.
"المثقف" فاعل، شاء أم أبى... فاعل في ذاته في أبسط الاحتمالات... فاعل في هذا العالم في أقصى الاحتمالات.
"المثقف"، إما أن يكون، أو لا يكون.
يكون / يوجد... إن هو انخرط في فعل "التعبير" بوعي وإرادة وفق أهداف مرسومة.
لا يكون / لا يوجد... إن هو انساق، دون تحكم في مِقْوَدِهِ، مع تيار التعبيرات الجارية وراء البحث عن موقع ما... مشبوه بالضرورة، لينخرط في عملية إنتاج التفاهة والضحالة والسفاهة والرداءة.
بناء عليه... أعلنُ تورطي في قبول التصنيف مع أسرة المثقفات والمثقفين... فقط لأنني إنسان يُعبّر... يقول... وقد يصرخ... ولا يدعي - صدقا - أنه "مثقف"... فقط يقول: (أنا مسؤول... ولن أسمح للرداءة باختراق كياني).
ـــ الكتابة ورطتي اللذيذة... عبر مساربها تُعاد حياتي في عملية التشكل كُلَّ لحظةِ بوح... أتجدد، أتلون بألوان لم أتلون بها من قبل، أجد نفسي وقد صرت إنسانا آخر لم أكنه من قبل... ولم أخطط لأكونه.
ـــ الكتابة / الورطة تنتجني... تلدني... وأنا بريء من فعلها.
"ورطتي" مسؤولية... بكل صدق، أحاول فهم ذاتي... فهم محيطي... فهم عالمي والكون، فقط... ولهذا وذاك، لأنني مسؤول.
أنا مسؤول عن ذاتي... لا أريد أن أكون صورةَ ذاتٍ سابحة في مستنقعات الرداءة وتكريس واقع خائب على حد توصيف الدكتور عبد الله العروي.
أنا مسؤول عن دوري بين مكونات محيطي، وفي عالمي، وفي هذا الكون.
ـــ مبدئيا، الكتابةُ خَلْقٌ... قد تكون من باب إبداع، إن هي جاءت على غير سابق مثال، وهي في هذا مغامَرة... وإن هي انصهرت في منظومة تعبير مؤسَّسة حاملةٍ معالمَها وتعبيراتِها النوعيةَ فهي بذاك انخراط ومشاركة وإضافة... وما بين الحدين مفاضلة.
ــــ خصوصيا، أرى الكتابةَ موقفا من الذات والموضوع... بحثا عن، وترسيخا لقيم معينة... قيمٍ آمنت بها، ومارستها... ولي فيها كبوات وأخطاء وتعثرات... وربما المناسب منها قليل... هي قيم العدل والحق والخير والجمال والإنسانية والتآخي...
لا أتوانى عن صفع هذا العالم، وصفع وجهي أولا، إن كانا رمزين للتحكم والقهر والظلم والإقصاء والتهميش وسحق كرامة الإنسان وخنقه والتضييق على أنفاسه وسحق كرامته...
الكتابة بالنسبة لي انخراط مسؤول في مواجهة كل أشكال التحكم والاستعباد والاستبداد والتمييز والعنف والعنصرية.
الكتابة بالنسبة لي واجهة نضال واجب... نضال ضد كل ما يكبل ذاتي، من ذاتي أولا... وضد كل ما يكبل ذاتي بسلطته غير المشروعة من محيطي ثانيا.
هذا أنا والكتابة... وفي نفسه شيء من كان، ويكون.
ـــــــــــــــــــــ
سؤال 26
كيف تقرؤون المشهد الثقافي المغربي المعاصر بمقارنته بالمشهد الثقافي المغربي في فترة السبعينات إلى التسعينات مثلا؟
جواب 26
لا قياس مع وجود الفارق... لكل زمان رهاناته.
ولكل مرحلة "شعريتها ونكهتها"... كما لها إكراهاتها وأعطابها.
لو سلمنا بأن الفعل الثقافي في الذات والواقع مشروط بمقامات تاريخية تداولية، وباعتبارات لحظية سياقية، ولو آمنا بأن "المحاكمة التاريخية" مغامرة عديدة منزلقات... لكنا - بالضرورة - سنتهيب الإقدامَ على المغامرة بمقارنة.
ومع ذلك نغامر فنقول:
الاعتبارات التاريخية التداولية في مرحلة الستينات والسبعينات - بشكل عام - كانت اعتبارات تشرعن فعلَ المشاريع الكبرى، محكومة بإكراهات أيديولوجية شرقية ماركسية، وبرؤى سياسية نضالية تقدمية... وما كانت في ذلك عن "شعريتها" وغائيتها "مارقة"، ولكل اختيار ثمن.
كانت مرحلة وفرة ثقافية، تميزت بـقوة الحضور الإيديولوجي والفكر الثوري لليسار، والقومية، ولأسئلة الهوية والديمقراطية... حيث ارتبط الأدب والفن بقضايا المجتمع وبالتحولات السياسية.
مغرب هذه المرحلة الساخنة كان بين حد الصراع الهوياتي ضد الهيمنة الكولونيالية الاستعمارية... "صراع الهدم"، وحد النضال من أجل ضمان بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية... "صراع البناء" .... مرحلة فارقة حارقة.
ولو حصرنا رؤيتنا في الزاوية الثقافية - وهذا تخصيص تفرضه طبيعة الحوار وطبيعة البرنامج الحامل له - فإننا سنسجل، بكل احترام وتقدير، أن الحركة الثقافية التأسيسية الرائدة، الحاملةَ هموم مشروع الاستجابة، والإجابة عن "سؤالي المرحلة"... "سؤال الهدم"، و"سؤال البناء" المشار إليهما، كانت حركة معبرة - في الغالب - عن تصورات يسارية، مشبعة بمحمولات تعبيرات مشاكسة، تعاند "واقعا كائنا" غير مقنع بالضرورة، وحالمة "بواقع ممكن"، ولو كانت الضريبة حارقة.
رواد تأسيس المرحلة الثقافية الجديدة، في مرحلة المغرب الجديد، هم جملة أسماء كبيرة، بصمت الفعل الثقافي ببصمتها المؤدلجة التاريخية.
ففي تلك الفترة كان الكاتب، أو الشاعر، أو الناقد، أو المفكر يدخل إلى المشهد عبر مسار طويل من التكوين الذاتي، والاحتكاك اليومي، والنقاش الجماعي، في إطار حاضن هو المجلات الثقافية المؤثرة، التي صنعت نقاشا فكريا جماعيا عميقا، فضلا عن فضاءات المؤسسات التعليمية الثانوية والعليا.
على وجه العموم، لا على وجه التعميم، كانت الكفة راجحة للمحمولات القضوية، وكانت الأشكال التعبيرية البديلة في بداياتها التأسيسية المغامِرة.
المشهدية المعاصرة اليوم... مشهدية زمن تعدد وتشظ، وعديد انكسارات وخيبات.
منذ بداية ألفيتنا الثالثة، خاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والحوامل الرقمية، تغيرت قواعد اللعبة الثقافية... شابتها تحولات شبه جذرية، من أبرز سماتها:
اتساع دائرة المشاركة الثقافية، إذ أصبح النشر متاحا للجميع تقريبا، وهذا مكسب ديمقراطي مهم، فسح المجال لأصوات جديدة، ولمناطق مهمشة سابقا، مكسرا مركزية الخريطة الجغرافية، مع حضور نسائي أكبر، يحضنه تنوع لغوي وثقافي أوسع، مع ملاحظة تراجع المركز الثقافي الواحد
بظهور مبادرات محلية ورقمية كثيرة، بعضها أكثر حيوية وتأثيرا من مؤسسات ثقافية تقليدية عريقة.
الناشز، هو ضعف المواكبة النقدية الأدبية، حيث تبرز إحدى أهم الإشكالات، فقد فاض يم الإبداع نصوصا ومنشورات ومطبوعات، لكن النقد الجاد لم يواكب هذا الفيض كما يجب عليه من مواكبة، وقد أضحى - كنتيجة سلبية - موسوما بالاحتفاء التكريمي أكثر من التقييم النقدي التمحيصي، وبالإشهار الإعلاني المجاني أكثر من القراءة الفاعلية الدينامية البنائية المتخصصة، وما البيض كله في سلة واحدة، فلا نكران منا للفعل النقدي الأكاديمي العالِم، ولا نكران منا لعطاء كبار النقاد المحترمين... هم أساتذتنا القدوة.
فماذا ربحنا... وماذا خسرنا؟
بين حساب الربح وحساب الخسارة نغامر فنقول:
ربحنا حرية أكبر في التعبير، وانتشارا أوسع للمنتوج الثقافي، وتعددا في الأصوات والتجارب، في ظل حاضن مستجد، بإمكانات رقمية هائلة للتواصل، والتدوين، والتوثيق.
لكننا - في نفس الآن - خسرنا بعضا من العمق النظري والفكري، وكثيرا سلطة النقد الجاد، وواجبا من احتضان فكرة "المشروع الثقافي العام" طويل النفس.
وختما بنوع من المقارنة - غير المضمونة النتائج - نغامر فنقول:
إذا كان السؤال المركزي آنذاك يتلخص - عموما - في مقولة "ماذا نريد أن نغير في المجتمع والإنسان والثقافة؟"، فإن التساؤل الكبير المفتوح اليوم هو "كيف نحافظ على القيمة الثقافية الجادة المضافة، وعلى المعيار الجمالي الشاعري، وسط وفرة غير مسبوقة من الخطابات المرقمنة، والنصوص المتدفقة، والصور المتحكمة؟".
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟